سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((11))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((11)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٢ شعبان ١٤٤٧ هـ - ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
78

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((11))

سورة البقرة - الدرس (9)


نستأنف الكلام في الإجابة على السؤال السابق في موضوع "الأحكام الشرعية" في السورة، وهنا يأتي الحديث عن "اليتامى":


19. قال جل جلاله في حق اليتامى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (220).


سبب نزول الآية:
• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وَ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالُ يَتِيمٍ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، وَجَعَلَ ‌يَفْضُلُ الشَّيْء مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ، وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تخَالِطوهمْ...﴾ أي: فَتَخْلِطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِكِمْ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِكِمْ (1).
• وعَنْ عائشة رضي الله عنها قالت: "إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْيَتِيمِ عِنْدِي على حدة، حَتَّى أَخْلِطَ طَعَامَهُ بِطَعَامِي، وَشَرَابَهُ بِشَرَابِي" (2).
وقوله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ أي: قل أيها النبي! إصلاح أموالهم، من قبل الكفيل أو الولي أو الوصي مندوب ومستحب ومطلوب؛ إن كان هذا التصرف على وجه الإصلاح كالمتاجرة بالمضاربة وغيرها بشرط الحفظ له، وإذا بلغ اليتيم الرشد فإنه يؤتى ماله (3).
وقوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ أي خالطوهم وعاملوهم برابطة الأخوة الرحيمة، ولا تنظروا إليهم شذرًا، بل أشعروهم أنهم دائماً في بيت أهلهم وذويهم (4)، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اللَّهمَّ إنِّي أحرِّجُ حقَّ الضَّعيفينِ: اليتيمِ، والمرأَةِ)) (5).


وقال الشاعر سعدي الشيرازي:

ظلّاً على اليتيم كن، وآوه ** وامسح غبار ذله وداوِهِ
وإن بدى ذبوله وقَصَدكْ ** فلا تقبّل إذ تراه! ولدكْ


20. دلَّ قوله عزوجل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (221) على قطع كلّ صلةٍ بين المسلمين والمشركين الذين لا يؤمنون باللّه تعالى ولا باليوم الآخر؛ لذلك حرّم الزّواج بالمشركة _والمشركة هي التي تعبد الأوثان، وليس لها دين سماوي _، والملحدة التي لا تؤمن بدينٍ، والمجوسيّة التي تعبد النّار، والمرتدّة التي عادت إلى كفرها بعد أن أسلمت، وهذه الحرمة هي حرمةٌ مؤقتةٌ بغايةٍ وهي الإسلام، فإذا أسلمن جاز الزّواج بهنّ(6).
وأما الكتابيات فيجوز نكاحهن _إذا لم يخش الضرر على الأولاد_ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] أي: العفيفات من أهل الكتاب، وهذا قول جمهور العلماء، وبه قال الأئمة الأربعة (7).
فالذي ينبغي أن يراعي المسلم في الزواج الخلق والدين، لا الجمال والحسب والمال فقط، كما قال عليه الصلاة والسلام ُ: «لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، ‌فَعَسَى ‌حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ، فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلَأَمَةٌ خَرْمَاءُ -مقطوعة بعض الأنف ومثقوبة الأذن (8)- سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ»(9).
_ قال العلماء: وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: 5] هذه الآية أباحت ‌نكاح ‌الكتابية، وقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه تزوج ‌نَائِلَةَ بِنْتَ ‌الْفُرَافِصَةِ على نسائه وهي نصرانية، وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: أنه تزوج يهودية. لكن روي عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما كراهة ذلك.
واختلفوا في ‌نكاح ‌الكتابية الحربية، فقال ابن ‌عباس رضي الله عنهما: لا تحل، والجمهور على خلافه، وإِنما كرهوا ذلك لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]، والنكاح يوجب الودَّ(10).
والتتمة في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.



هوامش:
(1) أسباب النزول للواحدي: 64.
(2) ينظر: تفسير ابن كثير: 1/436.
(3) ينظر: تفسير الوسيط للواحدي: 1/326، الأساس في التفسير لسعيد حوى: 1/510.
(4) زهرة التفاسير لمحمد أبو زهرة: 2/711.
(5) أخرجه النسائي في السنن الكبرى: (9149)، وابن ماجه: (3678)، بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، وينظر التفسير الوسيط، د. وهبة الزحيلي: 1/284.
(6) ينظر أحكام القرآن للجصاص: 2/15، الأساس في التفسير: 1/514_515.
(7) روائع البيان، محمد علي الصابوني: 1/278.
(8) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: 2/27.
(9) سنن ابن ماجه: (1859) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه. قال المحقق محمد عبد الباقي: إسناده ضعيف، ورواه ابن حبان في صحيحه بإسناد آخر: 1/597.
(10) زاد المسير في علم التفسير، ابن الجوزي: 1/519.

بقلم: د. خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...