تساؤل كبير ومهم يسأله الملحدون اليوم، وهو موجه للمسلمين ولكل من يدعي أنه يعبد الله ويطيعه في هذه الأرض. خلاصته التالي:
أنتم تدعون أنكم تعبدون الله وهو من خلقكم وأعطاكم أفضل دين وأقوم تشريعات ليجعلكم سعداء، ولكن العالم كله يرى أن أحوالكم المعيشية الحالية سيئة جدا، فقر وتخلف ومرض وتلوث وجهل وحروب وديكتاتورية وجرائم وأخلاق متدنية وفشل في العمل الجماعي والتعاون على حل المعضلات التي تواجه العالم، وتفشي متسارع للأنانية والتكبر والعنصرية والظلم والقتل حتى للأطفال، وفساد مالي مستشري، وعدم الاتقان والالتزام بالوعد والكلمة، وعندما نقارن بين الأقوال الجميلة التي يطلقها المؤمنون، وبين نتائجهم في الحياة نرى فرقا شاسعا، وغير ذلك من المثالب التي لا يمكن أن ينكرها كثير من المسلمين ومن شعوب العالم اليوم من كل الأديان، والأرقام تشهد بذلك بشكل دقيق، ولو ضربنا مثالا في موضوع الأطفال فقط ووضعهم في العالم اليوم وهم أضعف خلق الله وأكثرهم براءة، سنجد أن أرقام الأمم المتحدة تقول أنه يموت منهم ثلاثة مليون وأكثر كل سنة، فهل يعقل أنه على مدار عشرات السنين ملايين الأطفال يموتون بسبب المرض والحروب والإهمال، فأي عالم متدين ويدعي الأخلاق يسمح بهذه الجريمة الموصوفة ؟
أما الجواب التقليدي الذي نسمعه من المسلمين ومن غيرهم أن السبب الرئيسي لكل مشاكلنا أننا غير متمسكين بديننا بشكل قوي، ولا نطبقه في حياتنا وبالتالي هذا ما يجعل أحوالنا سيئة.
وهذا الجواب صحيح نوعا ما ولكنه ليس كاملا، وسأتكلم هنا بصفتي مسلما وأرى من وجهة نظري أن الإسلام هو دين الله الأقوم، وهو آخر الأديان نزولا وخاتمها وأكملها تشريعا، وادعاء أيضا أنه يحمل حلولا لكل المشكلات في العالم.
أولا الرد على هذا السؤال الكبير يحتاج مناقشة من عدة جهات، ولكن مبدئيا هو سؤال صحيح ويشهد له واقع كثير من بلاد المسلمين، وقد يكون كثير من المسلمين اليوم ملتزمين ظاهريا بأداء الواجبات الدينية، ولكنهم يعانون من مُشكلة أساسية أعرفها بعبارة: (غياب ثنائية الفهم والإيمان).
ولذلك نرى كثيرا من المسلمين اليوم لا ينعكس إيمانهم ودينهم تحسنا على وضعهم الشخصي نجاحا وغنى وسعادة، وبالضرورة على وضع المجتمع بشكل عام تقدما وحضارة وحلا للمشاكل الكبيرة؛ لأن مجموع الأفراد وأحوالهم هو ما يشكل وضع المجتمع كما هو معروف.
وهذا يفرض علينا البحث عن السبب العميق لهذا التناقض بين دين قويم ومتدينين لا ينعكس هذا الدين على أحوالهم، وهذا ما حاول الإجابة عنه عشرات العلماء والمفكرين المسلمين في القرن الأخير تحديداً، من المفكر مالك بن نبي، وحتى آخرهم د. جاسم سلطان، وسعوا في الإجابة على سؤال لماذا لا ننهض اليوم كأفراد ومجتمعات ونصنع الحضارة الأخلاقية بشكل مساو للكمال الأخلاقي الذي يدعو له ديننا ومعتقدنا ؟
وسأركز اليوم على جزئية صغيرة ولكنها أساسية من الإجابة، وهي إشكالية غياب الفهم الصحيح للدين، وأنطلق فيها من افتراض منطقي يقول: أن الفهم العميق والمتجذر في النفس للمعتقد هو فقط ما سينعكس تغييرا للأفضل في حياة المسلم اليومية، ويصيغ العلاقة الدقيقة بين ما يفعله وبين ما يؤمن به بشكل حقيقي.
وسأضرب لكم مثالا أشرح فيه كيف يؤثر عدم الفهم الصحيح على مدى جودة تطبيق أهم ركن في الإسلام وهو إقامة الصلاة، والذي لا يشك مسلم أنَّه من أهم متطلبات الإسلام وأكثرها تكرارا في حياته.
وهنا يجب أن نسأل بعمق: هل يعلم المسلم لماذا يصلي يوميا؟ وما سر هذا التوزيع الدقيق للصلاة على أوقات اليوم؟ ولماذا تتكرر في الصلاة كلمة "الله أكبر" في كل حركة منها؟ وما علاقة وتأثير هذه الصلاة على الحياة والعمل؟
إن عدم الإجابة الواضحة على هذه الاسئلة في عقول المسلمين يؤدي لأن تفقد الصلاة أهم ميزة فيها، وهي جعلها تغير من سلوكك كنتيجة لأدائها، كما أشار سبحانه لذلك بقوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ }، وكما يقول الصحابي ابن مسعود رضي الله عنه: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له.
وأما إجابة هذه الأسئلة فهي برأيي يجب أن تنبع أولا من فهم صحيح للدين بشكل عام، وما هي أهميته أساسا في حياتنا، وسأحاول تبسيط الأمر كما أفهمه أنا وهي محاولة وليس بالضرورة أن تكون صحيحة ولكني سأترك الحكم للقارئ:
ما هو الدين: أنزل الله الإسلام كنظام للبشرية يحقق لهم النجاح، فالدين هو الطريقة في العيش حسب رؤية وأوامر محددة، ودين الإسلام وكل الأديان تتلخص رؤيتها بالشكل التالي:
(الله هو من خلق البشر وهو من وهبهم كل مصادر رزقهم وأجلهم وعملهم، وكلفهم بمهمة خلافته لإعمار الأرض، وفي مقابل هذا الخلق والرزق طلب الله تعالى من البشر (وأعطاهم الخيار في الدنيا) أن يعبدوه وحده بدون أي شريك، وتطبيق كل أوامره التي أنزلها لخيرهم ومصلحتهم هم، والتي ستحقق سعادتهم في الدنيا والآخرة): قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}.
وكلما زادت عبادتهم له وطاعة أوامره وسننه في الخلق زاد في عطائهم ونعيمهم في الدنيا، حتى يتوج ذلك أخيرا بدخولهم الجنة بعد موتهم خالدين فيها، ولو أنكروا عبادة الله وتوحيده وأصروا على ارتكاب الموبقات التي حرمها عليهم، سيُفسد هذا نجاحهم في إعمار الأرض وستكون حياتهم في الدنيا عيشة ضنك وتعب، وفي الآخرة يكون لهم العذاب والحرمان من الجنة، وهذا العقاب والعيش الصعب الدنيا والآخرة متناسب بشكل دقيق مع مدى مخالفتهم لأوامره وعبادته، مع رحمة منه واسعة فضلاً وكرماً)
قال الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، وقال أيضاً: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}.
إن فهم هذه المعاني هو ما يجعل الإنسان مؤمنا بالله وبدينه، أو ملحدا لا يؤمن بدين ورب، ولكن التحدي بعد هذا الإيمان هو أن ينعكس هذا الإيمان والفهم على عمله ويشكل طبيعة حياته صعوبة أو سهولة، وما يحدد درجة الإيمان في قلب الإنسان هو أن يحول هذا الكلام والحركات الظاهرية والشفهية إلى حقيقة تُرى في أرض واقعه اليومي، فالإيمان قول صدقه عمل كما يقول أهل الشريعة، ومن خالف ذلك خاطبه سبحانه بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.
ونعود للكلام عن فريضة الصلاة والتي هي من أهم أركان الدين بإجماع المسلمين، لنستكشف موقعها وأهميتها من دين الإسلام، ونحاول الإجابة على الأسئلة التالية بضوء الفهم الأصلي للدين، فنسأل؟
لماذا نصلي؟ وما سر هذا التوزيع الدقيق للصلاة على أوقات اليوم كافة؟ ولماذا تتكرر في الصلاة كلمة "الله أكبر" في كل حركة منها؟ وكيف سينعكس أداء الصلاة على واقع الحياة والعمل؟
ونحاول الإجابة بالتالي: إن الصلاة هي الصلة، فإقامة الصلاة هي طريقة للتواصل بين العبد وربه، وشرعها سبحانه ووزعها على أوقات محددة بدقة في اليوم، كوسيلة للتواصل الدائم والهدف منه تذكيرك بالغاية الأساسية من خلقك وما يجب عليك فعله في حياتك، وكمثال تقريبي للصورة سأضرب لكم المثال التالي:
لو أنك تعمل في شركة من الشركات التجارية الكبرى، وتم إبلاغك أنَّ النظام فيها سيكون هو التالي:
كل فرد في الشركة سيكون له خمس استراحات في اليوم، يأخذ فيها راحة نفسية وجسدية يتوقف أثناءها عن العمل، والهدف من ذلك عدة أمور أهمها تذكيره خلال هذه الاستراحة بالهدف والغاية من وجوده ومهمته في هذه الشركة، وتذكيره بالميزات الهائلة التي ستعود عليه لو كان أداؤه ممتازا ويصب تماما في الهدف المحدد من قبل مالك الشركة، وأنَّ التزامه بالقوانين التي وضعتها الشركة سيكون مراقبا بدقة، وسيُجزى خيرا كثيرا على أي حسنة يقوم بها مهما كانت صغيرة، وهناك فرصة له أن تضاعف أجرته من 10 أضعاف إلى 700 ضعف، وأخطاؤه مراقبة أيضا وتسجل عليه، ولكن هناك فرصة لو أخطأ أن تُغفر له كل أخطائه مهما كانت، بشرط بسيط أن يعترف بها ويستغفر عنها ويشرع في تصحيحها فورا.
تصوروا معي كيف سيكون أداء هذا الموظف في هذه الشركة العادلة والكريمة، وكم سيكون جودة إنتاجه فيها مع هذا النظام الدقيق في التذكير والتحفيز المتكرر، والذي يأتيه بشكل لطيف مع وقت راحة وسعادة مخصصة لذلك، وتخيل معي مدى النجاح الهائل الذي ستحققه الشركة في أدائها بهذا النظام الرائع والمحفز للعاملين فيها.
نفس المثال تماما ينطبق على مهمة الصلاة، يقول الله تعالى مالك خزائن السماوات والأرض يا عبدي عندما تستيقظ من النوم فجرا لتبدأ العمل والسعي أيا كان نوعه فهو الذي تعبد الله من خلاله، وتذكر أن: الله أكبر .. أكبر من كل شيء، أكبر من أي هدف تريده وتحلم به، والله أكبر وأقدر على أن يعينك على تنفيذه لو اتبعت دينه وسننه في الخلق، وهو أكبر من كل عقبة قد تواجهك، وأكبر من أي تحدي جسدي أو نفسي أو عقلي يواجهك، وبالتالي ليكن عملك في هذا اليوم خالصا له وحده ملتزما بأوامره وحده بدون ظلم أو انتهاك للمحرمات التي حددها لك، وهو سيجزيك على ذلك ما لا تتخيله من قوة وطاقة ومن رزق وتوفيق في الدنيا أولا وبعد موتك ثانيا، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}، فالبركات من السماء والأرض هي رزق وفير جدا وغير منقطع، وهي سنة كونية ثابتة أي قرية أي بلد يؤمن أهله ويتقي سينعكس هذا رفاهية وتقدما عليهم.
ويتوالى تذكير العبد بشكل متواصل عند صلاة الظهر عندما يرتاح بعد عمله، وفي العصر عندما يبدأ جولة جديدة من الحركة والسعي، وعند غروب الشمس وتوديع اليوم، وأخيرا قبل أن ينام ويرتاح يصلي آخر مرة ليشكر الله على هذا اليوم ويعاهده على بدأ يوم جديد قادم بكل همة ونشاط والتزام.
إنَّ عدم وجود هذا الفهم عند من يؤدي الصلاة، سيفقد الصلاة كثيرا من تأثيرها كمحطات نتوقف فيها عن العمل، لنرتاح فيها (كما في الحديث: "أرحنا بها يا بلال" أي الصلاة) من كل الحركة والجهد ونسكن بهدوء وخشوع، لنرفع أيدينا وقلوبنا لرب السماء ونقول صادقين: "الله أكبر" ومنه أستمد قوتي وطاقتي، وهو هدفي ومبتغاي، وبالتالي سأتبع أوامره ولن أكذب ولن أغش ولن أخلف موعدي ولن أؤذي أحدا، وسأتقن ما بيدي من عمل، وأسامح وأغفر لنفسي وللناس كما يغفر الله لنا جميعا، وسأكون نافعا لأهلي وبلدي وعالمي، (كما في الحديث: أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس) وسأفعل هذا لأن الله أمرني واستخلفني في الأرض لهذه الغاية، ولأني موقن أن جزاء هذا العمل خيرات غير منقطعة ومدد هائل منه سبحانه يحقق سعادة وراحة في الدنيا وفي الآخرة.
وفي الحديث الذي يربط الله به رضاه وحبه للعبد بالمدد والقوة الهائلة التي يمنحها إياه جزاء ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي: (مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ).
.
من فهم الصلاة ركن الدين الأساسي بهذه الروحية هي من ستكون نافعة له بحق، ومصدر حقيقي للطاقة الدافقة لعمله، وهذا ما يجب أن يكون عليه الحال من الفهم العميق، لكل أوامر الدين والإسلام.
وأوامر الله أشبهها لكم كشجرة طيبة لها جذور وفروع وأغصان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
فجذور هذه الشجرة الأساسية هي الأركان الخمس للدين، ويتفرع عنها فروع وأغصان تمثل عشرات الفرائض والفضائل والمبرات مثل: الصدق والأمانة والإتقان والخيرية والإيجابية والخلق الحسن والصبر والحياء وغيرها الكثير.
وتتحدَّد درجة سعادة العبد ورزقه وتوفيقه في الدنيا، كلما تمسك بالأوامر وطبَّقها (قدر الممكن والمستطاع له) ومن أدنى جذر فيها لآخر فرع فيها.
وهنا يوجد نقطة دقيقة يجب الوقوف عندها وهي أنَّ هذه الأوامر الإلهيَّة هي بذات الوقت سنن وقوانين ربانية في الخلق، وكل إنسان طبقها سيجني ثمارها، أيا كان منطلقه في هذا الأمر، فهي قوانين تسري على كل البشر في هذه الدنيا باستثناءات نادرة جدا، فالملحد مثلاً لو أصبح صادقاً مُتقنا أميناً في التجارة والبيع والشراء ستنجح تجارته لا محالة ويجني الأموال الكثيرة فيها لأنه اتبع القانون الإلهي للنجاح في مجال التجارة، ولكنه بنفس الوقت هو سيخسر جزاء الآخرة على إعماره الأرض، والتي يتوقف الجزاء فيها على إيمانه هو بالله تعالى وباليوم الآخر.
وبنفس القاعدة السابقة سنجد الملحد وبسبب إخلاله مثلا بقانون الإيمان بالقدر خيره وشره، سيواجه مشكلة كبيرة نفسية وعقلية في مواجهة المصاعب والمصائب التي قد تنزل به، لأنه لا يطبق الركن الأساسي في الإيمان وهو أن تؤمن بالقدر خيره وشره، والذي يعين العبد ويمده بالطاقة اللازمة لتحمل المصاعب واحتساب الأجر فيها وفهم مغزى وقوع الخير والشر له، لذلك ترى الانتحار هو الحل الذي يلجئ له بعض الملحدين لتحمل المصائب الكبيرة كفقد كل أموالهم أو أولادهم مثلا، بينما يجد المؤمن راحة نفسية ومعونة من الله في تحملها، بل وجعلها لو صبر عليها مصدرا للرضا والجزاء والتعويض من الله في الدنيا والآخرة.
ونصل بكل هذا لنتيجة واضحة أنَّ الفهم هو طريق الإيمان والسعادة والرضا والصحة الجسدية والعقلية في هذه الدنيا فاحرص على أن تفهم دينك، وليكن طريقك لذلك سر أنزله الله في أول القرآن وهو قوله سبحانه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }
اقرأ وتعلم ما خطَّه القلم، فالله علَّم الإنسان ما لم يكن يعلم، ليؤهِّله للقيام بما لم يكن يعلم أنه قادر على عمله وإنجازه، وكما ترون اليوم استطاع الإنسان بالعلم أن يصل للفضاء الغير متناهي ويغزوه، ويدخل الذرة المتناهية الصغر ليفجرها ويجعلها مصدر للطاقة النووية لا ينضب، فلماذا لا يستطيع بالعلم أن يصل لأعلى درجات الأخلاق والخيرية في هذه الدنيا؟
إن رفض استعمال العلم كطريق للفهم هو بداية ضعف إيمانك وتحويله لشيء غير نافع لك قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، بل إن عدم الفهم والجهل سينقلب إيذاءً وتخريباً لحياة البشرية، كما يفعل المتطرفون من كل الأديان سواء كانوا حكومات مجرمة أو أفرادا إرهابيين قتلة، فقد أوصلهم جهلهم وتكبرهم وظلمهم وفهمهم المشوه للدين والأخلاق ليكونوا سكينا مغروزة في ظهر مجتمعاتهم والعالم، ومصدرا لإشعال الحروب والنزاعات من خلال تصنيع السلاح وبيعه للمجرمين ليكونوا أدوات قتل وإبادة، وانتشار القتل العشوائي في المناطق الآمنة، والظلم ومنع توفير الدواء والغذاء والعلوم للأمم الضعيفة المنهوبة، مما يؤدي لانتشار الأمراض والفقر والتخلف، حتى وصل ظلم البشرية لقتل ملايين الأطفال تشفيهم وتنقذهم مبالغ بسيطة جدا وتوفيرها أمر سهل وممكن، فكيف يسكت من يؤمن بالله على قتل أطهر مخلوقات الله وأكثرهم براءة.
لقد حان الوقت يا أمة الإسلام ويا من تدَّعون أنكم تعبدون الله من كل الأديان، أن تبدؤوا بتصحيح أوضاعكم، ونتخذ كلنا طريق الفهم والإيمان لحل مشاكلنا وصنع معجزاتنا.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


