رمضان.. موسم التضليل واستحمار الشعوب

رمضان.. موسم التضليل واستحمار الشعوب

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ٦ شوال ١٤٣٧ هـ - ١٠ تموز ٢٠١٦
984

 

منذ عقود، وفي كل عام يتجدد النقد والاستياء من الإسفاف الذي تقدمه الشاشات في رمضان تحديدا دون بقية شهور السنة، وفي المقابل يزداد هذا الإسفاف عاما بعد عام، كمؤشر على التحدي لكل من يرفع صوته باحترام شهر الفضيلة، وعلى استعراض قوة حلف السلطة والمال الذي دخل أخيرا في صراع مسلح مع الشعوب، حيث لم يعد مضطرا للمهادنة.

 

قبل سنوات، كانت برامج الكاميرا الخفية تثير حفيظة بعض المثقفين وكتّاب الأعمدة الصحفية، وربما نالها نقد من المسلسلات الكوميدية الساخرة، لكن الأمر تطور من اقتحام خصوصية الناس عبر المواقف المحرجة والمزعجة إلى وضعهم على حافة الموت، وبعد أن كان المشاهد البسيط يضحك على ردود أفعال أقرانه البسطاء تجاه أحداث يومية عابرة، صار مشدودا للتعرف على صدمة النجوم إزاء الكوارث القاتلة، بل وعليه أن يصدّق أن الكثير من تلك المواقف كانت عفوية وليست تمثيلية مدبرة.

 

يتساءل مثقفون مجددا، كيف يمكن لهذا السخف غير المضحك أن ينال تمويلا بالغ الضخامة، وأن يستمر في العرض على ملايين الشاشات كل رمضان، والجواب أبسط من أن يُبحث، فهناك من يريد لنا أن نضحك على موتنا، وأن يغدو انتشال أشلائنا من تحت الأنقاض مجرد تنويع إعلامي قد تلحظه أبصارنا أثناء التنقل من شاشة ترفيهية إلى أخرى إخبارية.

 

هناك من يريد أن يخبرنا أن اعتراضنا على السخف لن يجدي، كما أن اعتراضنا الدامي على الاستبداد والظلم والنهب والإرهاب الممنهج لن يؤدي سوى إلى المزيد من القصف الجوي.

 

هناك إرادة راسخة في إخبارنا بكل الطرق أننا عاجزون حتى عن تغيير برنامج تافه، فضلا عن أن نغير نظام حكم وجيش وشبكة مخابرات ترتبط بعصابات عالمية. وإذا كان البعض قد احتفلوا سابقا بإيقاف برنامج "ذا كوين" الصادم بتفاهته وانحطاطه، فقد اكتشفوا لاحقا أن قرار الإيقاف لم يكن استجابة لحملة التغريدات بل أمرا سياسيا من السلطات التي لم يرُق لها استعلاء فنانة تافهة وحيازتها لألقاب الملوك!

 

استاء ناشطون سوريون من برنامج "قمرة" الذي تعاطف مع اللاجئين دون أن يدين المتسبب في تشريدهم، ثم صُدموا عندما تحدث عن "إرهاب" فئة من الشعب دون أن يشير بكلمة إلى إرهاب الأنظمة.

 

هي حملة ممنهجة وليست رأيا شخصيا لمقدم برنامج، هو توجه عالمي يرعاه صناع القرار ويبثه صناع الرأي على هيئة برامج ومسلسلات وأفلام وأنشطة متنوعة.

 

الدعاة الجدد ومدربو التنمية البشرية ورواد "التنوير" و"الصحوة" و"الإحسان"، كلهم بيادق في مشروع قائم منذ سنوات، قوامه أن معيار التقدم والتخلف معيار مادي بحت، وأن العبادة ذاتها هي مسابقة الدنيويين في الإنشاء والإعمار، وأن المشكلة تكمن في عدم رغبتنا باللحاق بالغرب وليست في عدم حرصنا على الإخلاص لله، بل وأن الغرب "الصديق" سيمنحنا الفرصة لنلحق به لأن مؤامراته مجرد وهم في عقولنا، وأن إصلاح أمتنا يبدأ من قاعدة الهرم فقط (المجتمع المطحون) ولا ينبغي إطلاقا المساس برأسه (الأنظمة التي تمارس القتل الجماعي المباشر).

 

كنا نبرر لهؤلاء الدعاة سكوتهم قبل الربيع العربي خوفا على مشروعهم الإصلاحي من التصفية، فلما بات المستبد قاتلا ويشن حربا شعواء على شعبه أصبح السكوت تواطؤا وجريمة.

 

كان الجهاد مسكوتا عنه لذرائع مستهلكة، وعندما هوجمت الأمة في عقر دارها لم يتردد بعض الدعاة الجدد في تجاهله، وربما وصفه بالإرهاب، والتعامي عن الإرهاب الحقيقي الذي تمارسه العصابات الطائفية والأنظمة.

 

وبينما يحشد الشيعة جيوشهم، على المستوى الرسمي وعلى ألسنة كل مشايخهم، ترفع حكومات الدول السنية لواء مكافحة الإرهاب وتجرّم كل من يحشد لمقاومة العدو، ثم تجند نجوم الدعوة للانخراط في هذه الحملة، بل ولاستغلال ظروف الحرب وسقوط القدوات، كي تزعزع ثوابت الدين لدى الشباب الأغرار، وكأن هذا هو الوقت المناسب لفتح الملفات الخلافية والجدلية التي تفرق الأمة وهي تخوض حربا وجودية، أو أن هذه البلبلة هي التي ستشكل "الصحوة" المطلوبة، بينما لا نرى الشيعة ينتصرون إلا وهم في أكثر مراحل تاريخهم غفلة وانقيادا لمشايخهم!

 

وهكذا بات للدعوة نجومها كما كان للفن وللرياضة، بل أصبح لدينا من يؤصلها فقهيا دون مواربة، متحدثا عن كافة مقومات النجومية المرجوة، ففي فقه الدعاة الجدد ينقلب مفهوم "الشهرة" جذريا، بعد أن ظل قرونا في فقه الأمة من مفاتن الدنيا التي يتحاشاها المسلم، ليصبح اليوم هدفا معلنا وغاية لها أصولها وبرنامجها ورعاتها، وبالطبع مع وجبة من المبررات الفقهية المعلبة.

 

يجلس داعية شاب متكئا في بهو فاره التأثيث، ويتحدث إلى جمهور من الشباب والفتيات عن قراءته الخاصة للقرآن الكريم من منظور التعارف؛ حيث يغدو التعارف مع الأمم ا?خرى من أهم أهداف ا?سلام، بل هو من غايات خلقنا!

 

ويبحث آخر في قضايا الإسلام والغرب، معرجا على معضلة الإسلاموفوبيا، ومركزا على مسؤولية المسلمين في "تشويه" صورتهم، ومطالبا العرب من أمريكا بضرورة التشبث بأولوية الأمن على العدل.

 

أما برنامج "مدارك" فلا نجم يتصدره ولا كاتب أو معدّ أو حتى مخرج يوقع عليه، بل يتعمد المخرج المجهول إخفاء وجه الممثل الذي "يصحح" لنا المفاهيم الفقهية، فلا يعلم المشاهد عمن يأخذ دينه. ومن المفهوم طبعا أن تدور معظم القضايا المطروحة حول "التعايش"، فهو المصطلح الأثير في عالمنا اليوم.

 

عدد لا يحصى من البرامج والمسلسلات التي يصعب تتبعها في تخمة مفرطة، وجميعها يركز على تبجيل نعمة الأمن وبث الذعر من الإرهاب الواقع والمحتمل.

 

وإذا كان هذا حال الأعمال "الهادفة"، فلن نعجب إذن من انحطاط الدراما التي شرعت منذ بدء الثورات في انتهاك ما كان محرما، فحتى الفواحش بات التطبيع معها مقبولا في شهر الصيام والعشر الأواخر، ولا مكان للخطوط الحمر في عالم مجنون اصطبغ بحمرة الدم.

 

العاقل من حصن عقله وقلبه ونزّه سمعه وبصره عن هذا التضليل الممنهج، ولن تبدأ الأمة خطوتها الأولى في الصحوة والإحسان حتى تسقط كل هذه الأصنام، وتعيد ترتيب الأولويات، وتنكس كل من يسعى للنجومية -مهما كان خطابه- بدلا من أن تبجله.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...