رمضان شهر القوة والجهاد

رمضان شهر القوة والجهاد

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ١٧ رمضان ١٤٤١ هـ - ١٠ أيار ٢٠٢٠
321

الإسلام دين القوة، فـ (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، وقد مدح الله القوي في قرآنه، وأثنى عليه على لسان إحدى ابنتي شعيب، بقوله: (قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ) ،كما مدح القوة والشجاعة والبأس في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ، ودعا الأمة إلى الأخذ بأسباب القوة، والإعداد لملاقاة الأعداء بكل ما تستطيعه وذلك بقوله: (وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ) . 

والقوة المطلوب إعدادها لتحقيق النصر، نوعان: 

الأولى: قوة مادية ظاهرة، تتجلى في إعداد الرجال والسلاح، وكل ما يجب إعداده لملاقاة العدو في كل زمان ومكان، فإذا كانت السيوف والرماح والخيول من وسائل القوة المادية في العصر النبوي، وقد أمر المسلمون بإعداد ما يستطيعون منها، ففي زماننا هذا، يجب على المسلمين إعدادا ما يستطيعونه من القوة والوسائل الحربية، الحديثة التقليدية منها وغير التقليدية، العسكرية والعلمية والاقتصادية، وكلّ وسيلة يستطيع المسلمون تحصيلها للدفاع عن دين الله، ورفع راية الإسلام، والدعوة إلى الله، ونشرها بين الناس، وحماية أوطانهم، وإعدادها لملاقاة أعدائهم فهذه هي القوة المادية التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بإعدادها لعدونا. 

أما القوة الثانية: فهي القوة المعنوية: وتتمثل بالإيمان، وقوة العقيدة وقوة الروح، وقوة الأخلاق التي تشع من نفس المؤمن، وجماع هذه الأمور كلها صدق العبودية لله عز وجل، وتمام الالتجاء إليه، والتبرؤ من كلّ حول وقوة إلا حوله وقوته، 

فإذا توفرت للأمة كل أسباب النصر المادية وغاب عنها صدق الإيمان بالله، ولم تتحقق بكمال العبودية له سبحانه، لم تستطيع تحقيق النصر. 

والسبيل الصحيح لتحقيق النصر، وإقامة حياة سعيدة للمجتمع، يكون بتضافر القوة المادية والقوة الروحية المعنوية، ويتجلى ذلك بالجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام، وبه تنال العزة في الدنيا والآخرة، وهو من أفضل الأعمال وأجلِّ القربات إلى الله .

وقد كرم الله سبحانه وتعالى شهر رمضان ، بكرامات متعددة منها: أنه شهر الصيام ، والصيام أول درجات الجهاد جهاد النفس والتحكم بها، وفرض سيطرة رقابة الله عليها ، 

وهو شهر القرآن والقرآن يدعو إلى الجهاد بكل أنواعه وأشكاله فالجهاد فريضة كفريضة الصيام، لا فرق بينهما فكما ( كتب عليكم الصيام ) , فقد ( كتب عليكم القتال )، وجعل من يبذل نفسه مجاهداً في سبيله كمن يبيع نفسه لله، ونعم البيع ذلك البيع: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)

فالصيام هو إعداد للنفس؛ لتحمل تبعة الجهاد، وإعداد للجسد للنهوض لمقاتلة أعداء الله ونشر دينه، فكلاهما جهاد وكلاهما صيام 

أما أنهما جهاد، فلأن المرء في صيامه يجاهد شهواته ونزواته، ويدفعهما إرضاء لله , وطمعاً في نيل فضله وثوابه، وهو في الجهاد يقاتل أعداء الله طاعة لله، ورفعاً لكلمته ونشراً لدين الله في الأرض.

وأما أنهما صيام، فالصيام امتناع عن المفطرات وإمساك عن الرغبات والشهوات، والجهاد إمساك عن التمسك في الحياة الدنيا وامتناع عن كل مغرياتها وزخارفها. 

ولا ريب أن من أسرار منهج الله في هذا الشهر المبارك، أنه يقوي الجانب المادي والمعنوي لدى الأمة، فيبعث فيها القوة والصبر، ويجدد الإيمان والعزم في نفوس أبنائها،

كما يجدد القوة والنشاط في أجسامهم، فهو منهج رباني متكامل، يجمع بين القوتين جمعاً رائعاً متلائماً، يؤتي أحسن الثمار.

فهو من الناحية الصحية قوة للجسم، يدفع عنه الكثير من الأمراض ويشفيه من كثير من العلل، وهو من الناحية المعنوية، يعطي المسلم قوة معنوية، لها أكبر الأثر في سعادة الأفراد والمجتمعات، فيعطيه قوة الصبر، وقوة النظام، وقوة الطاعة، وقوة التحمل، وقوة الإيمان، 

ولا شك أن تلازم هاتين القوتين في نفس المسلم، وتسخيرهما فيما أمر الله سبحانه يشعره بتمام العبودية لله عز وجل، وهذه غاية المؤمن في كل أحواله وأفعاله، وهذا هو منهج الله سبحانه في رمضان لتربية الأفراد وحفظ المجتمعات . 

فهل يمكن لأمة تتحلى بهذه الصفات، وهذه القوى المادية والمعنوية، وهذه العبودية لله أن تهزم؟.. أو تجد الهزيمة إلى نفوس أبنائها سبيلاً؟.. 

ولو قلبنا صفحات التاريخ، ووقفنا عند كلّ معركة، حقق فيها المسلمون النصر على أعدائهم، وتساءلنا، 

ما الأسباب التي أدت إلى هذا النصر المظفر في تلك المعارك، مع ما كان فيها من عدم التوازن في القوة المادية؟.

ما سرّ هذا النصر مع قلة عدد جنود المسلمين والضعف في تسليحهم المادي؟. 

السر: في تلك القوة المعنوية الكبيرة التي كانوا يتحلون بها، هذه القوة المنيعة من صدق عبوديتهم لله سبحانه، وتمسكهم بمنهج الله في الصيام، وتخلقهم بأخلاق الصائمين في شهر رمضان، من عفة، وسمو، وتضحية، وصبر، وتحمل للشدائد، وخضوع لله تعالى واستعلاء على الشهوات، فقد عودهم شهر الصيام على مقاومة الشهوات، وتحمل الجوع والعطش محتسبين الأجر عند الله، وهذه هي القوة الحقيقية التي يمنحها منهج الله المتكامل في شهر رمضان للصائمين. 

ولم يكن الصوم عذراً للتخاذل والضعف والكسل والتواني، بل كان منهجاً تدرب من خلاله المؤمنون على الجهاد بكل أنواعه، فقد جاهدوا في أنفسهم الجبن والخوف والكسل، وكلّ نزعات النفس والشيطان والشهوات فأصبحت الطريق معبّدة أمامهم لجهاد أعداء الله، ونشر راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله) مرفرفة عالية في كلّ أصقاع الأرض. 

ففي شهر رمضان كانت معظم معارك الجهاد، التي خاضها المسلمون لإعلاء كلمة الله، وحققوا فيها أروع الانتصارات على أنفسهم أولاً، وعلى أعداء الأمة ثانياً.

في شهر رمضان، في السنة الثانية للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى، وفيه من السنة الثامنة للهجرة كان الفتح العظيم لمكة المكرمة، وفيه من السنة التاسعة للهجرة، كانت غزوة تبوك، وفي رمضان، سنة اثنتين وتسعين هجرية فتح المسلمون الأندلس، وانتصر القائد المسلم البطل طارق بن زياد على ملك الروم (لزريق)، وفي رمضان من العام الثالث والثلاثين بعد المئتين من الهجرة فتح المسلمون مدينة عمورية، أيام حكم الخلافة العباسية، وفي رمضان من سنة أربع وثمانين وخمسمئة للهجرة، كان القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، قد أحرز انتصارات كبيرة على الصليبيين، واستردّ منهم كثيراً من البلدان، ولما دخل شهر رمضان، أشار عليه بعض أصحابه أن يرتاح في هذا الشهر،لكن صلاح الدين يرفض أن يرتاح قائلاً: إن العمر قصير والأجل غير مأمون، وواصل زحفه حتى استولى على قلعة صفد،يقول أحد وزرائه: ( وفتح الله علينا صفد ثامن من شوال، حين فرغنا من صوم ست منه بعد صوم رمضان، وجمعنا بين فضيلتي الصوم والجهاد)، فهل يهزم جيش يخوض المعارك وهو صائم الفرض في رمضان مع حرصه على صيام النفل في ست من شوال؟.

وفي رمضان من السنة الثامنة والستين بعد الستمائة من الهجرة نصر الله المسلمين على التتار في معركة عين جالوت الشهيرة التي كانت سداً منيعاً أمام عزم التتار على اكتساح بلاد المسلمين وإذلالهم،وفي رمضان من العام السادس والستين بعد الستمائة من الهجرة انتصر المسلمون على الروم في أنطاكية.

لكم بعض المعارك التي حقق فيهما المسلمون الصائمون المتمسكون بمنهج الله في الصيام النصر على أعدائهم، بعد أن تربوا في شهر رمضان على مجاهدة أنفسهم وغرائزهم وشهواتهم وانتصروا عليها، وهذا هو الجهاد الحقيقي، وهو الجهاد الأكبر، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رجع من إحدى المعارك: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس).

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...