رمضانُ شهرٌ مبارك اصطفاهُ اللهُ تعالى مِنْ بَيْنِ الشُّهور
قال قَتَادَةَ: „إنَّ اللهَ اصْطَفَى صَفايا مِنْ خَلْقِه، اصْطَفَى مِنَ الملائكةِ رُسُلاً ومِنَ النّاسِ رُسُلاً، واصطفَى مِنَ الكلامِ ذِكْرَه، واصطفَى مِنَ الأرض المساجد، واصطفَى من الشهور رمضان والأشهُرَ الْحُرُم، واصطفَى من الأيّام يومَ الجمعة، واصطفَى من الليالي ليلةَ الْقَدْر، فَعَظِّموا ما عَظَّمَ الله“
وفي رمضان كان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم يخلو بنفسِهِ في غارِ حِرَاء، وَيَتَحَنَّث (أيْ: يتعبّد) فيهِ قبلَ بعْثَتِهِ
وفي رمضان صعِدَ رسولُ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم إلى الغار -كما تَعَوَّدَ- بَشَراً، وهَبَطَ مِنَ الغارِ بَشَراً نَبيَّاً، نزلَ عليهِ الْوَحْيُ بالقرآنِ الكريم
„شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان... ﴿١٨٥﴾“ سورة البقرة
أنزلَهُ اللهُ روحاً يُحْيي، ونوراً يَهْدي، وَصِرَاطاً مستقيماً للسالكين
„وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٥٢﴾ صِرَاطِ اللَّـهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّـهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴿٥٣﴾“ سورة الشورى.
وكانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبَشِّرُ أصحابَه بقدومِ رمضان، ويَصِفُ لهُم عظيمَ منـزِلتِه، ويُوصيهم بارْتِقابِ هلالِه..
كان يقول:
„أَتَاكُمْ رَمَضَان، شَهْرٌ مُبَارَك، فَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَه، تُفْتَحُ فِيهِ أبْوَابُ السَّمَاء، وَتُغْلَقُ فِيهِ أبْوَابُ الْجَحِيم، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِين، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْر، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِم“ أخرجه النسائي
ويقول:
„لاَ تصُومُوا حتّى تَرَوا الهِلاَل“ „صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه“
فإذا رآهُ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم قال:
„اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بالأَمْنِ وَالإِيمَان، وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلاَم، رَبِّي وَرَبُّكَ الله، هِلالَ رُشْدٍ وَخَيْر“ رواه الترمذي
ونحن نُرَدِّدُ الآنَ ما كانَ يقولُهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ونسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُهِلَّ هِلالَ هذا الشهرِ المبارك على المسلمينَ أجمعين بالأمنِ والإيمان، والسلامةِ والإسلام، وأن يجعلَهُ لهم هلالَ رُشْدٍ وخير؛ فقد فَقَدُوا الأمنَ والسلامَة، والحريّةَ والكرامَة، والبصيرَةَ والرُّشْد، وتَشَعَّبَتْ بهِمُ الأهواء، وتفرّقتْ بهِمُ السُّبُل، وضَلَّ كثيرٌ منهُمُ الطريق، وجَرَتْ دِماؤُهُم، بأيديهِم وأيدي غيرِهِم، وما تزالُ تجري، وصَرَخَتْ فَواجِعُهُم ومَوَاجِعُهُم وما تزالُ تصرُخُ وتصرُخُ وتستغيثُ في كلِّ مَكانٍ من الأرض؛ فلا بُدَّ لَهُمُ الآنَ مِن انتفاضَةٍ حقيقيّةٍ صادقةٍ شاملةٍ ترُدُّهُم إلى اللهِ عزّ وجلّ، وإلى منهَجِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وتُخْرِجُهُمْ مِنْ هذه الحالِ الزَّرِيَّةِ البائسَةِ اليائِسَة، فتُحييهم بَعْدَ مَوْت، وتَجْمَعُهُم بَعْدَ فُرقة، وتُقَوّيهِم بَعْدَ ضَعْف، وتُعِزُّهُم بَعْدَ ذُلّ، وتتقدّمُ بهم بَعْدَ تَخَلُّف، وتضعُهم على خريطةِ العالم كَرَّةً أُخْرى رادَةً للحَقِّ والعدْلِ والهدايةِ والخير..
وَأَيْنَ تكونُ بدايةُ ذلك كلِّه إن لم تكُنْ في هذا الشهرِ المبارك: شهرِ رمضانَ الذي أُنزِلَ فيه القرآن، وبَدَأَتْ به مَسيرةُ الإسلامِ الخالدِ العظيم؟!
وشهرُ رمضان ليس صياماً وقياماً فحسب، كما يَظُنُّ ذلك كثيرٌ من الناس؛ ولكنَّه ظَرْفٌ وزَمَنٌ يقعُ فيه كثيرٌ من الطّاعاتِ والأعمالِ التي تُعيد صِياغةَ الفردِ المسلم، والمجتمعِ المسلم، صِياغَةً إسلاميّةً رَبّانيّةً جَديدَة، وتُصَحِّحُ قَصْدَهُ ومَسارَه، وتدفعُه إلى التقدّم المستمرّ، وإلى أداءِ رسالتهِ وواجبهِ على الوجهِ الأَمْثَلِ في مختلفِ جَوانِبِ الحياة..
شهرُ رمضان صيامٌ وقيامٌ، واعتكافٌ، وتَوْبَةٌ واستغفار، ودعاءٌ، وتلاوةٌ للقرآن، وجودٌ وعطاء، وعملٌ إنسانيٌّ وخَيْرِيٌّ واجتماعيّ، وتربيةٌ وتعليم، وتذكرةٌ وإرشاد، وأمْرٌ بالمعروفِ ونهيٌ عن المنكر، وجهادٌ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلّ.. وغيرُ ذلك مِنْ جلائِلِ الأُمور..
شهرُ رمضان للإنسانِ المسلم حَياةٌ ساميةٌ كاملة: لروحِهِ وجسمِه، وشعورِه وفكرِه، وإرادتِهِ وعَمَلِه، ودنياهُ وآخرتِه..
فتعالَوْا تعالَوْا -أيها الإخوة والأخوات- نؤمِنْ إيماناً خالِصاً صادِقاً في هذا الشهرِ المُبارَكِ الكريم
تعالَوْا نَتَزَكَّى
تعالَوْا نَتَجَدَّدْ
تعالوْا نَتَوَحَّدْ
تعالوْا نَتَمَرَّدْ على واقعِنا الحقير..
تعالوْا ننطلق بقوة وعزم وثقة وصدق إلى أهدافِنا العظيمة، وواجباتِنا العظيمة في خدمةِ أمَّتِنا وبلادِنا، والإسلامِ والمسلمين، والإنسانيةِ والإنسان، والحَقِّ والعدالةِ والسّلامِ والخيرِ في هذهِ الدنيا، ففي ذلك نَجاتُنا وفلاحُنا ومَرْضاةُ رَبّنا في الدنيا والآخرة.
بقلم: عصام العطار
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


