رمضان

رمضان

التصنيف: روضة المنابر
الثلاثاء، ٢٤ رمضان ١٤٣٢ هـ - ٢٣ آب ٢٠١١
1239

 

 

أبوالوفاء المراغي

 

 

 

رمضان هو شهر الصيام، والصيام شعيرة دينية، تعبَّد الله بها الأمم، لمكانها من تهذيب‏ النفوس، وتطهير الأجسام، وتصفية الأرواح، ولأنها داعية التعاطف، ورابطة التواصل، بين الأغنياء والفقراء.فشعور الأغنياء بالجوع في رمضان مشعر بحال الفقراء، داعٍ إلى‏ الإحسان إليهم والعطف عليهم.
والصيام إذلال للنفس، وكسر من شرّة كبريائها وبطرها، ثم هو تعويد على الأمانة، وللأمانة أثرها في علاقات الأفراد والجماعات.
 
وما أحسن ما يقول شوقي في حكمة الصيام:
«الصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع‏لله وخضوع، لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة، ويحض على الصدقة،  يكسر الكبر، ويعلم الصبر، ويسن خلال البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع، وحرم المترف‏ أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، والجوع كيف ألمه إذا لذع».
 
وقد يكون ما يعانيه المريض والمسافر من مشقة وتعب، وما يقاسيانه من هم ونصب، وما في ذلك من تهذيب وتأديب يغنيان عن تهذيب الصوم وتأديبه، داعية الترخص في فطرهما.
والصيام تتفاوت مراتبه، ويتفاوت ثوابه، تبعاً لتفاوت الكمال في أدائه، فصيام ليس‏ لصائمه منه إلا الجوع والعطش، وفي ذلك يقول النبي صلى الله علىه وسلم: «كم من صائم‏ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»، وصيام لصائمه منه جزيل الأجر، وواسع المغفرة، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له».
 
وقد قسم الغزالي الصوم تقسيما دقيقا فيه نزعة صوفية تجعله غريباً بعض الغرابة على من‏ لم يسلك طريقه، ومن لم يذق مذاقه، قال رحمه الله:
 
«اعلم أن الصوم ثلاث درجات:صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص‏ الخصوص.أما صوم العموم:فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص: فهو كف السمع والبصر واللسان، واليد والرجل، وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم‏ خصوص الخصوص: فهو صوم القلب عن الهمم الدنية، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوي‏ الله عز وجل واليوم الآخر، والفكر في الدنيا، إلا دنيا تراد للدين، فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا...وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين، ولا يطول النظر في تفصيلها قولاً، ولكن في تحقيقها عملاً، فأنه إقبال بكنه الهمة على‏الله عز وجل، وانصراف عن غير الله سبحانه، وتلبس بمعني قول الله عز وجل: [قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ] {الأنعام:91}.
 
وفي الصوم بمجموع درجاته معان اجتماعية أشرنا إلى بعضها آنفاً، وقد قرن بأعمال‏ مسنونة أو مندوبة تحمل في طياتها معاني اجتماعية كذلك، فيها الخير والصلاح لجماعات المسلمين،  فقد ندب فيه الإكثار من الجود والتصدق، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان‏ أجود الناس كان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل يدارسه القرآن، فلرسول الله‏ أجود بالخير من الريح المرسلة.
 
وشدد فيه النهي عن التسافه والتشاتم، وندب للصائم أن يقول عند دواعي الغضب‏ والاستفزاز: اللهم إني صائم. وسن في رمضان صلاة التراويح، وسنت فيها الجماعة، كما سنت‏ الجماعة في وتره خاصة، تكراراً لاجتماعات المسلمين المشروعة، وتحصيلاً لما فيها من ثمرات.
 
ومن طريف ما يقال في هذا الصدد: أن المسافر خير بين الصيام والفطر، إلا أن يكون عامة رفقته مفطرين أو مشتركين في النفقة، فالأولى له الفطر موافقة للجماعة.
وختم الصوم بصدقة الفطر على طريق الوجوب، كما ختم بصلاة العيد، وشرط فيها الجماعة،  وندب في يوم العيد الإكثار من الصدقات، حتى لقد صح أن يقال.إن رمضان شهر البر، وشهر الفقراء.
تلك هي بعض المعاني الاجتماعية في الصيام، وفيما سن أو ندب فيه، غير أن كثيراً من المسلمين غفلوا عنها، فأضاعوا سر الصوم وروحه، وأحالوه إلى عبادة لا روح فيها، حتى‏ وصفها بعض الخارجين على الدين أنها عذاب لا خير فيه، ولا ثمرة له. [كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا] {الكهف:5} .فالله سبحانه أعلم بمصالح عباده، وبما هم في حاجة إليه من شرائع‏ يسيرون على نور هديها في طريق الحياة، إلى السعادة التي أعدها الله للراشدين.
وإلى هؤلاء نقول:أرأيتم لو جاءكم صيام رمضان فيما جاءتكم به المدنيات الحديثة، فماذا كنتم تقولون فيه؟ أكبر الظن أنكم كنتم تقولون إنه من الحكمة التي اهتدى إليها علماء الطب وعلماء النفس في القرن العشرين، وإنه الأمر الذي لابد منه في صلاح الجماعات، وكبح الشهوات، وكنتم تنسبون إليه من المحامد ما تنكرون فضله وتجحدون قدره.
ورحم الله البوصيري حيث يقول:
 
رب إن الهدى هداك، وآيا                    تك نور تهدي بها من تشاء
وإذا حلّت الهداية قلبا ً                          نشطت في العبادة الأعضاء
 
نسأل الله تعالى أن يفتح قلوبنا لفهم الدين، ويوفقنا للعمل بهدي خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، وأن يجعل‏ صيامنا جنة من العذاب الأليم. كما نسأله سبحانه وهو القاهر فوق عباده أن يكشف عن عباده الغم‏ والكرب، ويمنحهم السلم والسلامة.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: مجلة الأزهر المجلد الثاني عشر رمضان 1360هـ الجزء التاسع .

 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مدرسة الصيام - أخلاقيات الصائمين
الأحد، ٢٦ رمضان ١٤٣٦ هـ - ١٢ تموز ٢٠١٥مدرسة الصيام - أخلاقيات الصائمين
هذه خطبة جمعة ألقيتها في جامع السلام بحلب في رمضان 1398، وجدت أصولها بين أوراقي ،وقد قام ...
من آداب السفر - ـ
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩من آداب السفر - ـ
من آداب السفر للشيخ ناجي الطنطاوي   إن الإسلام يصبغ المسلم بصبغته ،ويرافقه في حركا...
مولد النور لفياض عبسو - الرحمة المهداة
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مولد النور لفياض عبسو - الرحمة المهداة
مولد النور بقلم: فياض عبسو قال الله تعالى :{هو الذى بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليه...