نعني بالرجولة مقومات الإنسان الكامل من العزة والشجاعة والنجدة والشهامة والإباء والكرامة والحكمة والرحمة.
والصبر والثبات في شدة الملمات وقسوة الحادثات، وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم في كل أولئك بالمحل الأرفع.
ألقى على الناس بأقواله وأفعاله في صفات الرجولة أنفع الدروس وضرب للأمة أعلى المثل وظل وسيظل ما بقي الدهر أستاذ العالمين وإمام الرجال في مواقف البطولة و الشرف.
تلقى المحن والشدائد، والأذى والاضطهاد، والكيد بعزم جبار وصبر شديد وثبات لا يضارع فلم يهن، ولم يستسلم ولم يمالئ في الحق أحداً من الناس.
حصرته قريش مع عشيرته في شعب بني هاشم وضيقوا عليهم وقاطعوهم ومنعوا عنهم كل وارد حتى أكلوا أوراق الشجر فلم لتن منه قناة ولم يرهبه وعيد.
عرضوا عليه أن يملك عليهم على أن يترك دعوته التي صدعهم بها فأبى إباء الرجل الكامل وقال كلمته المشهودة: (والله لو وضعوا الشمس في يمين والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهرها لله أو أهلك دونه).
كان أشجع الناس في السلم والحرب، فقد سمع أهل المدينة مرة جلبة فركب فرسه غير مسرج فسبق الناس إلى الصوت وحده، وبينما هو راجع إذ لقيه الناس فزعين وإلى مكان الخوف من المدينة متجهين فقال لهم: (لن تراعوا) فعجبوا من سبقه وشجاعته.
ويقول علي رضي الله عنه ـ وهو من هو شجاعة وبطولة ـ كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وموقفه صلى الله عليه وسلم في حنين لا ينساه التاريخ، حين أجلت عنه المسلمين ثقيف وهوازن بخيلهم ورجالهم، وكانوا أشد القوم في الحرب وتفرق جنده من شدة ضغط الأعداء وقوتهم فقد ترجل صلى الله عليه وسلم عن بغلته البيضاء واستقبلهم بنفسه وهو يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب).
رجولة زادته في أعين القوم عزة ومهابة، واضطربت منها قلوبهم فولوا الأدبار.
,اين من هذا موقف قواد الحروب اليوم الذين لا يكونون إلا خلف الصفوف حيث العصمة والأمان...
كان صلى الله عليه وسلم رجلاً في الرخاء والشدة، لم تعرف رجولته الشطط والتهور، يعفو ويصفح ما كانت الإساءة إلى شخصه الكريم.
يأتيه أعرابي يسأله فيجذبه من ردائه حتى يؤثر في صفحة عنقه ويقول له في جفاء البادية: احملني فإنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك، فيعفو ويصفح ولا يمنع عنه الرفد بل يعطيه حتى يرضى.
فإذا كانت الإساءة إلى دين الله تعالى والعدوان على محارم الله اشتد غضبه صلى الله عليه وسلم وامتلأ قلبه الشريف غيرة على الإسلام فأقام أحكامه ونفذ حدوده وانتصر لله تعالى.
ولم يكن يزدهيه صلى الله عليه وسلم الزهو عند الانتصار أو يدفعه الفوز إلى القسوة والانتقام بل كان يقف عند الحد الذي تزول معه الفتنة ويقوم به أمر الدين ثم يعفو ويصفح.
انظر ما فعله صلى الله عليه وسلم بأسرى بدر فقد اختار الفداء، ولم يقتلهم مع ما كان منهم من النكاية بالمسلمين.
وانظر إلى ما كان منه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة حين انتصر على قريش وأمكنه الله من رقابهم حيث قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) كان غيوراً على الحق يروى أن الصحابة حين عجبوا من غيرة سعد بن عبادة على محارم الله قال لهم: (تعجبون من غيرة سعد فأنا أغير منه والله أغير مني).
ولما أخره الأعداء عن الصلاة في غزوة الخندق، غضب ودعا عليهم بقوله: (اللهم املأ بيوتهم ناراً)
وكان صلى الله عليه وسلم رجلاً في وفائه للعدو بعهده وللصديق بوعده، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام حين كان يقسم بعض الغنائم يوم خيبر قال له رجل يا رسول الله اعدل فقال له: (ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل خبت وخسرت إن لم أعدل) فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنقه فإنه خائن فقال عليه السلام: (معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي).
تلك صفات من المجد والعظمة والرجولة الحق لم يبلغها قبله عظيم ولم تجتمع كلها في رجل واحد، وحسبه صلى الله عليه وسلم ما وصفه الله به في قوله:[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] {القلم:4}.
وكان لهذه الرجولة والعظمة أثرها في تربية أصحابه الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فصنعتهم رجالاً أبطالاً وقواداً عظاماً وخلقت من أتباعه صلى الله عليه وسلم الأبطال في السياسة والقضاء والإدارة وفن الحكم، فكان منهم خليفته الأول: ابو بكر الصديق رضي الله عنه الذي تجلت عظمته في حروب أهل الردة، حتى حفظ الدين والملة، وقضى على الفتنة بعزيمة جبارة ويقين وثبات منقطع النظير، وفي مواقفه العظمة الخالدة.
وكان منهم خليفته الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي وضع للناس أسس الشخصية القوية فيقول: يعجبني الرجل إذا سيم خطة خسف أن يقول لا، بملء فيه ويضع دستور الحكم العادل فيقول: اجعلوا الناس في الحق سواء قريبهم كبعيدهم، و بعيدهم كقريبهم إياكم والرشا والحكم بالهوى.
ما أحوج الناس في هذا العصر إلى رجولة محمد وأصحابه، يجاهدون بها هذا الانحلال الخلقي الذي دب دبيبه في النفوس وهذا التخاذل والتردد والفساد الذي نشأ في المجتمع.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: مجلة كنوز الفرقان جمادى الأولى والثاني 1370 العدد 25و26
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


