وجدتني أمام أمنية حين وقعت عيناي على عبارة (رجة البعث الجديد في مناهج كلية الشريعة) في فهرس مجلة الأزهر الصادرة في جمادى الآخرة سنة 1379، كعنوان لمقال كتبه فضيلة الشيخ محمد المدني شيخ كلية الشريعة، فهو إذن الوثيقة الرسمية التي سوف تظهرني – دون تزيد أو تنقص – على هذه الوثيقة الجريئة التي يشير إليها العنوان، وقد كنت في هذا الظرف بحاجة إلى أن أقرأ عن هذه الوثبة المعلن عنها في المقال لأقاوم قلقاً نفسياً من جراء ما انتهى إليه الأمر في مناهج كلية أصول الدين، أو في تعبير أدق في مناهج شعبة التوحيد والمنطق القديم والحديث، التي أنا أحد أعضاء هيئة التدريس فيها، وأحد أعضاء لجنة إصلاح مناهجها.
وقد كنت أتوقع لكليتي أصول الدين والشريعة، وثبة جريئة موفقة في تعديل منهاجيهما، لأن كلية أصول الدين يقوم أساس الدراسة فيها على شرح العقيدة الإسلامية، وعرض الشبه التي توجَّه إليها، توطئة لتفنيدها وتزييفها.
وكان من رأيي:
أولاً: أن تؤلف لجنة لدراسة الشبه الجديدة والرد عليها، مع استبعاد دراسة الشبه القديمة التي فرغ الناس من مناقشتها.
ثانياً: أن يضاف إلى دراسة المنطق القديم رد الطعون الموجهة إليه.
ثالثاً: التوسع في دراسة المنطق الحديث لمعرفة مبلغ إفادة التجربة لليقين، حيث إن التجربة هي عماد البحوث في عصرنا الراهن.
ولكني فوجئت بأن أمر لجنة تعديل المناهج أعجل من أن يتسع لملاحظاتي هذه، فانسحبت من اللجنة، وكان أن تبلور عمل اللجنة فيما يأتي:
أولاً: ألغت اللجنة أحد الكتابين في التوحيد، وهو المواقف.
ثانياً: ألغت جزءاً من الكتاب الثاني وهو: العقائد النسفية، وأبقت الجزء الآخر وهو غير واف بالشبه الجديدة.
ثالثاً: أبقت المنطق القديم على حاله دون أية إضافة إليه.
رابعاً: أبقت المنطق الحديث على حاله.
ذلكم هو الأمل الذي كان يساورني بخصوص تعديل مناهج كلية أصول الدين، وذلكم هو الوضع الذي انتهى الحال إليه.
أما كلية الشريعة فهي تقوم على دراسة الأحكام التي تنظم شئون الناس في حياتهم العامة والخاصة، وفي هذه الأحكام ما أصبح مثار شكوى، والأزهر يواجه هذه الشكاوى بقوله: الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وعندي أنه ما لم تؤيد هذه القاعدة بالبراهين المستنبطة من و اقع حياة الناس، ومما يؤمنون به من مبادئ ونظريات تصبح مجردَّ ادعاء. فكنت أتوقع أن يتناول تعديل مناهج كلية الشريعة تبرير أحكام الشريعة الإسلامية، والملاءمة بينها وبين واقع حياة الناس، حتى يتقبل الناس أحكامها في رضىً واطمئنان، فلا يشكوا مثلاً من بيت الطاعة ولا من تعدد الزواج والطلاق، ويعرفوا أحكام الربا والتأمين، والبنوك والأسهم والسندات، معرفة لا تقوم على أساس فتوى عاجلة، ولكن على أساس دراسة مستوفاة تبنى على أصول الإسلام ومبادئه، ليطمئن الناس إليها وإلى موردها من الشريعة.
نعم كنت أنتظر لكليتي الشريعة وأصول الدين تطوراً في مناهجهما على هذا النحو، فلما لم أظفر بما كنت أتوق إليه بخصوص مناهج كلية أصول الدين، عللت نفسي بأن الأمر في كلية الشريعة قد يتم على الوضع اللائق، وقد كنت أستمع في بعض الأخبار إلى ما يطمئن مرة، وإلى ما يسوء أخرى، فلما وقع في يدي عدد مجلة الأزهر المشار إليه وكان المتحدث عن مناهج كلية الشريعة فيه هو شيخها، تلقيته بشغف واندفعت أقرأ المقال، وقد خرجت منه بأن إصلاح مناهج كلية الشريعة قد تركز في أمرين اثنين:
أولهما: دراسة الفقه الشيعي والزيدي والجعفري، ضمن دراسة الفقه المقارن.
وثانيهما: إدخال دراسة القانون الوضعي كمادة مستقلة في كلية الشريعة.
ويحس قارئ المقال أن الأستاذ جد مغتبط وجد فخور بإدخال القانون الوضعي في مجال الدراسة بكلية الشريعة، أما الغبطة فبما فُتح بهذه الدراسة أمام المتخرجين في كلية الشريعة، من مجالات تعتبر جديدة على العالم الأزهري، وذلك حيث يقول: (أما الذين يحاولون أن يشككوا في جدوى الدراسات القانونية في كلية الشريعة، فمن الغريب أنهم ليسوا من الأزهريين، ولا من علماء الدين، وإنما هم أفراد من الذين يتخيلون أن إدخال هذه الدراسات في الأزهر سيكون سبباً في مزاحمة خريجي كليات الحقوق في الجامعات الأخرى).
وأما الفخار فحيث يقول: (إن أبناء الأزهر قد عرفوا ذلك، فرحبوا بهذه الدراسات، وأصبحت كلية الشريعة تستقبل أساطين القانون في كل فرع من فروعه، وتستمع إليهم في شغف وإقبال، وتطلب كتبهم ومذكراتهم ومراجعهم، كما تطلب مراجع الفقه وأصول الأحكام... فياله من بعث جديد!!!)
ودعنا الآن من دراسة الفقه الشيعي، فسأعود إليه، وتعال ننظر أولاً في دراسة القانون الوضعي، لنرى هل نغتبط مع الشيخ بما اغتبط به، ونفاخر معه بما فاخر؟
أما ما اغتبط به وفاخر، فليس عندي مثار افتخار ولا غبطة، فإنَّ البعث الجديد التي تهتز له القلوب وتتجاوب الأصداء، هو الذي يدني الأهداف ويقرِّب الغايات، وأهم أهداف الأزهر وأنبل غاياته، هو نهوضه بأعباء رسالته التي تقوم على فهم وتفهيم أصول العقيدة الإسلامية، وفروع الشريعة، والحفاظ على لغة القرآن. فإذا كان البعث الجديد الذي أحدث رجة يالها من رجة، هو إدناء لقمة العيش لفريق من أبناء الأزهر فقد هان الخطب، ولم يعز المطلب، ثم كيف تجعل لقمة العيش هدفاً لانقلاب في الأزهر يوصف بأنه بعث جديد؟ وما كل هذا الحرص على لقمة العيش، حرصاً يستهان معه بالأهداف والقيم؟
إن الشأن في العالم الأزهري أن يكون مرجعاً للعالم الإسلامي كله في شئون الدين الإسلامي واللغة العربية؟
ولا يتيسر ذلك على وجهه الصحيح إلا لمن درسوا علوم الأزهر وعاشوا حياتهم كلها لها.
وفي هؤلاء غنية عن آخرين يتخرجون على كلمات لا تنفع ولا تفيد ثم يخرجون يقولون: تعلمنا القانون الوضعي في كلية الشريعة فدعونا نعمل به عملاً نحصل من ورائه على لقمة العيش، أو يقولون: تعلمنا من اللغة العربية ما يؤهِّلنا لأن ندرِّس في المدارس الابتدائية زرع وجلس، فافسحوا لنا فيها مجالاً نحصل من ورائه على لقمة العيش. ما هذا من مهمة الأزهر ولا من أهدافه، فضعوا المعهد العتيق في وضعه الأصيل، وخرِّجوا منه علماء أكفاء يحققون أمل العالم الإسلامي فيهم، ويكونون مرجعاً له في العقيدة والفقه واللغة، وحسبهم وظائف التدريس في الأزهر، ووظائف الوعظ والإرشاد.
ثم ما فخر الأزهر بأساطين القانون الوضعي يغدون فيه ويروحون كل يوم، وهم يغدون ويروحون في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وفي كلية الحقوق بجامعة عين شمس، وفي كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية؟ فليس في الأمر كبير خطر أن يغدو أساطين القانون ويروحوا في الأزهر، أو لا يغدوا ولا يروحوا فيه، فما يمكن أن يناله منهم الطالب الأزهري وهو مثقل بعلوم جمة نزر يسير بالقياس إلى ما يناله منهم طلاب كليات الحقوق؟؟ ثم إلى ماذا يستمع الأزهريون في شغف وإقبال كما يقول الأستاذ؟... ألما يقررون من أحكام يقرها القانون الوضعي ولا تقرها مذاهب الفقه الإسلامي؟
ثم ما أثر هذه الثنائية على شخصية الطالب الأزهري الذي يتلقى أحكاماً يستمدها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتلقى أحكاماً أخرى تخالفها يقدمها له أساطين يبلغ من مقدرتهم في العرض وقوة الإقناع أن يتلقاها الطالب الأزهري في شغف وإقبال؟!
إن هذه الثنائية خطرة كلَّ الخطورة على الطالب الذي لا يستطيع أن ينفذ إلى ما وراء هذه الأحكام من أسرار ليميز بينها ويعرف الحق من الباطل فيها، وإنا لنعاني شيئاً من مثل هذه الازدواجية في كلية أصول الدين، فالطالب يدرس في بعض المواد غير الدينية مثلاً أن المادة لا توجد من عدم ولا تصير إلى عدم، ثم يدرس في المواد الدينية أن العالم حادث وجد من عدم، وأنه سيصير إلى عدم.
إن الدراسة السطحية التي يتلقى بها الطلاب علومهم تجعلهم غير قادرين على أن يمحصوا الأمر ويعرفوا أي الاتجاهين هو الصواب.
وهذه هي كلية الشريعة تريد أن تحدث في أبنائها مثل هذه البلبلة الفكرية بدراسة القانون الوضعي إلى جانب مذاهب الفقه الإسلامي، إن أمثال هذه الدراسة تكون مقبولة لو كانت تقوم على أساس من المقارنة، وقام بها أساتذة أكْفاء يستطيعون أن يمحصوا الرأي ويخلصوا إلى مواطن الصواب، وهذا ما لم تعلن عنه كلية الشريعة في برنامجها.
نعود بعد ذلك إلى ما تحدث عنه شيخ الكلية من إدخال الفقه الشيعي الزيدي والجعفري ضمن الدراسة المقارنة فليسمح لي أن أسائله:
هل الباعث الحقيقي على إدخال مادة الفقه الشيعي في برنامج كلية الشريعة، هو ما استشهد له بالنصوص من أن الدراسة المقارنة لا تتم على وجهها الصحيح إلا باستيفاء جميع الأطراف؟ أعني هل خدمة العلم في ذاته بدون أي اعتبار آخر، هي الهدف؟ إن يكن الأمر كذلك فلماذا اختزل المنهج في كلية أصول الدين اختزالاً أشبه بالبتر، كما رأينا؟
قد يقول شيخ الكلية: تلك كليتي فأُسأل أنا عنها فقط، أما كلية أصول الدين فيُسأل عنها غيري. ولكن كلية أصول الدين وكلية الشريعة من الأزهر فسياسته فيهما يجب أن تكون واحدة، وهذا يدعونا إلى أن نبحث عن غرض آخر غير مصلحة العلم وحدها؛ فإنه بينما يختزل المنهج في كلية أصول الدين إذا به يزاد في كلية الشريعة، ودعنا نكون صرحاء في القول بعضنا مع بعض.
إننا نعلم أن فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، لا فكرة المقارنة، هي الباعث، وهي السبب. وكلنا يرحب بفكرة التقريب، وكلنا من أنصارها، وإذا اختلفنا حولها فإنما نختلف في الوسائل فقط.
هل المقارنة بين المذهب الشيعي والمذهب السني طريق إلى ذلك ؟
أنا شخصياً لا أظن، فما جدوى أن يقال: إن المذهب الشيعي يرى أن الإفطار في رمضان لا يكون إلا بعد المغرب بنحو ربع ساعة، أخذاً من قوله تعالى:[ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ] {البقرة:187}. فإن الليل لا يجيء إلا بعد المغرب لا مع المغرب. ثم يقول: إن المذهب السني يرى أن الإفطار يجيء عقب أذان المغرب مباشرة لما تواتر من أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم كانوا يتناولون التمر أو الماء مباشرة بعد الأذان وقبل صلاة المغرب، أقول: ما جدوى مثل هذا على التقريب وهو أقرب إلى أن يثير الخلاف والعصبية منه أن يحقق التقريب.
قد يقال: إن إدخال الفقه الشيعي ضمن دائرة المقارنة خطوة أولى قد تتلوها خطوة أخرى بعد ذلك، بدراسة الفقه الشيعي دراسة مستقلة بعيدة عن نطاق المقارنة، كما يدرس القانون الوضعي الآن بعيداً عن نطاق المقارنة، فما المانع من ذلك؟
أقول: إن هذه الخطوة سوف تكون غير موفقة، لأن الفقه الشيعي يرتبط بتاريخ الأزهر القديم ارتباطاً يجعل العودة إلى دراسته فيه مثار فرقة وانقسام بين متعصبين له ومتحاملين عليه، وحينئذ نكون قد أفسدنا من حيث أردنا أن نصلح.
قد يقال: إذا كانت تؤمن بالتقريب فما وسيلته إذن في نظرك ؟
أقول: إن لذلك عدة وسائل:
أولها: أن تاريخ التشريع يدرس في الأزهر، ولابد أن يدرس في معاهد الشيعة، بحيث يدرس الشيعة تاريخ التشريع السني، ويدرس السنة تاريخ التشريع الشيعي، بروح بعيدة عن العصبية والجمود، وسوف يتبين من هذه الدراسة أن مأخذ الفقهين أو ينبغي أن يكون متقارباً.
ثانيها: أن يدعى بين وقت وآخر بعض أساطين الفقه الشيعي – لا أساطين القانون الوضعي – ليلقوا محاضرات على مستوى عال في موضوعات يرون أن فهمنا لها من وجهة نظر الشيعة يقرب وجهات النظر بين الطرفين، ثم يقيمون بين أظهرنا فترة تيسر التعارف والتواد والتحاب، كذلك يوفد بعض أساطين الفقه السني إلى بلاد الشيعة، ليقوموا بنفس الدور.
ثالثها: أن يتخير فريق من رجال الأزهر بعض كتب التفسير والحديث والفقه والأحوال من النمط المعقول غير المتطرف، ويقوموا بإهدائها إلى إخوانهم الشيعة لتوضع في المكتبات العامة وبين أيدي الكبار من العلماء، وكذلك يفعل الشيعة مع أهل السنة.
بذلك وغيره مما عسى يكشف عنه المستقبل من وسائل أخرى، يحصل التقارب والتفاهم، أما القسر والإلجاء فمن شأنه أن يثير السخط، وفق الله الجميع إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: مجلة لواء الإسلام، العدد 11 من السنة 13 : (رجب 1379 يناير 1960).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


