إنَّ الإعلام الغربيَّ قد بلغ في المكر والخديعة والكذب والدَّجل فوق ما يتصور، حتى صارت الشُّعوب ألعوبةً في يده، فلم تبق في تلك السوق كرامةٌ ولا أيُّ معنى للإنسانيَّة، وهذا الإعلام من أهمِّ الأسلحة التي تعتمد عليها الأفعى، نتحدث اليوم عن تلك الأفعى التي ابتلعت الشُّعوب، وانقضت على البلدان، ورقصت على الخراب والدَّمار، ثم تظاهرت في سوق النِّفاق كالنَّائحة المستأجرة.
الشَّجرة الخبيثة
إنَّها قصَّة تلك الدَّولة العظيمة (أمريكا) التي بدأ سحرها ينقلب عليها، إنَّها الآن في داخلها تعيسةٌ، بائسةٌ، منكوبةٌ، ويعتبرها البُسطاء وأهل الهوى في شرقنا الإسلاميِّ جنَّة الله في الأرض، والأرض تأبى أن تقبل هذه الشَّجرة الخبيثة وترضى بهذه النَّذالة والإسفاف والهبوط والتَّمرغ في وحل الشَّهوات، وقتل وتدمير للإنسانيَّة على ظهرها، لولا كلمة الله ومشيئته البالغة: ?إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا? [الطلاق:3].
إنَّها دولة السَّآمة والقلق، ودولة الجشع والطَّمع، والأنانيَّة والأثرة، دولة الأفاعي، فيها الجنون والانتحار، والخمر والقمار، دولة اللاإنسانيَّة التي لا مكان فيها لصلة القرابة والرَّحم، ووشائج اللحم والدَّم، ولا اعتبار فيها لتلك النَّزعة الإنسانيَّة والحبِّ الطَّاهر المستور في الصدور، الذي يخفف آلام الحياة، ويهون متاعبها وهمومها ومشكلاتها، إنَّها في دعوى القيادة العالميَّة حيث لا كرامة فيها للعجائز والأمهات، والآباء والأجداد، والفقراء والضعفاء، لأنَّهم تجردوا عن "القوة والمال" اللذين لا إله لها غيرهما.
إنَّ القوَّة وحدها هي القوَّة الجسميَّة، وقوَّة الشَّهوة، وقوَّة القتل والنَّهب، وقوَّة الإبادة والتَّدمير، وهي الإله الأكبر الوحيد الذي يخضع له رأس كلِّ تابعٍ لهذه الأفعى، فمن تجرَّد عن هذه القوَّة لم يبق إنسانًا في دولة الأفاعي، وأصبح وزرًا وعبئًا ثقيلًا على عائلته، ومجتمعه، وشعبه، يحاول أن يتخلَّص منه في أقرب فرصة، فالدَّولة تهمله، والشَّعب ينبذه، والعائلة تقسو عليه، حتى أنَّ أولاده وأفلاذ كبده يتبرمون منه، ويثورون عليه ويتمنون موته بل يقتلونه بعض الأحيان.
عذاب الله على أمريكا
إنَّها أمريكا التي يدندن حولها السُّذج من أبناء العالم الإسلاميِّ، إنَّها لا تمتُّ إلى السَّعادة بصلةٍ، ولم تذق طعمها يومًا من الأيام، لقد أرادوها أن تكون بستانًا مليئًا بالأزهار والثِّمار، والحريَّة الكاملة المطلقة، فانقلبت عبوديَّةً خانعةً، ورِقًا مطلقًا دائمًا للماديَّة الجشعة.
إنَّ من عذاب الله على أمريكا- التي قامت على قتل الملايين من الهنود الحمر، وأثخنت فيهم التقتيل، فألوف في اليابان وملايين في العراق، وأفغانستان، وفيتنام، واليوم في سوريا واليمن وفلسطين- أن انتقم منهم وسخط عليهم وهذا بداية زوالهم، فنزع من صدورهم حبَّ الآباء للأبناء، وحبَّ الأبناء للآباء، وحبَّ البنات للأمَّهات وبالعكس، ونظرة عابرة على تلك الدَّولة تهزنا لهول المنظر وبشاعة الوضع والوقاحة البشريَّة التي أصبحت في أمريكا عادةً شائعةً متبعةً، وتقليدًا يتوارثه الأجيال، ولا نملك في هذا المكان إلَّا أن نقف خائفين خاشعين أمام الجلال الإلهي وقدرته البالغة وعلمه المحيط: ?وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ? [الواقعة:21].
إنَّ شبابنا ينظرون إلى التَّلميع والنِّفاق فيه، فيتأثَّرون من البهرجة الماديَّة، والأنظمة المدنيَّة، وتقدّم في التكنولوجيا والعلوم والمعارف، لكن تغيب عنهم الحقائق، بأنَّ هذه البذور قد آتت ثمارها في شكل التَّدمير، والقتل، والتَّهجير، وقمع للإنسانيَّة، وإيقاع البشريَّة في خطرٍ داهمٍ وظلامٍ دامسٍ، إنَّ الله لا يعذِّب عباده الذين بغوا في الأرض بسيولٍ عارمةٍ وعواصف قاصمةٍ فحسبُ، بل إنَّه يعذبهم أحيانًا في راحتهم وهنائهم، ويشقيهم في أموالهم، وبين أزواجهم وأبناءهم: ?سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ? [القلم:182-183].
فيجب على الشَّباب المسلم أن يعوا الحقائق وينشروها ويجنبوا المجتمع من هذه المزالق والمهالك التي تؤدي بالمجتمعات إلى الزوال والانهيار، ولابدَّ من قطع رأس أفعى فكريًّا وتعليميًّا وثقافيًّا وحضاريًّا، ?وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ?[يوسف:21].
المصدر: مجلة الحميدية العدد الثاني .
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


