عن الحياةِ التي لاتغيب عن ذاكرتي،عن الأمنيات التي لازالت ترافقني، عن العبق الذي يُبكيني، عن الجمال الذي كلما صادفته ناديت:أعيدوني أعيدوني..
نِعم الله التي أنعم بها علينا وغمرنا بها كثيرة لا تعد ولاتحصى،لعل من أعظم النِعم التي أشعر بها هي نعمة "الذاكرة" ، ذاك المستودع الواسع الفسيح الذي يتسع لكل تفاصيل الفترة الزمنية التي يعيشها الإنسان ، لكل لحظةٍ تمر به سواء أكانت جميلة أم قبيحة وهذه سنة الله في الحياة الدنيا ، لاجمال مطلقاً ولا قبح مطلقاً وبينهما تتأرجح الذكريات ، فتكون بعضها زهوراً في بساتين وبعضها الآخر رمالا في الصحاري..
من الزهور الجميلة التي تسكن قلبي ووجداني ورائحة عبقها كل ما مر بي بكيت شوقاً لأن تعود ..
هو عبق شهر رمضان المبارك في المدينة التي ولدت ونشأت بها وهي مدينة "جدة" التي استوطنت قلبي كثيراً وخاصةً أننا كنا نسكن في منزلٍ لا يفصله عن المسجد سوى خطواتٍ قليلة ، وصوت الأذان الشجي لا يفارقنا، وموائد الإفطار الجماعي للمحتاجين تملأ ساحات المسجد وأزقته..
كان حضورُ البركة بارزاً ..
وحضور البهجة على وجوه الناس واضحاً جلياً..
كنت أهوى فتح شرفة غرفتي لأختلس غبوق الحياة من شرفة نافذتي أراقب ساعاتٍ طوالا ، أراقب البسمات والتهاني بين الجيران بحلول هذا الشهر المبارك وأرقب لعب الصغار..
كان صوت الألعاب الناريةِ التي يطلقها صبيان الحي جزءاً لا يتجزأ من الطقوس الرمضانية التي نعيشها ونسعد بها..
لعل صوت بائع الحلوى الذي يقف منادياً على الناس لساعاتٍ طوال دون كللٍ أو ملل هي السمفونية الجميلة التي أفتقدها كثيراً وأغبط من لازال يعيش شيئاً من روعة هذه الأجواء الرمضانية والنفحات الربانية..
بالطبع يمكن للإنسان أن يتكيف مع البيئات المختلفة التي يعيش في محيطها ويمكنه أن يخلق السعادة لنفسه ولمن حوله أينما حل أو ارتحل ..
إلا أن نتكيف في زمننا هذا مع الظلم والبذخ ويرتبط شهر رمضان لدينا بالطعام والطعام والمبالغة في الإسراف فهنا ندخل في دائرة الظالمين!
فعندما أتحدث عن رمضان هذا العام والأعوام الأربع السابقة التي مضت فسوف أذكر الجوعى والعطشى والمفقودين والمنكوبين والمقطعة أوصالهم والمهدمة بيوتهم.
سوف أقف عند أوجاعهم وابتهالاتهم وأحلامهم التي لاتعرف طريقاً لليأس، سوف أقف عند كرامتهم التي لاتعرف الذل ، وعزائمهم التي لاتعرف طريقاً للهوان .
عن المنكوبين في شتى بقاع الأرض أتحدث ، عن أسرٍ كريمةٍ لم يعد لمنازلهم جدراناً يخفون خلفها قصصهم وأوجاعهم ، السقف الذي يظللهم ويشعرهم بالأمان ذهب مع ما ذهب!
في الوقت الذي تكون فيه موائدنا مليئة بالأصناف والمأكولات تكون موائدهم خاوية تلفظ أنفاسها الأخيرة ، تكاد أن لاتجد فيها سوى بضعة أرغفة يابسات مبللةً بالقليل من الماء ليسهل عليهم مضغها وبلعها!!
في الوقت الذي نجلس فيه على طاولات ومقاعد فارهة يجلسون هم على حطام منازلهم المهدمة التي سقط سقفها عليهم حينما حل الظلام وأذن المؤذن أن حان وقتُ الإفطار ..
وهل الصيام لديهم هو صيام شهر رمضان ؟ أم صيام كل العام؟
المفارقة واضحة .. فهم صائمون كل العام عن كل شيء ونحن نصوم شهراً واحداً فقط عن "الطعام"!!
لم أعد أحلم أن أعيش بمكانٍ أستمع به إلى صوت بائع الحلوى ، أنا الآن أتمنى أن لا أسمع نحيب أم على طفلها الرضيع الذي لاتجد ماتطعمه إياه ، ولا بكاءَ شيخٍ على ابنه المفقود ، ولا صراخ طفلةٍ مزقها ألم قنبلة انفجرت قربها..
لم أعد أتمنى سماع صوت الألعاب النارية التي يطلقها صبيان حيّنا ، فقد اكتظ العالم بأصوات آلات القتل من صواريخ وبراميل وقنابل متفجرة وغيرها الكثير الكثير ....
لم أعد أتمنى أن أعود طفلةً لأجلس أمام شرفة غرفتي وأستمع إلى أحاديث الناس وأرى ابتساماتهم ، أنا أحلم فقط أن تعود جدران المنازل المهدمة شامخة ، وتعود شرفاتها، وتعود أحلام الأطفال المترامية، وتعود ضحكات أهالي الحي وأصواتهم..
نعيش على أطلال ذكرياتنا الجميلة ونتمنى عودتها ، لكن ماهي الذكريات التي سوف يتذكرها هؤلاء الأبرياء؟ وعلى أي أنقاضٍ سيقفون ليحلموا؟
الإجابات دائماً تأتيني جلية عندما أقابل أحدهم ونظرة التحدي والإصرار ترتسم على وجهه ، والأمل بالمستقبل الواعد يسكن بين عينيه ..
بمثل هؤلاء سوف تتحرر الأوطان وبهم سوف تتحول الأنقاض الى مروجٍ خضراء وبساتين مزهرة ..
هؤلاء هم الأمل الذي سوف يعيد لنا الذكريات الجميلة وسوف يسطرون واقعاً ومستقبلاً أجمل بكثير..
هؤلاء هم الذين كلما تحدثنا إليهم أمدونا بالقوة والأمل بقولهم دائماً: ستعودون ستعودون ..
نهى مجد مكي .
الدوحة
14/9/1436هـ
1/7/2015م
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


