بقلم: محمد قطب
حين نتحدَّث عن التربية الدينيَّة يتبادر إلى أذهاننا على التو درس الدين، وإذا ذهب خيالنا أبعد من ذلك فقد نفكِّر في موعظة أو حديث ديني بالإضافة إلى الدرس الرسمي، ثم لا يتعدى تفكيرنا ذلك على الإطلاق، ومن أجل ذلك فإننا في الحقيقة لا نقوم بالتربية في مدارسنا، و بصفة خاصة التربية الإسلامية.
وسواء كانت مدارسنا ـ في معظم أرجاء العالم الإسلامي ـ عازفة عن التربية الإسلامية عن قصد، أو كانت راغبة فيها ولكنها تجهل الطريق، فإن النتيجة النهائية واحدة في الحالتين، وهي: أننا لا نقوم في الواقع بتربية أبنائنا تربية إسلامية حقيقية، ولا تتأثر مناهجنا بالروح الإسلامية إلا في القليل.
وينبغي أن ندرك بادئ ذي بدء أن درس الدين وحدَه ـ في حياتنا المعاصرة على الأخص ـ لا يمكن أن يفي بالمطلوب، وأنَّ الموعظة أو الحديث الديني إذا زادت عن حدِّها تحدث تأثيراً عَكْسياً مُنفِّراً بدلاً من التحبيب في الدين!
وينبغي أن نكونَ صُرحاء مع أنفسنا، ونقرَّ بالحقيقة الواقعة: إنَّ الدين يعاني عُزلة في حياتنا وفي وجداننا، لأننا لا نمارسه في واقع الحياة!! فنحن ـ في معظم بلدان العالم الإسلامي ـ لا نحكم شريعة الله، ولا تسير حياتنا في جملتها حسب المنهج الرباني الذي يشمل العقيدة والشريعة والعبادة، والعمل، والشعور والسلوك، والسياسة، والاقتصاد والاجتماع، كما يشمل الدنيا والآخرة في نظام.
ومن ثَمَّ فإنَّ تصوراتنا ومفاهيمنا، ومشاعرنا وأفكارنا، وأخلاقياتنا وأنماط سلوكنا، لا يستمد من الإسلام إلا أقلها، بينما الكثرة الغالبة منها مجلوبة من هنا ومن هناك من فجاج الأرض التي لا تؤمن بالإسلام.
والدين في حِسِّنا وفي مفهومنا قد انحسرَ من شموله المتكامل الذي عرفته الأجيال الأولى من المسلمين، حتى أصبحَ شيئاً شديد الشبه بالمفهوم الغربي الكنسي للدين: علاقة بين العبد والرب محلها القلب... ولا شأنَ لها بواقع الحياة.
هذه الحقيقة التي يَنبغي أن نُصارحَ بها أنسنا ـ إن كنا جادِّين في تناول موضوعنا ـ تلقي ظلها على حياتنا بأكلمها، وتتصل من قريب بمناهج التربية والتعليم.
فحين كان المجتمع يُمارس الإسلام بالفعل، أي: أنَّ شريعته هي المحكمة، ونظامه هو المطبق، وأخلاقه هي السائدة، وأنماط سلوكه هي السارية في المجتمع، ونظمه وتنظيماته هي التي تحكم حياة الناس، فقد كانت التربية الإسلامية هي الأصل في ذلك المجتمع، يقوم بأدائها البيت والشارع، والمسجد والمدرسة، وكل وسيلة من و سائل التوجيه.
وكان مُستساغاً حِينئذ أن يكون هناك درس رسمي للدين يختصُّ بإعطاء المعلومات، التي يَنبغي أن يعرفها المسلم عن دينه، في العبادات والمعاملات، والأحكام والفرائض... سواء كان ذلك في المدرسة أو المسجد ولا يقوم بالتربية أساساً لأن التربية تتولاها الجهات نفسها ـ وغيرها معها وبخاصة الأسرة والبيت ـ في أوقات أخرى مُتصلة غير وقت ذلك الدرس.
إنَّ تحكيمَ شريعةِ الله لون من التربية يتربى به المجتمع كله، صغيره وكبيره، وإقامة الصلوات في أوقاتها لون من التربية، وممارسة السلوك الإسلامي في نطاقه الواسع الشامل لون من التربية ينطبع عليه الصغير وتتشربه نفسه فيتخلَّق به، ورؤية المرأة الملتزمة بأمر ربها، والرجل الجاد في سيره وفي كلامه وفي عمله وفي عبادته كلها ألوان من التربية ـ عن طريق القدوة ـ تطبع الصغار بطابعها فيشبون عليها.
فإذا وجد هذا كله ـ وقد ضربنا نماذج منه لمجرد التمثيل ـ فلا مانع، ولا غرابة، في أن يوجد إلى جانبه درسٌ رسمي للدين يختصُّ بالمعلومات، ولا يجعل باله إلى التربية أساساً، اطمئناناً إلى أن كل شيء خارج هذا الدرس يقوم بتلك التربية المطلوبة، وتكون مهمَّة الدرس الأساسية هي التفقيه في أمور الدين.
فأما حين ينحسر الدين من حياتنا كما هو واقع اليوم، ويتقلَّص ظِلُّه في الأفكار والمشاعر، ولا يقوم بالتربية الإسلاميَّة البيت ولا الشارع، بل يقومون بعكس ذلك، فلم يبقَ في أيدينا إذن إلا التعليم ووسائل الإعلام.
فهل يَكفي في التعليم ـ والحالة هذه ـ درسٌ في المدرسة أو في المسجد يختصُّ بالمعلومات، على ذات الطريقة التي كانت قبل قرون، وهل يكفي في الإعلام موعظة أو حديث ديني؟!
إن درس المعلومات الرسمي والموعظة والحديث الديني، لتشبهُ بِناءً قد انهار، وبقيت منه ها هنا قطعة من باب ومن هناك قطعة من جدار!! فهل يجدي ذلك شيئاً في البناء المنهار؟!، على أن الصورة أسوأ من ذلك في الحقيقة.
فخلاصة ما تحدثنا عنه إلى هذه اللحظة هو عدم كفاية درس الدين الرسمي المختص بالمعلومات، وعدم جدوى الموعظة والحديث الديني في مجال التربية الدينية، بعد أن تخلت المؤسسات التربوية الأخرى كلها عن دورها، وأصبح الحمل كله واقعاً على مناهج التعليم ووسائل الإعلام.
فكيف إذا كان الجو المحيط بدرس الدين الرسمي في المدرسة، وبالموعظة والحديث الديني في وسائل الإعلام، بعيداً كل البعد عن جو الدين، بل مجافياً له في معظم الأحوال؟
وأترك الحديث عن وسائل الإعلام فليس مجالها هذا البحث، وأتكلم فقط عن مناهج التعليم.
إنك لا تستطيع أن تشعر ـ خارج درس الدين الرسمي ـ بأنك في مدرسة إسلامية أو في جامعة إسلامية… ذلك أنك ستجد جو المواد المدروسة وجو التدريس كذلك هو ذات الجو الغربي المعادي للدين في الحقيقة، والذي يتستر بالعلمانية، والذي يدعي أنه غير ديني فحسب وليس معادياً للدين.
ونحن نعلم بطبيعة الحال الظروف التي أحاطت بأوروبا منذ بداية نهضتها والتي أبعدت العلم فيها عن الدين، وفرَّقت بينهما، بل أقامت بينهما العداوة والبغضاء حتى أصبح مجرد ذكر اسم الله جل جلاله في بحث علمي يعتبر إفساداً لجو البحث العلمي، أو على حد تعبير دارون في أحد كتبه، بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي. وقد تكون أوروبا معذورة في هذا الأمر أو غير معذورة، فالله سبحانه وتعالى يقول: [بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ] {القيامة:14-15}، أما نحن المسلمين فما عذرنا إذا قلَّدنا أوروبا، وفصلنا ـ مثلهم ـ بين العلم والدين؟!.
إنَّ العلم والدين كليهما أمران موجودان في الفطرة بلا تعارض ولا تَنَافر ولا خصام، فالتوجُّه إلى الخالق سبحانه بالعبادة فطرة: [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا] {الأعراف:172}. والرغبة في التعرف على الكون وسننه، وتسخير طاقاته لمنفعة الإنسان فطرة كذلك، أمدَّ الله بها الإنسان لتعينه على القيام بدور الخلافة في الأرض: [وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] {البقرة:31}.[وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ] {الجاثية:13}.
ولا تعارض بين هاتين النزعتين الفطريتين في الفطرة السليمة؛ لأن الأولى تتوجَّه إلى الله بالعبادة، والثانية تُوصل الإنسان إلى مَزيد من المعرفة بأسماء الله وصفاته وأفعاله في هذا الكون، فتؤدي في النهاية إلى مزيد من الخشية لله، أي: مزيد من العبادة لله: [إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] {فاطر:28}.
إما الجاهليات هي التي تفصل بين هاتين النزعتين المتكاملتين وتوجه كلا منهما في طريق، والجاهلية الأوروبية المعاصرة بصفة خاصة هي التي توجد بينهما العداوة والبغضاء.
أما المدرسة الإسلامية، سواء الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية أو الجامعيَّة، فليس لها أن تقع في هذه الخطيئة، خطيئة الفصل بين العلم والدين، فتدرس العلم مُنفصلاً عن الدين، والدين مُنفصلاً عن العلم.
وهذا الحدُّ سيء في ذاته، فكيف إذا كانت الخطيئة أكبر من ذلك في الحقيقة، وكنا ـ في المدرسة الإسلامية ـ ندرس كثيراً من المواد بطريقة تخالف التصورات والمفاهيم الإسلامية، أو تصادمها مُصادمة صريحة في بعض الأحيان؟
فنحن ندرس لأبنائنا وبناتنا نظرية دارون، ولا ندرسها على أنها فرض علمي كما هي في الحقيقة، ولا حتى أنها مجرد نظرية علمية تحتمل الخطأ والصواب وهذا أكبر من قدرها العلمي في الحقيقة، بل ندرسها بروح التوثيق، كأنها حقيقة علميَّة نهائية مَفروغ من صحتها.
ونظرية دارون ما زالت منذ مولدها حتى اليوم لا ترتقي إلى درجة اليقين العلمي، بل إن الداروينية الحديثة، ومن أبرز كتابها جوليان هكسلي لتقرر تفرد الإنسان عقلياً ونفسياً وحتى بيولوجياً وجوليان هكسلي ـ ولو أنه دارويني ومع أنه ملحد إلحاداً صريحاً ـ له كتاب يسمى الإنسان في العالم الحديث، صوره بفصل طويل سماه: تفرد الإنسان... قال فيه: إن المسافة بين القرد والإنسان أكبر بكثير من المسافة بين النملة أو الصرصار وبين القرد، ويقول: وهكذا يضع العلم الحديث الإنسان في مكانة قريبة جداً من المكانة التي يضعه فيها الدين، ولكن على قاعدة مختلفة تمام الاختلاف.
فإذا كانت هذه مقالة دارويني ملحد عن الدراوينية، أفلا ينبغي لنا نحن ـ المسلمين ـ أن نكون أكثر تحرزاً ونحن ندرس لأبنائنا الصغار نظرية داروين، في المدارس الإعدادية أو الثانوية ؟! وهل يجوز لنا أن نغفل أن اليهودية العالمية هي التي روجت لنظرية داروين وأعطتها هذه المكانة في مناهج التعليم، لنستغلها في محاربة العقيدة الدينية ومحاربة القيم والمبادئ العليا؟.
ونحن ندرس لأبنائنا وبناتنا في الجغرافية البشرية امتداداً لنظرية دارون، مَنقولاً نقلاً حرفياً عن المراجع الأجنبيَّة ولا شك ما خلاصته أن الإنسان الأول كان قريب الشبه بالقرد، وكان يمشي على أربع، ثم استقام عُودُه حين شبَّ على قدميه ليقطف ثمار الأشجار، فأتيحت الفرصة لدماغه أن يكبر حين صار رأسه مُعتمداً على جذعه، فتعلم أن يصدر أصوات لغوية وزاد ذكاؤه ففعل كذا وكذا من الأشياء.
ونُدرِّس لهم كذلك أن البيئة هي التي تشكل حياة الإنسان وعاداته وتقاليده، ومشاعره وأفكاره وأنماط سلوكه...
والقول الأول هو امتداد مباشر لنظرية داروين ولا يوجد دليل علمي عليه، والقول الثاني امتداد للنظرية كذلك قد يصدق على الإنسان في غيبة العقيدة ـ أي على الإنسان الجاهلي ـ فحين يكون الإنسان بلا عقيدة يكون عبداً لأشياء كثيرة من بينها البيئة، تتسلَّط عليه وتشكل حياته أما حين يكون صاحب عقيدة ربانية سليمة ـ والعقيدة هي بما تشتمل عليه من منهج رباني منظم للحياة والسلوك، فإن هذه العقيدة ـ وليست البيئة ـ هي التي تشكل حياته وعاداته وتقاليده ومشاعره وأفكاره وأنماط سلوكه.
ونظرة واحدة إلى تاريخ الإسلام: ترينا كيف أن هذه العقيدة أنشأت أمة وصفها خالقها بقوله سبحانه: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] {آل عمران:110}. أمة تكاد تكون مبتوتة الصلة بماضيها الذي كان...
وليس معنى هذا أنَّ البيئة ليست لها سيطرة على الإنسان على الإطلاق، وإنما الحقيقة أن الإسلام في كل أرض دخلها أخذ أفضل ما في البيئة وأقره بعد وضعه على قاعدته الصحيحة وهي الإيمان بالله وحده بلا شريك، ثم عدل انحرافات البيئة وقوَّمها لتستقيم مع تصورات الإسلام وقيمه ومبادئه.
وحين ندرس نحن الجغرافيا البشرية كما ندرسها اليوم، فإننا:
أولاً: نغفل أثر العقيدة الصحيحة إغفالاً كاملاً على طريقة الغرب الذي ننقل عنه.
وثانياً: نعطي إيحاء مغاير للتصور الإسلامي، إن لم نقل مُصادماً له، هي أن الإنسان ابن بيئته فحسب، وأن تاريخه في الأرض تقرره بيئته. والإسلام يقول: إنَّ تاريخ الإنسان في الأرض تقرره عقيدته أولاً وقبل كل شيء. وفي دراسة التاريخ ترتكب نفس الخطيئة، فنحن ندرس التاريخ البشري على محورين خاطئين مغايرين للتصور الإسلامي، أو مصادمين له:
المحور الأول: هو أن تاريخ الإنسان هو تاريخ تطور مستمر نحو الرقي.
والمحور الثاني: هو أن العمارة المادية للأرض هي مقياس التقدم البشري. وعلى هذا الأساس الأخير نشيد بالحضارات الوثنية أمثال الحضارة الفرعونية، والإغريقية، و الرومانية، والبابلية، والأشورية... وعلى الأساسين معاً نشيد بالجيل الحاضر من البشرية ونعتبره أرقى أجيالها وأفضلها... أرقى من جيل الصحابة رضوان الله عليهم، وإن لم نقل ذلك صراحة ولكنا نتركه يفهم من خلال الروح التي ندرس بها التاريخ. وكلا الأساسين خاطئ من وجهة النظر الإسلامية.
فوجهةُ النظر الإسلاميَّة تقرر أنَّ الإنسان له حالتان اثنتان معهما اختلفت أوضاعه العمرانيَّة هما: أن يكون في أحسن تقويم، أو يكون أسفل سافلين. [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ] {التِّين:6-4 } وأنه يكون في أحسن تقويم حين يؤمن بالله تعالى، ويتبع منهجه سبحانه، ويكون في أسفل سافلين حين يضل عن عبادة الله الواحد ويتبع مناهج غير منهج الله.
وأنَّ الناحية العمرانية ـ المادية ـ ليست هي مقياس الرقي البشري مهما بلغ شأنها، فالقرآن يتحدث عن كثيرٍ من الأقوام أثاروا الأرض وعمروها، ولكنهم كانوا جاهلين لأنهم لم يكونوا يؤمنون بالله ولا يبتغون منهجه، وكان عندهم علم يفرحون به لكنه لم يكن ينفعهم لأنهم لا يتبعون العلم الرباني الذي يتحقق به خير الدنيا والآخرة وعلى ذلك تقرر وجهة النظر الإسلامية أن الفرعونية كانت جاهلية، والإغريقية جاهلية، والرومانية والبابلية والأشورية...
كما يُقرِّر الإسلام أن جيلَ الصحابة رضوان الله عليهم هو خير جيل أقلَّته الأرض، وأنَّ الجاهلية المعاصرة هي أسوأ جاهليات التاريخ بكل ما فيها من عمارة ماديَّة وتقدم علمي وتكنولوجي لأن الإنسان هبط فيها روحياً ومعنوياً كما لم يهبط في التاريخ.
كما أنَّ وجهة النظر الإسلامية: ترفض أن تحصر التاريخ البشري في فترته الأرضيَّة المحدودة ثم تعطي أحكامها على البشر بقياس هذه الفترة وحدها، فتقرر أنهم راقون ومتقدمون أو رجعيون أو... بمقياس الإنجازات الأرضية المنقطعة عن الآخرة، وإنما هي تأخذ التاريخ من طرفيه، أوله وآخره، وتعطي أحكامها على البشر بقياس الأولى والآخرة معاً، وهو ذات المقياس: [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] {التغابن:2}.
أما العمارة الماديَّة للأرض فهي من ضمن المقاييس نعم، فقد خلق الله الإنسان لهذه العمارة [هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ] {هود:61}. ولكن المقياس فيها ليس هو الإنجازات الماديَّة في ذاتها، ولكنه المنهج الذي تقومُ عليه تلك الإنجازات، أهو المنهج الرباني أم المنهج الجاهلي؟!.
والمؤمن والكافر كلاهما يمكنُ أن يعمرَ الأرض من الناحية المادية عمارة واحدة، ولكن المؤمن يستخدم هذه العمارة في عبادة الله، والكافر يَستخدمها في عبادة الشيطان، وهنا يفترق الحكم على هذا وذاك، ولكن دراستنا الحالية تغفل ذلك كله، وتدرس التاريخ على ذات المنهج الجاهلي الذي تدرس به أوربا، لأننا نأخذ مراجعنا من هناك.
ثم نحن ندرس لأبنائنا في الاجتماع نظريات دوركايم اليهودي التي تتعارض تعارضاً مباشراً مع وجهة النظر الإسلامية إذ تلغي كل القيم الثابتة في الحياة البشرية، وتقول: إنَّ الدين والأخلاق والزواج والأسرة ليست من الفطرة وأنها من صنع العقل الجمعي الذي يثبتها إذا شاء، ويمحوها إذا شاء!!.
وندرس لهم العلوم، سواء الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء والفلك والرياضيات والهندسة والطب بمعزل تماماً عن الله تعالى، بل نرتكب خطيئة أكبر من ذلك حين نقول لهم ـ الطبيعة ـ هي التي خلقت وهي التي هدت، وهي التي تدبر الأمر بقوانينها، وحين نحدثهم كذلك عن حتمية قوانين الطبيعة.
والطبيعة لفظة وثنية تستخدمها أوروبا بدلاً من لفظ الله، وتكتبها بحرف كبير NATURE تعظيماً لها، لأن الناس هناك واجهوا مشاكل مع كنيستهم، جعلتهم يكفرون بإله الكنيسة الذي تستعبدهم باسمه وتمارس معهم كل أنواع الطغيان فابتدعوا إلهاً ليست له كنيسة وليست له التزامات سمَّوه الطبيعة، ونسبوا إليه الخلق والهدى والتدبير، كما يقول دارون، الطبيعة تخلق كل شيء، ولا حد لقدرتها على الخلق.
أما نحن - المسلمين - فكيف سمحنا أن تلوك ألسنتنا الكلمة الوثنية الجاهلية، ونسجلها، في الكتب التي نقررها على التلاميذ؟!.
وحين نصنع ذلك كله حين ندرس لأبنائنا وبناتنا نظرية دارون على هذا النحو، وندرس لهم التاريخ والجغرافيا من وجهة نظر غير إسلامية وندرس لهم علم الاجتماع وعلم النفس، والتربية والاقتصاد، والعلوم كلها من وجهة نظر غير إسلامية وبروح غير إسلامية فكيف نطمع بعد ذلك أن يتخرج من مدارسنا وجامعاتنا شباب مسلم ونحن في كل منهج ندرسه وفي كل درس نعطيه، نعطيهم توجيهاً مُضاداً للإسلام؟ وما قيمة درس الدين المتوقع في وسط جو مُعارض له ومُصادم لروحه، وما جدواه في هذا الخضم من التيارات المعادية لاتجاهه، فضلاً عن كونه هو في ذات نفسه هزيل هزيل... لا يزيد على بضعة نصوص تُحفظ ليؤدي فيها اختبار في نهاية العام؟! إن الأمر في حاجة إلى إصلاح جذري يمتدُّ إلى الأساس! وإذا كنا جادين في إعطاء الدين دوره الحقيقي في مناهج التربية والتعليم فعلينا أن نصنع أمرين في وقت واحد:
الأول: ألا نحصر التوجيه الديني في درس الدين الرسمي.
الثاني: أن نُعيد النظرَ في مناهج الدين ذاته، ونقيِّمها على أساس آخر غير ما هو قائم عليه في معظم البلاد الإسلامية.
إن المقصود بالتربية الدينية الإسلامية هو تخريج الإنسان المسلم، رجلاً كان أو امرأة، ولا يمكن تخريج هذا الإنسان المسلم ببضع معلومات عن الدين يحفظها عن ظهر قلب ليؤدي فيها الاختبار في آخر العام، إذا كانت تصوراته ومفاهيمه وأخلاقياته وأنماط سلوكه كلها مغايرة للإسلام أو معارضة له.
وإذا كنا لا نملك ـ في وقتنا الحاضر ـ كل أدوات التربية الإسلامية الواجبة، من تحكيم لشريعة الله، وتطبيق للإسلام في واقع حياتنا، والتزام البيت والشارع بآداب الإسلام وتعاليمه فلا أقل من أن نستغلَّ ما بقي في أيدينا من مَنَاهج