أ- المكر و الكيد اسمان للتدبير مطلقاً ويستعملان في الخير والشر في أصل استخدامهما، فإن أريد بهما أو بأحدهما الخير قيد به وإن أريد به الشر قيد به، وقد يتقيد بحسب المضاف إليه فإن أضيف إلى الله فيفسر الكيد أو المكر بما يليق بالله تعالى، وإن أضيف لغير الله فننظر في مقصد فاعل الكيد والمكر وحاله.
الكيد: هو المعالجة في السر و العلن.
المكر : التدبير في الخفاء .
فالكيد أعمُ من المكر، ويسمى الكيد مكراً، ولكن لا نسمي المكر كيداً، قال الله : {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ } [النحل: 45] .
{وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ } [الرعد: 42]
{اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ } [فاطر: 43]
{كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76]، {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [الأنبياء: 70]
{أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ } [الطور: 42]
{إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15، 16].
ب- ذكر الله في القرآن أنه مكر لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، و كذلك يمكر الله لأوليائه، وكذلك يمكر الله لكل من أحسن الإتباع و الاقتداء بالأنبياء، فحتى نحظى بمعونة الله وتدبيره لنا بدفع شرِ وكيدِ أعدائنا يجب علينا إحياء سنة الإصلاح و الدعوة للعودة للهدي النبوي في جميع أمورنا.
ت- إن سنة الله في المفسدين والمنكرين هي الإمهال و إرسال الآيات تلو الآيات للهداية وسلوك طريق الحق، حتى إذا وصل الإعراض و الفساد إلى منتهاه؛ كان كيد الله بالمفسدين والمنكرين عظيم و أخذه متين، قال تعالى :
( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (النحل)
وقال : (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ-فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ-)
ث- أما المؤامرة فلم تأت إلا في موضع واحد في القرآن في قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } [القصص: 20]
واهتم القرآن بالتركيز على ظواهر الأفعال من أصحاب المكائد والنفاق ، فقد كان المشركون و اليهود والمنافقون في فجر الإسلام يحيكون المكائد المتتالية للإسلام والمسلمين، في حين كان هدي القرآن يحض المسلمين على العمل على تآلف القلوب والإخلاص من خلال قانونه الدائم (وقل اعملوا..).
و كان كيد الله في ردع شر أعداء الله كتدبير الله لسيدنا محمد لخروجه سالما ليلة أرادت قريش قتله فقال تعالى : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )
فلو أراد أن ينجيه بإهلاك من حاصره لفعل الله و لكن المكيدة الربانية كانت مقصودة لتكون دليلا واقعياً محسوساً على عناية الله بأنبيائه وأوليائه، وتكون عبرة لمن يقتدي بهم من بعدهم، وكشفاً لبصيرة المشركين وهدايتهم إذا رأوا كيف مكر الله لنبيه وهم عاجزون عن تطبيق مكرهم به.
و مثل ذلك نقول في قوله تعالى ( كذلك كدنا ليوسف ) كانت المكيدة الربانية ليوسف عليه السلام سببا في هداية أخوته أخيراً ونبوتهم بعد ذلك.
لا وجه للمقارنة بين مكر الخالق القوي العزيز، ومكر المخلوق الضعيف المحروم، قال تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ } [الرعد: 42] ، فإن كان المكر لله جميعاً فماذا سيفعل مكر أعداء الله، وهل يستطيعون النفاذ من مكر الله المحيط.
وكذلك في الكيد، فإن الله تعالى قال في كيد رأس المرجومين إبليس: ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا)، فكيف بكيد أتباعه!!
أما المؤمن فكيده قوي لأنه متوكل على الله ومتعلق بتوفيق القوي المتين قال تعالى: على لسان هود عليه السلام : (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ - مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ--إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
ومن هذه الآية اشتق العلماء مقولة (من رأى الله في جميع أحواله، صغر في عينيه كل شيء)
و قال تعالى للحبيب المصطفى في سورة الأعراف (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ-إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) و الله أعلم .
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


