التوبةُ في الإسلامِ نقدٌ ذاتيٌّ بصيرٌ أمين، وتجاوُزٌ دائِمٌ للسَّلْبيات، وتصحيحٌ مُسْتمِرٌّ للمَسار، وصُعودٌ بلا حُدودٍ في مَدارجِ الكمال؛ فأنتَ تتوبُ مِنْ كُلِّ ذنبٍ أو خَطَأٍ كبيرٍ أو صَغير: ترجعُ عنه، وتندمُ عليه، وتَعْزِمُ على عَدَمِ العودةِ إليه، وتُصْلِحُ آثارَه السيئة.
وأنتَ تتوبُ مِنْ قصورِكَ في أداءِ ما أوجبَ اللهُ عليكَ لدينِكَ ونفسِكَ وأُسْرَتِكَ ومجتمعِك، وللإنسانيةِ والإنسان
وأنتَ تتوبُ عن الكسلِ والجبنِ والبخل، وإضاعةِ الوقت، وسائِرِ الحالاتِ والصفاتِ والأخلاقِ التي تحولُ بينَكَ وبين أداءِ الواجب، أو تجعلُكَ تقصِّرُ فيه، أو تقفُ عندَه فلا تزيدُ عليهِ ما لا يَتَوَجَّبُ عليكَ مِنَ الفضائلِ والكمالات
وأنتَ تتوبُ إلى رَبّك أَنَّكَ لا تؤدِّي حقَّه وحقَّ نِعَمِهِ السابغةِ عليك
„... وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار“ ( [إبراهيم : 34].
وقد طلبَ اللهُ عزَّ وجلَّ هذه التوبةَ إلى المؤمنينَ جميعاً دونَ استثناء، وقَرَنَ بها الفلاحَ في الدنيا والآخرة فقال: „... وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون“ [النور : 31].
وقال: „... وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون“ [الحجرات : 11].
وهكذا، من لم يكن تائباً كان ظالماً: ظالماً لنفسِهِ وغيرِه، وظالماً للحقِّ والواجبِ وسائرِ القيمِ العليا..
وقد رأينا عَجَباً في هذا الأمرِ من قولِ نبيّنا وأسوتِنا صَلّى اللهُ عليهِ وسَلّم وفعلِه؛ فقد رَوَى البخاريُّ في صحيحهِ عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قال: سمعتُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عليهِ وسَلّم يقول: „وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة“
ورَوَى مسلم في صحيحه عن الأَغَرِّ بن يسارٍ المُزَنيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عليهِ وسَلّم: „يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّة“
وما صَلَّى رسولُ اللهِ -كما روى ذلك البخاريُّ في صحيحه- صلاةً قطُّ، بعدَ أن أُنْزِلَتْ عليه: „إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ“ إلى آخرها.. إلاّ قال فيها: „سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي“
والتوبةُ تحتاجُ عِلماً ووعياً لِتَكُون: عِلْماً بالإسلامِ وعلماً بما يُمارسُهُ المسلمُ من عَمَل، ويتحرَّكُ فيهِ من مَجال، وإلاّ فكيفَ يعلمُ المسلمُ بأنّ هذا العملَ حلالٌ أو حرام، نافعٌ أم ضارّ، ذَنْبٌ يَرْجعُ عَنْهُ أمْ خيرٌ يستكثِرُ منه..
وهذا العلمُ يتفاوتُ كَمّاً وكَيْفاً، سَعَةً وضيقاً، بتفاوتِ الناسِ في حاجاتِهم، وفي مواقعِهم ومهمّاتِهم، والمجالاتِ التي يتحرّكونَ فيها؛ فهنالكَ العاميُّ البسيطُ الذي يُمارسُ عملاً بسيطاً محدوداً، ويتحرّكُ في مَجالٍ محدود، ويسألُ أهلَ العلمِ والخبرةِ فيما يَعْرِضُ له من الأمر؛ وهنالك العلماء، وهنالك القادةُ والزعماء، وهنالك أصحابُ الرأيِ والتوجيهِ والتأثير، وهؤلاءِ يحتاجونَ مع المعرفةِ بالإسلام إلى معرفةٍ بالواقِع، ومعرفةٍ بالعالمِ والعصرِ حتى يتبينوا في مَجالاتِ تخصُّصاتِهم وأعمالِهم التربويةِ أو الاجتماعيةِ أو الاقتصاديةِ أو السياسيةِ وغيرِها، ما هو صوابٌ أو خطأ، وما هو واجبٌ يجبُ أن ينهضوا به أو ضارٌّ يجبُ أن يُقْلِعوا عنه، فالجهلُ والخطأ، أو التفريطُ والانحراف، في بعضِ هذه المجالاتِ، في بعضِ الأوقاتِ، إثمٌ عظيمٌ قد يوردُ أمّةً بكامِلها مواردَ الهلاك، والتوبةُ منه والرجوعُ عنه من أوجبِ الواجبات..
ولا بدَّ في التوبةِ المطلوبةِ مِنَ الصدقِ والأمانةِ حتى لا يخدعَ الإنسانُ نفسَه عن الحقيقةِ والواقع، ومِنَ الشجاعةِ والإرادةِ حتى يعترفَ بالخطأ والذنب ولا يُمَارِيَ ولا يُعانِد، وحتى ينتصرَ على المعوِّقات، وعلى دوافعِ الذنوبِ والأخطاءِ في نفسِه ومجتمعه..
وبعد؛ فأنا أدعو نفسي وسائرَ المسلمينَ إلى توبةٍ شاملةٍ نَصوحٍ في سِرِّنا وفي عَلَنِنَا، وفي مختلفِ جوانبِ حياتنا، توبةٍ تنتظِمُنا أفراداً وجماعاتٍ ومؤسسات، توبةٍ متجدّدةٍ تتجدّدُ بها حياتُنا، وتنمَحِي بها أوزارُنا ومُعَوِّقاتُنا، ويستقيمُ بها نظرُنا ومسارُنا، ونتقدّمُ بها ونتقدّم، ونبلغُ ما يشاءُ اللهُ لنا أن نبلغَه مِنْ أداءِ رسالتنا، ومن خيرٍ لنا وللإنسانيةِ والإنسانِ في الدنيا والآخرة..
„يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير“ [التحريم: 8]..
بقلم: عصام العطار
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


