دعاء النبي‏ صلى الله عليه وسلم 2-2

دعاء النبي‏ صلى الله عليه وسلم 2-2

 

-2-

تعالوا نلق نظرة عل? الأدع?ة الت?‏ أثرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ف? دواو?ن الأحاد?ث‏ وكتب التار?خ والس?ر، ولننظر: هل ?ستط?ع أحدنا- مهما بلغ من‏ تضلعه من الأدب، وبراعته ف?‏ الفنون الأدب?ة والأسال?ب الب?ان?ة- أن ?أتي- وهو ?ر?د أن ?بد?‏ عجزه وضعفه، و?صور فقره‏ واحت?اجه، و?ستجلب رحمة ربه‏ و?ستمطر سحابة كرمه- بكلمات‏ أشدَّ منها تأث?راً، وأدقَّ منها دلالة عل? المعاني وأكثر منها قلة ف? المبان?، وأحسن منها وقعا ف? النفوس وجذبا للقلوب وسحرا للأذهان والعقول.

تصور سفره صل? الله عل?ه‏ وسلم إل? الطائف، وما ?حف به، وأرسل النظر إل? قلب المسافر المنكسر، وقدم?ه المتضرجت?ن بالدم، واقرأ ف? هذه الب?ئة الظالمة الخانقة:

«اللهم إل?ك أشكو ضعف قوتي، وقلة ح?لتي،وهواني عل? الناس‏ رب المستضعف?ن إل? من تكلني؟ إل? بع?د ?تجهمن?، أو إل? عدو ملكته أمري إن لم ?كن بك علي‏ غضبٌ فلا أبالي، غ?ر أنَّ عاقبتك هي‏ أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي‏ أشرقت له الظلمات، وصلح عل?ه‏ أمر الدن?ا والآخرة، من أن ?حل‏ بي غضبك أو ?نزل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترض?، ولا حول‏ ولا قوة إلا بك». ـ جاء هذا الدعاء ف? تار?خ الطبر? بهذه الألفاظ. وقد أخرجه صاحب كنز العمال بتغ??ر ?س?ر ـ .

 أفهل تستط?ع أن تأتي -وقد تك?فت نفسك بهذه الك?ف?ة العج?بة ـ بكلمات أحسن منها وأوقع؟ أو هل‏ تقدر مكتبات العالم الأدب?ِّة الغن?ّة عل? أن تساعدك بألفاظ أكثر منها رشاقة، وأحسن منها ص?اغة؟

وتصور كذلك م?دان«عرفات» وهو ?دوِّي بأصداء (اللهم لب?ك، اللهم لب?ك) ،و?تجاوب مع أدع?ته‏ الحجَّاج الكرام وقد تجلَّت ف?ه‏ صمد?ة الأحد الصمد، وعظمته‏ وجبروته، تر? ف? هذا الحشد العظ?م الكر?م«رجلا» حاسراً عن رأسه، لابساً إحرامه ـ فداه أبي وأمي- ?حمل عل? عاتقه‏ مسؤول?ة البشر?ة جمعاء، و?شاهد عظمة الإله وكبر?اءه أكثر من كل‏ من ?ستط?ع هذه المشاهدة و?طلع‏ عل? عجز الإنسان، وضعفه، ووع?ه‏ أكثر من كل من ?قدر عل? هذا الاطلاع، في هذا الجو المه?ب، ?دوي بصوته الأرجاء ،ف?سمعه‏ السامعون: (اللهم انك تسمع كلامي، وتر?‏ مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا ?خفى عليك شيء من أمري، وأنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبي‏ أسألك مسألة المسك?ن، وأبتهل‏ إليك ابتهال المذنب الذل?ل، وأدعوك‏ دعاء الخائف الضر?ر، فاضت لك‏ عبرته، وذلَّ لك جسمه، ورغم‏ لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك‏ شقياً، وكنَّ بي رؤوفاً رح?ماً.?ا خبر المسؤول?ن، و?ا خ?ر المعط?ن) ـ كنز العمال مروياً عن ابن عباس رضي الله عنهما ـ .

أفهل ?ستط?ع الإنسان أن ?جد - لكي ?عبر عن كبر?اء الله وعظمته ويعترف بعجزه وضعفه، وفقره‏ واحت?اجه، وقلة ح?لته وهوانه، و?ث?ر رحمة ربه، و?ستجلب كرمه - كلمات أكثر منها وقعاً،وأغن? منها إخلاصاً، وأشدَّ منها جذباً للنفوس‏ ونفوذاً ف? القلوب؟ أو هل ?ستط?ع‏ أحدنا أن ?صور ك?ف?ة قلبه، وعجز  ومسكنه بأحسن من ذلك وأدق منه.

وأ?م الله إن هذه الكلمات لكف?لة بإثارة سحابة كرم الكر?م الحق?قي وكلما تكررها الأذهان و?جري بها اللسان تف?ض الع?ون دموعاً، وتتراني الرحمة الإله?ة مقبلة. 

 

فألف ألف صلاة وسلام عل? رحمة العالم?ن، إذ أنه علم أمته هذه الأدع?ة الرائعة ذات الأثر البالغ والص?اغة الدق?قة وعرفنا ك?ف نقرع «باب‏ الرحمة» اللهم صل وسلم عل?ه‏ وعل? عترته بعدد كل معلوم لك.

 

ولكي ?ستم?ل الإنسان، الملك‏ المقتدر، القوي الغني، القادر المطلق، السلطان العادل، و?ستجلب‏ رحمته وعطفه وحنانه، لا شيء ?في‏ له بذلك مثل الاعتراف بعجزه‏ وضعفه، وعبود?ته ونقصه، بأحسن‏ ما ?كون الاعتراف بأنه عبد الملك‏ كابراً عن كابر...وأسرة بعد أسرة، فهو مسلوك ابن مملوك... الخ. 

 

وهو مدمن العتبة السلطان?ة القد?م رب?ب هذا النع?م العم?م، والسلطان ?ملك نفسه وماله، وكل‏ شي‏ء ب?ده، إذا فمن ?رحم عل?‏ عبده و?واس?ه من بعده، فلننظر: هل ?مكن أحداً أن ?أتي بهذه المقدمة «اللازمة» بأحسن مما أتى به محمد رسول الله صل? الله عل?ه وسلم ?دعو ربه ف?ف?ض.

«اللهم إني عبدك وابن عبدك‏ وابن أمتك، ناص?تي ب?دك ماض ف?‏ حكمك، عدل ف? قضاؤك، أسألك‏ بكل اسم هو لك، سمَّ?ت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به ف? علم الغ?ب عندك، أن تجعل القرآن العظ?م رب?ع قلبي‏ ونور بصري، وجلاء حزني وذهاب‏ همي‏» ـ رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن أبي أوفى ـ .

 

إن حاجات الإنسان لا ?أتي عل?ها الحصر، واخت?ارها صعب، واستقصاؤها أشق، إذاً فأي حاجة ?سألها، وأي حاجة ?تركها؟ شيء ف? منتهى الصعوبة وغاية الحرج.

 

ولننظر ف? حاجاتنا، لو أت?ح لنا فرصة سؤالها واستشباعها، لتواجهنا الصعوبة و?عقبها التلف، والأسف. فانظر ك?ف عبر النبي ـ الصلاة والسلام-عن حاج?ات‏ الإنسان أرق تعب?ر،وك?ف مثل‏ الأنان?ِّة كلها تمث?لاً صادقاً جامعاً شاملاً -إذا كانت هذه الإنسان?ة سل?مة الطبع صح?حة الإدراك.

 

(لا اله إلا الله الحل?م الكر?م، سبحان الله رب العرش العظ?م.. والحمد لله رب العالم?ن،أسألك‏ موجبات رحمتك،وعزائم مغفرتك، والغن?مة من كل بر، والسلامة من‏ كل إثم، لا تدع ل? ذنبا إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضى إلا قض?تها ?ا أرحم‏ الراحم?ن‏) ـ رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن أبي أوفى ـ .

ويقول في دعاء آخر:

(اللهم أصلح ل? د?ن? الذ? هو عصمة أمري، وأصلح لي دن?اي‏ التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي،واجعل الح?اة ز?ادة لي في كل خ?ر، واجعل الموت‏ راحة ل? من كل شر). ـ رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنهما ـ .

ما أحرص الإنسان عل? الراحة واللذة، غ?ر أنه قص?ر النظر، فهو ?طلب اللذة الفان?ة و?سع? للسرة الزائلة، والنبي صل? الله عليه‏ وسلم ?درج ذلك فيعلم أمته من‏ خلال أدع?ته أن ما ?نبغ? أن ?طلبه‏ الإنسان هو اللذة الباق?ة، والراحة الدائمة، والمسرة في الحياة الآخرة، ولذة النظر إل? وجه الله الكر?م، والشوق إل? لقائه، ف?قول: (اللهم إني أسألك نع?ماً لا ?نفد، وقرة ع?ن لا تنقطع، وأسألك الرضا بالقضاء وبرد الع?ش بعد الموت ولذة النظر إل? وجهك، والشوق‏ إل? لقائك) ـ المستدرك عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما ـ .

إنَّ الخُلق الحسن أغل? نعمة بعد الإ?مان، والذي أخبر عن نفسه: (بعث لأتمم مكارم الأخلاق) ما كان ل?تغافل عن أهم?ة الأخلاق‏ الكر?مة والصفات النب?لة و?تغاض?‏ عن خطورتها ودقتها،ولذلك فنر? أن مكارم الأخلاق والترغيب ف?ها والتشجيع عل?ها، تشغل جزءاً كب?راً من الأدع?ة المأثورة، و?شتمل هذا الجزء عل? حقائق خلف?ة وخلجات‏ نفس?ة دق?قة، تناولها علماء الأخلاق‏ والنفس-فعلا-دراسة وتحل?لا.

فاقرأ أولاً دعاء له صلى الله عليه وسلم جامعاً، ثم إقرأ الأدع?ة المأثورة الأخرى الت? تتناول‏ الجوانب المتنوعة للخلق البشري،  ف?قول صل? الله عل?ه وسلم  ف? دعاء له وقت تهجده: (اللهم اهدني لأحسن الأعمال‏ وأحسن الأخلاق،لا ?هدي لأحسنها إلا أنت.وقني سيء الأعمال‏ وسيء الأخلاق، لا ?قي س?ئها إلا أنت) ـ رواه النسائي عن جابر عن عبد الله رضي الله عنهما ـ .

ح?نما ?شاهد الإنسان صورته ف?‏ المرآة. ?درك اعتدال أعضائه، واتزان‏ جسمه، وصدق قوله تعال?: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] {التِّين:4} . فلم ?فت النب? صل? اللّه وسلم  أن ?شعر أمته بهذه المناسبة كذلك بأهم?ة الخلق الحسن، فعلمها أن تدعو الله  لتحس?ن الباطن بجانب‏ تحس?ن الظاهر، فباجتماعهما ?ستحق‏ البشر أن ?كون خل?فة اللّه ف? الأرض‏ ف?قول صل? اللّه عل?ه وسلم وهو ?رى صورته ف? المرآة: (الحمد لله، اللهمَّ كما حسنت خلق? فحسن‏ خلقي) ـ رواه الإمام أحمد في مسنده عن أم سلمة رضي الله عنهما ـ .

إن الح?اة الط?ِّبة «تحتاج ف?‏ تكاملها إل? إ?مان.وصحة، وخلق‏ حسن ف?قول صل? الله عل?ه‏ وسلم ف? دعاء له:(اللهم إني أسألك صحة في إ?مان، وإ?مان ف? حسن خلق)  ـ رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ .

وفي  دعاء آخر:

(وأسألك لساناً صادقاً، وقلباً سل?ماً، وخلقاً مستق?ماً) ـ رواه الإمام الترمذي عن شداد بن أوس ـ .

وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بجانب هذه الأدع?ة العامة المجملة التي تتصل بمكارم‏ الأخلاق ومحاسن الأوصاف، لبعض‏ المحاسن الكبرى- وقد لفت بذلك‏ انتباه الأمة للاهتمام بهذا الجانب العظ?م- التي هي في غا?ة الدقة والخطورة، وهي بمنزلة المقياس لتكامل الأخلاق، فما ?دل‏ عل? كمال الأخلاق الإنسان?ة، والشرف والكرامة، والورع‏ والتقوى، أن ?رزق الإنسان‏ حب الفقراء والمساك?ن، فقد كثر من‏ ?جلون الثروة وذو?ها و?كرمون‏ الدنان?ر والدراهم وأهلها، أما الذ? ?حبون الفقراء والمساك?ن‏ و?عطفون عل? ذوي الحاجة فهم في‏ قلة وندرة، إلا من وفقه الله وهداه‏ إل? مسالك الخ?ر. ?قول صل?‏ الله  عل?ه وسلم ف? دعائه: (اللهم إني أسألك فعل الخ?رات، وترك المنكرات، وحب المساك?ن) ـ رواه الحاكم في مستدركه عن ثوبان ـ .

قد اعتاد الإنسان على أن ?ستكبر نفسه، و?ستصغر غ?ره، ولم ?سلم‏ من هذا الداء إلا أولئك الأفذاذ المخلصون الذين عصمهم ربك، فتزكت نفوسهم وتنزهت قلوبهم‏ والتأمل ف? ذلك ?ؤدي إل? أنه قد شذ من ?سلمون من داء الاستكبار والإعجاب، فإن ذلك ?تمكن من النفس‏ ح?ث لا ?شعر بنو آدم، وبألوان‏ وأشكال لا ?دركها البشر، ولكي‏ ?سلم نفسه منه الإنسان ?حتاج إل?‏ العناية البالغة والاهتمام المتواصل‏ بالدعاء، فإن إدراك هذا الداء وتشخ?صه صعب، والشفاء منه‏ شيء غ?ر ?س?ر، ولذلك فس?د المخلص?ن ?دعو لنفسه-و?علم أمته‏ أن تدعوا لنفسها: (اللهم اجعلني صبوراً،واجعلني‏ شكوراً،واجعلني في ع?ني صغ?راً وفي أعين الناس كب?راً)ـ جاء ف? كنز العمال عن بر?دة(رض? اللّه عنهما)ـ .

إن اتحاد الظاهر والباطن، وصلاحهما من نعم الله العظم? ومن‏ فضل الله الكب?ر، الذي ?حتاج‏ الحصول عل?ه إل? العنا?ة الزائدة بالدعاء المخلص ?قول معلم الأخلاق‏ صل? اللّه عل?ه وسلم : (اللهم اجعل سر?رت? خ?راً من‏ علان?تي،واجعل علان?تي صالحة) ـ رواه الترمذ? عن س?دنا عمر بن الخطاب(رض? اللّه عنه).ـ .

و?فصل صل? الله عل?ه وسلم  ذلك ف? هذا الدعاء: (اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الر?اء، ولساني من‏ الكذب، وع?ني من الخ?انة، فانك‏ تعلم خائنة الأعين، وما تخف?‏ الصدور) ـ كنز العمال عن أم سع?د(رض? اللّه عنها) ـ .

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

الجزء الأول هنا

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...