درس بليغ من لقمان الحكيم(2)

درس بليغ من لقمان الحكيم(2)

التصنيف: ركن الشباب
الثلاثاء، ٢٤ جمادى الآخرة ١٤٣٣ هـ - ١٥ أيار ٢٠١٢
1420

الدكتور عثمان قدري مكانسي

العاقل من وعى دروس الحياة وخبِرَها وعلّم الناس وأرشدهم فكان أستاذاً بحق ، بدأ بنفسه ثم أهله ثم الأقرب فالأقرب . وكان لقمان الحكيم من هؤلاء المربين الناجحين الذين ذكرهم القرآن الكريم وأعلى شأنهم. فتراه ينصح ولده متحبباً فيناديه بكلمة التحبب ( يا بُنَيّ) ثلاث مرات :
1-    الأولى يعظه فيها بعبادة الله تعالى وحده ، وعدم الإشراك به سبحانه." يا بُنَيّ ؛ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم"
2-    الثانية: بيان عظمة الله القادر على كل شيء العالم بكل شيء." يابُنَيّ إنها إن تك مثقال حبة من خردل ، فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتِ بها الله ، إن الله لطيف خبير"
3-    نصائح لا بد منها أمراً ونهياً ترفع شأن صاحبها وتجعله في بؤرة الرضا." يابُنَيّ أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك ، إن ذلك من عزم الأمور، ولا تُصعّر خدّك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختار فخور، واقصد في مشيك واغضض من صوتك ، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير".
فالعظة الأولى وهي عماد الحياة توحيد الله تعالى ، فالشرك ظلم عظيم. والظلم نوعان ،
1-    أما أحدهما فظلم الإنسان نفسَه في الشرك يؤدي به إلى غضب الله عليه ومعاقبته بالنار والعذاب الشديد الدائم والعياذ بالله من غضبه وعذابه.
2-    وثانيهما أن يظلم الإنسانُ حقَّ ربه في إفراده بالعبادة وحده. وقد يتساءل أحدهم معترضاً : إن الظلم يكون من القوي على الضعيف ، فكيف يظلم الإنسان ربه حقَّه؟! والجواب أن اللغة العربية واسعة المعنى متسعة الافكار ، ولهذا نزل القرآن بها لأنها تتسع له وهي قادرة على توليد المعاني ، والدليل على ذلك حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم في صحيحه :" إن الله عز وجل يقول ، يوم القيامة : يا ابن آدم ! مرضت فلم تعدني . قال : يا رب ! كيف أعودك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده . أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا ابن آدم ! استطعمتك فلم تطعمني . قال : يا رب ! وكيف أطعمك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يا ابن آدم ! استسقيتك فلم تسقني . قال : يا رب ! كيف أسقيك ؟ وأنت رب العالمين . قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي " فالمولى تعالى خالقُ المرض والطعام والماء والزمان والمكان . وهو المُحْدِثُ لكل هذا( الذي خلق الحَدَثَ) لا يتأثر بالحَدَث ومع هذا نجد الحديث الشريف يذكر الله تعالى موجوداً عند المريض – وهو الذي لا يحدّه مكان-ويستطعم ويستسقي – وهو المنزّه عن النقصان - ليقرب المعنى إلى عبده ، فيفهم العبدُ المطلوبَ ويعمل به,
والملفت للنظر بل الجميل في المعنى والمبنى – أيضاً- أن بين الموعظة الأولى والموعظة الثانية آيتين لهما علاقة بالبر بالوالدين ذكرهما القرآن الكريم للتأكيد على الإحسان إليهما ، فالآباء هم الذين يربون أبناءهم على الإيمان بالله ويدلونهم على طريقه . ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "يولد الإنسان على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه أو ينَصّرانه أو يُمَجّسانه" فكما أنّ علينا واجبَ الشكر لله فمن واجبنا أن نشكر آباءنامع شكرنا لله تعالى " أن اشكر لي ولوالديك " فالله تعالى سبب الخلق والأباء السبب المباشر لوجودنا. والشكر للطرفين واجب على أن لا يتعارض شكر الوالدين بشكر الله تعالى فشكره – سبحانه- المقدّم. ويوجه القرآن الأبناء إلى معاملة آبائهم المعاملةالطيبة ولو كان الآباء مشركين فحسابهم الاعتقاديّ على الله .
والعظة الثانية تعليل لوجوب عبادة الله وتوحيده ، فهو سبحانه العالم بكل شيء المتصرف بكل شيء والقادر عليه . والقرآن يعلمنا قاعدة مهمة في الحياة : (التعليل ) فمتى اقتنع الإنسان بأمر فعله والتزمه وثابر على أدائه.
والعظة الثالثة أوامر ونواهٍ .وهكذا الحياة بقوانينها وأنظمتها كما أن الأوامر عادة ما تكون أكثر من النواهي . فالنواهي هنا أربع ( لا تشرك بالله ، لا تطعهما ، لا تصعّر ، لا تمشِ) والأوامر أكثر فهي تسعٌ( اشكر، صاحبهما، اتّبِعْ، أقم الصلاة، وامر بالمعروف، انهَ ،اصبرْ، اقصِد، اغضضْ) وهي وإن كانت على شكل نصائح فهي قواعد لا بد من التزامها فالحياة تقوم عليها ، وهي عصارة تجارب المرء المجرب العاقل الذي خبر الحياة نظراً وتأملاً وعملاً
كما أن لقمان يذيّل بعض نصائحه بحكمة مناسبة فبعد قوله: "اصبر على ما أصابك "ذيّلها بقوله:" إن ذلك لمن عزم الأمور" وحين نهاه عن التكبر والتعالي على الناس ذيلها بقوله" إن الله لا يحب كل مختال فخور " وحين نهاه عن رفع الصوت برره قائلاً " إن أنكر الأصوات لصوتُ الحمير " ومن يكره نتائج الصبر ولا يخاف الله ومن يحب أن يقرن صوته العالي بصوت الحمار؟
إنها وصايا عقَدية وأدبية وخُلقية واجتماعية إذا التزمَتْها أمةٌ ارتقت وتصدرت ركب الحضارة .
فهل نشمر عن ساعد الجد لنكون خير أمة أخرجت للناس.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...