1-السعي بين الصفا والمروة
من أبهى المشاهد وأجملها أن ترى الجموع على الصفا والمروة وهم يتضرعون إلى الله سبحانه، ويجأرون إليه بالدعاء..
تابعت هذا المشهد البهي، وقلت في نفسي:
إذا كان الله تعالى قد اختص موسى عليه السلام بجبل الطور، فإنَّ الله أكرم نبيه محمداً ? بثلاثة جبال للمناجاة، وإجابة الدعاء: جبل الرحمة في عرفة، وجبلي الصفا والمروة في مكة..
ما أعظم محل وقف فيه ما لايحصى من ا?نبياء والصالحين من عباد الله تعالى يناجون ربهم، ويتضرعون إليه.
وما أجمل أن يسعى الساعي بينهما مستحضراً فقره، وذله، وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه.
وأن يلتجئ إليه لتفريج ما هو به، متذكِّراً طواف هاجر وسعيها بين الصفا والمروة، متذللة، خائفة، وجلة، مضطرة، طالبة الغوث من الله عز وجل بعدما نفد الماء والزاد.
وقد حقَّق الله سبحانه رجاءها، وكشف كربتها، وآنس غربتها، وفرَّج شدتها، وأنبع لها عين زمزم، وماؤها: "طعام طعم وشفاء سقم" كما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى صلوات ربي وسلامه عليه.
2-ما أعظم سعي الأم على ولدها
فإنَّ صدق سعي هاجر على ولدها إسماعيل، وتحرقها في سبيل أن تسقيه شربة ماء، وطلبها من الله ذلك لحظات مهمة من تاريخ علاقة الأم مع وليدها، أصبحت منارة يهتدى بها إلى يوم القيامة، وشعيرة يقف عليها كل مسلم، ويتمثلها، ويعيشها ويعايشها...
إنَّ الصدق في طلب تلك الشربة كان سبباً في عطاء إلهي، وفي سقي كل من تمثل تلك اللحظات الصادقة مع الله سبحانه، يدل على ذلك حديث ابن عباس، وفيه: أنَّ السعي مأخوذ من طواف هاجر أم إسماعيل في طلب الماء، وقول النبي ?: "فذلك سعي الناس بينهما".
وقد ثبت الأمر بالسعي في القرآن الكريم قال تعالى: "إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما".
وفي السنة النبوية قول النبي ?: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي".
3- في كل شعيرة من شعائر الحج نوع صلة بالله سبحانه:
لاحظت في كل شعيرة من شعائر الحج أنَّ فيها نوع صلة بالله، لو تعمق الإنسان في تحقيقها لنفعته كثيراً في هذا الباب المهم من حياته، واليوم لاحظت ذلك في الهرولة في
السعي، وما فيها من معنى الفرار إلى الله، والهرولة نحوه، وعلى الإنسان أن لا ينسى هذا المعنى، وهو يسعى في هذه الحياة.
ومن الأمثال: الخير في وقته. أي: على الإنسان أن يبادر إلى فعل الخير، ولا يسوِّف.
4- من حكم السعي الشديد بين العمودين الاخضرين
السعي الشديد بين العمودين الأخضرين المنصوبين في جدار المسعى في الأشواط السبعة مظهر من مظاهر الذل في طلب الحاجة لاسيما عند الاضطرار فسعيك الشديد سعي الإنسان
المكدود المجهود كناية عن اضطرارك في طلب حاجتك، ونوع من أنواع الفرار إلى الله في تحصيل المطلوب، ونيل المرغوب...
وحركة الجسد هنا أعظم تعبير عن هذا الاضطرار.
وهذا يعلِّمنا صدق الالتجاء إلى الله سبحانه، والتوسل إليه، ويبشرنا إذا كنا صادقين بالقبول، أليس قد قال الله تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء).
وكأن لسان حالك يقول: يا رب، ويا مولاي، ويا من أجبت هاجر في حالة اضطرارها أجب اضطراري في مغفرة ذنوبي، واجعلني من المقبولين عندك في عبادك الصالحين.
5-السعي يعلِّمنا صدق التوجُّه:
وشيء آخر نتعلمه من السعي، وهو أنَّ صدق التوجُّه والطلب في كل مجهوداتك وأمورك أيها الإنسان، مؤذن بتحقيق مقاصدك وغاياتك.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


