وسنقتصر هنا على عرض ظاهرتين بارزتين توضحان أثر عصور الانحطاط الطويلة:
الظاهرة الأولى: هي تلك النظرة الشوهاء إلى (الصلاح) فالمرء الصالح هو من لا يَزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر ولا يقامر...وأصبحنا كأننا في غفلة كاملة عن أخلاق الحياة الفاضلة الراقية.. وكأنَّ الفضيلة والرقي هو مجرد اجتناب تلك المحرَّمات. وكأنَّ ما وراء تلك المحرمات من أخلاق كالجد واليقظة والنظام والتعاون، لا تساوي شيئاً! لماذا؟ لأنها أمور يمارسها المؤمن والكافر والطائع والفاسق، إذن ليست هي الأخلاق التي تُميِّز المؤمن والتي ينبغي أن نحرص عليها ونقيس الرجال بها. وإلا تساوى الرجال مؤمنهم وكافرهم طائعهم وفاسقهم. بل ربما تقدم الكافرون والفاسقون لإتقانهم ممارسة تلك الأخلاق الدنيويَّة الماديَّة وقد نردِّد: [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] {الرُّوم:7}، ونعزي أنفسنا قائلين: إذا كان لهم الدنيا فلنا الآخرة.
إذا رأينا الكفار والفُسَّاق قد صلحت دنياهم وتقدَّموا وفسدت دنيانا وتخلَّفنا قلنا: إنما تخلفنا وتأخرنا لأننا وقعنا في المعاصي وارتكبنا المحرمات ولا سبيل للنهوض والتقدم بغير الرجوع إلى الله تعالى، وحظيرة الدين، أي: بتجنب المحرمات.
السبيل القويم هو إغلاق الحانات، ودور السينما والملاهي، والقمار ومنع الرقص والغناء، عندها سوف ينصرنا الله تعالى؛ لأننا نصرنا دينه وأتممنا شرعه!
وكأنَّ دين الله سبحانه هو هذه الكبائر الثلاث الزنا والخمر والقمار، وكأنَّ شرع الله تعالى هو تحريم الثلاث الموبقات فحسب، وهكذا نظلُّ نفرح بتلك الأخلاق السلبية بل نتلهى بها ونحسب أنفسنا نقاوم الشيطان الوسواس الخناس.
وأكثر من ذلك أننا نرفع أقدار الرجال بل نضعهم في رتبة تشبه التقديس، إذا هم زهدوا في هذه الدنيا واعتزلوا الحياة، وحفظوا بطونهم وفروجهم من الحرام.
ونزيدهم رفعة إذا نقلوا عنهم أنهم لم يكتفوا بتجنب المحرمات بل ترفعوا عن تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام. وهكذا اختلَّت موازين الأخلاق عندنا فرجحت كفَّة السلبيات وطاشت كفة الإيجابيات.
وقد يقول قائل: أنت تُهوِّن من أمر هذه المحرمات! وأردَّ عليه: إنما أشنع من أمر الغفلة عن دين الله تعالى، وأفضح من يكاد يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ودين الله تعالى كل لا يتجزأ. فالله سبحانه الذي أنزل في كتابه: [إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ] {المائدة:90} هو الذي أنزل: [وَقُلِ اعْمَلُوا] {التوبة:105}.
[وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] {التوبة:71}.
[إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ...] {الصَّف:4}.
[وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] {الشُّورى:38}.
[وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] {المائدة:8}.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في سنته: (العين تزني....)، (الخمر أم الكبائر) هو الذي قال: (لا يكن أحدُكم إِمَّعة...)، (إنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه..)، (سيد الشهداء حمزة..).
إنَّ الالتفات إلى النواهي دون الأوامر قد يسوغه أنَّ النواهي محرمات وعقوبتها شديدة والعذاب يرد دائماً للعاصين والمفهوم المتبادر للمعصية هو ارتكاب المحرمات. كما يسوغه النظرة الشائعة للدين على أنَّه مجموعة قيود ومجموعة محرمات. أي أنَّ مهمة الدين هي التحريم ليكفَّ الناس عن الانطلاق والانفلات والتجاوز.
القرآن يقرر: [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ...] {الأنعام:151} والحديث النبوي الشريف: (ألا إن لكل ملك حمى وإن حمى الله في أرضه محارمه...) رواه البخاري، فكأنما جاء الدين ليحمي هذا الحمى أي: ليقرر ويرسخ خطر هذه المحارم كما يقرر أن من ترك المحارم فقد نجا.
وهذه النظرة الشائعة هي نظرة ساذجة للمحارم وهي أيضا نظرة منحرفة. فالنظرة الصحيحة العميقة تكشف أنَّ كل أمر أمرنا به وقصرنا فيه أو تخلينا عنه سنحاسب عليه، أي: يصبح التقصير أو التخلي التام عن هذا الفعل الصالح من المحرمات.
على أنَّ الدين حين يُقرِّر ويرسخ هذه المحارم: (الزنا والخمر والميسر) إنما يقرر الحد الأدنى من الاستقامة الفردية، كما يقرر ضوابط أولية لاستقامة الحياة.
وطبعاً بناء الأمم له وسائل غير مجرد استقامة الأفراد على الحد الأدنى كما أن عامل بناء الأمم غير مجرد الضوابط الأولية.
وإذا تأملنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا نهيتكم عن أمر فانتهوا- أي أمر قاطعاً هو الامتناع والكل تقريبا يستطيع الامتناع. ثم إذا تأملنا قوله - وإذا أمرتكم بأمر فأتوا به ما استطعتم) أي: حسب القدرة، والقدرات تتفاوت من أقصى درجات القوة إلى أقصى درجات الضعف.
هنا مجال الخيار ومجال الترقي. وحديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
يُعْذَر الإنسان الضعيف إذا ركن إلى الضعف ويصفه بضعف الإيمان. لكن أن يصبح الضعف سمتاً عاماً للأمة، أي: أن تعيش على أضعف الإيمان فهذا يعني أضعف الأمم، أي في حالة من الجمود والتأخر والانحطاط.
وهكذا نرى كيف يحدث الانحراف في الدين وفي غير الدين نتيجة عدم شمول النظرة ورؤية الصورة من جميع جوانبها. إنَّه يَنبغي أن نأخذ الدين ككل بجميع جوانبه وجميع أوامره ونواهيه. أما أخذ النواهي دون الأوامر فيؤدي إلى اختلال في كيان الإنسان فضلاً عن اختلال كيان الأمة.
الظاهرة الثانية في الأخلاق الموروثة عن عصور الانحطاط: هي شيوع خُلق السلبيَّة والفرديَّة. ذلك أنَّ التصوف المنحرف (ونعني به الإغراق في جانب من العبادة –تصوراً وكيفاً وكماً- بعيداً عن النهج الإسلامي الأصيل الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه) قد نشأ وترعرع بتأثير ردِّ الفعل لمجتمع مُترف كثرت فيه صور الفساد من ناحية، وبتأثير الاحتكاك بفلسفات متطرِّفة غريبة عن الإسلام من ناحية ثانية.
هذا التصوف المنحرف كوَّن مدرسة متميزة بخصائص شتى. وقد أسرفت هذه المدرسة في الحضِّ على الالتفات إلى النفس والعبادة والذكر والزهد في الدنيا، كما أسرفت في تصوير الاستبداد والظلم والاستغلال على أنَّه مجرد بلاء من الله تعالى جزاء فساد الجماهير وبُعدها عن الدين. وأنَّ العلاج الناجح هو تزكية النفس والعودة على الله تعالى. وقد أفرزت هذه المدرسة ثلاث فئات في المجتمع المسلم:
(أ)- فئة قليلة طلقت الدنيا كلها وهربت من الدنيا كلها ودخلت جحوراً ضيقة أسموها خوانق ورُبُط وتكايا. وكان وراء هذا الهروب إما زهد أخرق زيَّنه التصور الخاطئ والوهم الباطل، وإما زهد كاذب فرضه العجز لا العزم، وإما زهد منافق طامع في الباطن وزاهد في الظاهر. وقد حملت هذه الفئة القليلة خصائص المدرسة الخلقية والعقلية في أوضح صورها وأشدها حدة سواء في تحكيم الهوى أو الوجد أو الذوق مع أقل قدر من العقل أو بدون عقل أو في هوس الكشف (أي كشف حجاب الغيب) والإتيان بالكرامات (أي: الخارقة لسنن الله تعالى وما اعتاده الناس) أو في الانصياع والاستسلام الكامل للشيخ حيث المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي مُغَسِّله.
(ب)- فئة كبيرة شملت معظم الناس اعتقدت أنَّ الزهد هو الكمال وهو المثل الأعلى. إنَّها اعتقدت في الزهد وعجزت عن ممارسته، فظلت تشعر بالنقيصة لعجزها عن بلوغ الكمال، لم تطلق الدنيا ولم تهرب إلى التكايا، ولكنها مارست الحياة وهي تحمل لا شعورياً احتقاراً للحياة.
أي: أنها لم تمارس الحياة كأكمل ما تكون الحياة وأجمل ما تكون الحياة. ممارسة تعبير شامل وإبداع كامل، كما أراد الله تعالى حيث قال: [..وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا] {هود:61}، مارست الحياة على استحياء، والاستحياء لم ينفِ الطمع ولكنه نفى الإبداع في جميع المجالات.
ثم هربت هذه الفئة من جهاد المجتمع إلى شيء قليل من جهاد النفس، وشيء كبير من الانكفاء على الحياة الخاصَّة من أهل وأولاد ومال، وتعايشت مع أوضاع المجتمع بما فيه من استبداد واستغلال وفساد، دونما كلمة اعتراض أو إنكار، ودونما جهد جادٍّ في الإصلاح.
وإذا كانت الفئة الأولى قد حملت خصائص تلك المدرسة المنحرفة في أوضح صورها وأشدها حِدَّة، فلم تعدم الفئة الثانية من رشحات تلك الخصائص سواء في الرفع من شأن القلب مقابل التهوين من شأن العقل (والمؤمن دليله قلبه لا عقله)، أو في الاعتقاد بالكرامات بصورة مسرفة، أو في اللجوء إلى الأولياء سواء في حياتهم أو بعد مماتهم مع الاستعداد العام لتقبل الخرافات عن دور الجن والعفاريت والخضوع للمشعوذين والدجَّالين.
(ج)- فئة خدعت نفسها أو خدعت الناس ببعض أوراد الذكر وصحبة الشيخ. ومآلات أصحاب السلطان والمستبدين الظالمين المستغلين. وكانت أبواق دعاية لهم بين تسويغ لأعمالهم الفاضحة وبين ترويج وتضخيم لأعمال جزئيَّة ظاهرها صالح خير كبناء مسجد.
وهكذا تركت الصوفية المنحرفة بصماتها واضحة على عامَّة الناس وكل الطبقات تقريباً ومن لم يتتلمذ فقد صاحب تلاميذهم (في الأسرة أو في العمل أو في الجوار...) وكان تلاميذهم من جميع الطبقات: العلماء، وطلبة العلم، والحكام، وحاشية الحكام، والتجار، والصناع والفلاحون...
وكان السمت العام الذي حمله الناس هو السلبية إزاء الحياة بدرجات مُتفاوتة، والسلبية الكاملة إزاء ما يدور في المجتمع ولا بأس بأقدار من النفاق إذا لم تكفِ السلبية في توفير السلامة والعافية.
قد يقال إنَّ الإنسان في عامَّة الأحوال ضعيف وقابل للخضوع بحاجاته والعيش في حدود أسرته، ولا يحتاج إلى معلم في هذا المجال. قد يكون هذا صحيحاً ولكن الأمر الخطر هنا هو إضفاء صبغة دينية على هذا الضعف، أي: تسويغه بمفاهيم الدين بدلاً من أن يكون الدين عاملاً في السمو بالإنسان فيحمل لواء التغيير والإصلاح للمجتمع، وليقول (لا) بكل فيه، ويموت شهيداً في سبيل الله تعالى.
كان ذلك دور الصوفية المنحرفة حتى كاد يموت ضمير الإنسان الاجتماعي بل ضمير الأمة كلها. كادت الأمة تعيش عيش السائمة لا يهمها غير المرعى ولو كان أحط مرعى.
ويقول مالك بن نبي في كتابه وجهة العالم الإسلامي ص32: (....حين يصبح الإيمان إيماناً جذبياً دون إشعاع، أعني نزعة فرديَّة، فإنَّ رسالته التاريخية تنتهي على الأرض، إذ يصبح عاجزاً عن دفع الحضارة وتحريكها، إنَّه يصبح إيمان رهبان يقطعون صِلاتهم بالحياة ويتخلَّون عن واجباتهم ومسؤولياتهم كأولئك الذين لجأوا إلى صوامع المرابطين منذ عهد ابن خلدون.
وهكذا غلبت السلبية على الإنسان المسلم المعاصر مشفوعة بأقدار من النفاق تزيد وتنقص. فإذا كان محيط المسلم المعاصر مُتزمِّتاً متشدداً مغلقاً سايره دونما اقتناع أحياناً، وربما لم يكتفِ بالمسايرة بل دافع ونافق. وإذا كان محيط المسلم المعاصر قد قطع شوطاً في التقليد الأعمى للغرب سايره أيضا دونما اقتناع أحياناً، وربما لم يكتفِ بالمسايرة بل دافع ونافق. يغلب على المسلم المسايرة وعدم الاعتراض حتى لو رأى ما يستحق الاعتراض وذلك نتيجة للتحذير الموروث للإيجابية النشطة. وليست السلبية قاصرة على مجال السلوك بل تمتدُّ إلى التفكير والنظر والبحث. فقليلاً ما يُعْمِل الفرد عقله ويكدُّ ذهنه في دراسته مشكلة ما وتتبع قضية من القضايا.
إذن هناك إرث طويل المدى في مجال الزهد والاحتقار (الخفي) للحياة، وفي مجال ضعف اليقظة العقلية وفي مجال ضعف المروءة والشجاعة الأدبيَّة، إرث يحمل المسحة الدينيَّة (ظلماً وبغياً على الدين).
الحلقة السابقة هـــنا
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: (مجلة المسلم المعاصر، ربيع الثاني 1395 - العددان 1 و 2).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


