خواطر حول أزمة الخلق المسلم المعاصر (3)

خواطر حول أزمة الخلق المسلم المعاصر (3)

التصنيف: حاضر العالم الاسلامي
الاثنين، ١٩ شعبان ١٤٣٨ هـ - ١٥ أيار ٢٠١٧
1327

 

تشويه (المثالية) للأخلاق:

كما يكون تشويه الخِلْقة بعد أن سوَّاها الله تعالى في أحسن تقويم، ويزعم المشوهون أنَّهم إنما يقصدون التجميل والتحسين، كذلك يقع التشويه لمكارم الأخلاق بعد أن أتمَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزعم المشوهون أنهم يقصدون السمو والكمال.

إنَّ تشويه المثالية ليس بعدم التطبيق فعدم التطبيق عجز إنما التشويه هنا يعني تحريف الخُلق عن أصله الحياتي الواقعي (وهو الأصل الشرعي) والتهويم به في صورة خيالية (مثاليَّة) ترمي به بعيداً عن أرض الواقع وعن حياة الناس الماديَّة الفاضلة مع الزعم أن المقصود بهذا الإبعاد هو بلوغ أقصى درجات السمو وأقصى درجات الكمال.

ومن الأمثلة على ذلك:

أولاً: العفَّة الإنسانيَّة (في مجال الجنس) تعني ممارسة الجنس أكمل ممارسة وأحلاها عن طريق طيب مشروع.

أما العِفَّة الثانية فتعني احتقار الجنس أو التقليل من شأنه والتضييق عليه.

والأمر المؤسف أننا نجد بعض الكُتَّاب حين يعرضون لأمر الزواج في الإسلام، يلحون على أنَّ القصد منه هو النسل وحفظ النوع، أما أن يكون للاستمتاع فهو أمر شبه مُنكر أو غريب على خُلق المسلم. وينسون حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: تزوَّجت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تزوجت؟ فقلت: تزوجت ثيباً فقال: ما لك وللعذارى ولعابها. وفي رواية أخرى: هلا جارية تلاعبها وتلاعبك. (رواه الشيخان).

كذلك نرى أنَّ كثيراً من الكُتَّاب حين يعرضون لزوجات الرسول يلحون على الدواعي السياسية والاجتماعية والتشريعية، ويكادون يستبعدون قصد الاستمتاع وكأنه لا وجود له، بل كأنه أمر مَشين لا يَليق بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم رغم الدلائل الكثيرة التي تشير إلى حبِّ الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء، مثل قوله تعالى: [لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ...] {الأحزاب:52}.

*حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة. فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم مَنْ؟ قال: عمر بن الخطاب...(رواه الشيخان).

*وفي حديث أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في الليلة الوحدة وله يومئذ تسع نسوة. (رواه الشيخان) وزاد مسلم: بغُسْلٍ واحد.

*وحديث عائشة رضي الله عنها: كنتُ أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول أنها تهب المرأة نفسها؟، فلما أنزل الله تعالى [تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ] {الأحزاب:51} قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك (رواه الشيخان).

خلاصة الأمر: إن شئنا خلاص خُلق العِفَّة من تشويه (المثالية) فعلينا تكريم الجنس للاستمتاع بالحياة ولحفظ الحياة وصيانة الجنس من الانحسار ومن الابتذال سواء. وأنعم بها من آداب الشريعة السمحاء.

ثانياً: الزهد الإنساني يعني عدم الطمع والأخذ من الدنيا حسب الحاجة، حاجة الفرد وحاجة الجماعة وحاجة تعمير الدنيا والاستخلاف في الأرض.

أما الزهد المثالي فيعني احتقار الحياة واجتناب متعها.

والله سبحانه وتعالى يقول: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ...] {الأعراف:32}، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (....إن هذا المال حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو...) (رواه الشيخان).

ولنلقِ نظرةً على آثار كلٍّ من الزهدين:

الزهد الإنساني:

-السعي للكسب مع الجد في السعي يتبعه بذل في سبيل الله تعالى: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق..).

-الإجمال في الطلب مع الاحتفاظ بالسخاء في البذل: (...فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه).

-الرضا بما قسم الله بعد السعي الجاد مع ضرورة البذل: (على كل مسلم صدقة). قالوا فإن لم يجد؟ قال: (فليعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق).

قال ابن مسعود رضي الله عنه: لما أُمرنا بالصدقة كنا نتحامل (أي يحمل بعضنا لبعض الأجرة) والأحاديث جميعها رواها الشيخان.

الزهد المثالي:

-عدم السعي للكسب أو عدم الجد في السعي يتبعه عجز عن البذل في سبيل الله تعالى.

-الإهمال في الطلب والعجز عن البذل.

-الرضا بالعدم دون سعي والعجز عن البذل.

ثالثا: التعبد الإنساني يعني لحظات من التعبد بالشعائر مع دوام التعبد بممارسة الحياة ممارسة جادَّة خَيِّرة تبتغي رضاءَ الله تعالى.

أما التعبُّد المثالي فيعني التفرغ الكامل –أو شبه الكامل- للشعائر. وانظر قول الرسول صلى الله عليه وسلم للثلاثة الذين تقالَّوا عبادتَه: (إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) (رواه الشيخان).

وأحسب أنه يمكننا أن نضيف من باب المماثلة: (وأقود الجيوش وأسوس الدولة وأقضي بين الناس و ....و .....و ....).

الأسر التاريخي للأخلاق:

ونعرض هنا لمثالين اثنين يوضحان مدى تأثير الصور التطبيقية التاريخية على القيم الخلقية الرفيعة، حتى لتكبلها بأغلال ثقيلة تعوقها عن توجيه الحياة (المتطورة) وجهة الخير دائما:

المثال الأول:

التسامح مع أهل الذمَّة: في ظل ظروف الفتوح وما تلاها كان خُلق التسامح يأخذ صوراً محدودة، مثل عدم الإكراه على الدين الجديد، ومثل عدم العدوان على ممتلكاتهم وأعراضهم. وهذه الصور لم تمنع:

*التمايز في الزي والسكن.

*عدم استعمالهم في وظائف الدولة.

*الحذر والشك وما يتبعهما من بعض إجراءات التضييق.

كل هذا كان له مُسوِّغاته التاريخيَّة حيث كانت العلاقة الأساسية هي علاقة بين غازٍ ومغزو.

وعند زوال الظروف الموجبة بدأ الحكام يخففون هذه الضغوط ويستعملونهم في الوظائف الكبيرة، ويأمنون لهم ولكن ظل فريق من الناس ينكر الصور المستحدثة ويتمسك بالصور التطبيقية القديمة على أنها الوضع الأمثل، الوضع الشرعي الصحيح وأنَّ المستحدث إنما هو ابتداع وخضوع للأهواء.

فإذا بلغنا عصرنا الحاضر وجدنا التسامح قد اكتسب صوراً جديدة: مشاركة في التعليم، مشاركة في الجيش، مشاركة في المجالس النيابية، مشاركة في الضرائب، ويظل فريق من المسلمين لا يَرى في هذه الصور تسامحاً دينياً أصيلاً، ويحسب أن كل ذلك لمخالفته لتعاليم الدين وانهزامية أمام المفاهيم الأوروبية الغازية. لماذا؟. 

هل لأنَّ هذه الصور تتنافى مع أخلاق الإسلام الداعية إلى التسامح بل إلى البر والإقساط لقوله تعالى: [لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] {الممتحنة:8}. أم لأن هذه الصور تغاير تلك الصور التي طبَّقها السلف في العهود الأولى؟!.

المثال الثاني:

العِفَّة: ارتبطت العِفَّة قديماً بقرار المرأة في بيتها فلا تُغادره إلا للضرورة القصوى. حتى قيل في وصف المرأة الصالحة أنَّ لها ثلاث خرجات في حياتها كلها مرَّة من رحم أمها إلى الدنيا، ومَرَّة من بيت أبيها إلى بيت زوجها، والثالثة من بيت زوجها إلى القبر. إذا أحصينا احتياجات المرأة خارج بيتها نجدها تتصل بالمجالات الآتية: الصلاة- التعليم- التطبيب- زيارة الأقارب والأصدقاء- الترويح والنزهة- شراء الحاجيات من السوق.

-فالصلاة منعت منها المرأة بصورة قاطعة بحجة أمن الفتنة (حتى صلاة العيدين حيث عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء جميعاً بالخروج).

-والتعليم اقتصر على الرجال دون النساء وذلك بتأثير حرمانها من غشيان المسجد وهو مكان التعليم فضلاً عن النظر إلى التعليم كأمر خاص بالرجال حيث هم الذين يخوضون مجالات الحياة المختلفة، وأما القدر الضئيل جداً الذي تحتاجه المرأة من أمور دنيها فتتعلمه من أبيها أو ممن يتولى أمرها من الرجال. ولا ننسَ أنَّه شاع الحديث الموضوع: (لا تعلموهن الكتابة)..

-أما التطبيب الذي يمارسه رجلٌ مُتخصص فكان محدوداً جداً حيث الغالب الأعم هو استعمال الوصفات الشعبية وعند الضرورة يأتي الطبيب إلى البيت.

-وأما الزيارات فكانت محدودة أيضاً نتيجة سكن العائلة الكبيرة في بيت واحد أو في حي واحد.. فضلاً عن صعوبة المواصلات لزيارة من يسكن بعيداً عن الحي.

-وكذلك الترويح والنزهة كانت محدودة جداً وتنحصر تقريباً في النزهات الخلوية التي كانت تحدث مرة أو مرتين في العام.. مع استمرار إنكار العلماء ما في النزهات من تبرج وخلع برقع الحياء مما كان يدعو الصالحين إلى اجتناب النزهات كلية.

-وأخيرا شراء الحاجيات من السوق وهذه كان يقوم بها عادة الرجال من الأقارب أو العبيد (والإماء أحيانا). وكان يتحرج الرجل من أن يظهر في الطريق العام يسير بجوار امرأة سواء كانت زوجته أو ابنته أو أخته فكان يسبقها بخطوات حتى لا يحس أحد بأن تلك المرأة تسير في صحبته. وربما فرض العرف أن تخرج النساء في غبش الليل حتى يكون أستر لهن.

خلاصة الأمر: أنَّ عفة المرأة ارتبطت قديماً بقرارها في بيتها... فظلَّت هذه الصورة عالقة في ذهن المسلم المعاصر رغم أنَّ ظروف الحياة المعاصرة اقتضت تعليم المرأة، كما اقتضت أن تعمل المرأة في بعض مجالات الحياة خاصة التطبيب والتمريض والتعليم، فضلا عن حاجتها للعلاج والتردد على عيادات الأطباء أو المستشفيات وحاجتها إلى الزيارات وإلى الترويح النظيف وشراء الحاجيات من السوق، كل هذا يؤدي إلى كثرة خروج المرأة المسلمة من بيتها..

إلا أنَّ المسلم المعاصر نتيجة ارتباط خُلق العفة بالصورة التطبيقية التاريخية نراه لا يزال لا ينظر بارتياح إلى خروج المرأة ويعتبر ذلك جارحا لعفتها ويتمنى لو تعود الحياة سيرتها القديمة حتى تقر المرأة في بيتها. كما نراه يعتبر ركوب المرأة دراجة أو قيادتها سيارة وإن تزيت بزي سابغ جارحاً لعفتها. ذلك أننا ورثنا فيما ورثنا ركوب المرأة في هودج. ولم يشفع في كسرها هذا الإرث –مع الأسف- ما كان عليه النساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ركوب الجمال والخيل والحمير إلى جانب الهودج (أي: مواصلات ذلك العصر). 

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يردف أحياناً زوجه خلفه (من حديث الشيخين). بل أكثر من ذلك أناخ يوماً راحلته ودعا أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها زوج الزبير رضي الله عنه ليحملها خلفه حين رآها تسير مُرهقة في الطريق. (من حديث رواه الشيخان).

الحلقة السابقة  هــــنا

[للمقالة تتمة]

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة المسلم المعاصر، ربيع الثاني 1395 - العددان 1 و 2).

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
يرى المسلم في هذا العصر اختلافاً كثيراً حيثما وجّه وجهه، سواء في باب مسائل الفقه من عبادات...
مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
  مرجعيّة " القِيَم " عند المسلم   منذ القرون الإسلاميّة الأولى بحث...
تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
ركن : حاضر العالم الإسلامي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في تو...