خواطر حول أزمة الخلق المسلم المعاصر (2)

خواطر حول أزمة الخلق المسلم المعاصر (2)

التصنيف: حاضر العالم الاسلامي
السبت، ١٧ شعبان ١٤٣٨ هـ - ١٣ أيار ٢٠١٧
1007

 

الاتجاهات الفكرية وأثرها في الأخلاق:

أولا: أثر العقليَّة العلميَّة:

هناك عدة مظاهر للسلوك (أو الخُلق) البدائي ونقصد هنا سلوك من لا يملك عقلية علميَّة ولو حمل أعلى الشهادات، ومن هذه المظاهر:

(أ)- الحذر المفرط.

(ب)- التردُّد بين الثقة المفرطة بالنفس وبين الشعور بالعجز المقعد.

(ج)- رفض الشعور بالعجز رغم صدمة الخيبة وإلقاء المسؤولية على الغير.

(د)- التردد بين الثقة المفرطة بالغير وبين سرعة سحب الثقة به بل والحقد عليه أيضاً.

فإذا تأملنا وجدنا كلَّ هذه الصور السلبية ناتجة من عدم (أو ضعف) الوعي بقوانين المادة وقوانين الاجتماع، والجهل بأنَّ هذه القوانين وتلك تحكم المادة والإنسان على السواء.

أما السلوك المنهجي السوي ونقصد هنا سلوك من يملك عقلية علمية ولو كان بدوياً أو فلاحاً يعيش في أعماق الريف، فيتسم بمظاهر تباين تلك تمام المباينة: ذلك أنَّ الفرد في هذه الحالة يدرك أنَّ قضايا المجتمع تخضع لقوانين كما تخضع المادة.

فمثلاً في قضية الإصلاح وتغيير الواقع الفاسد يعلم أنَّ هناك قانوناً أو مجموعة قوانين تحكم تغيير الواقع إلى ما هو أفضل. والآية الكريمة: [...إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ] {الرعد:11} تُشير إلى قانون أساسي في هذه القضية، ومن هنا نجد أنَّ العقلية العلمية توفر لصاحبها مميزات خلقية طيبة، مثل: الثقة المعتدلة بالنفس وبالغير؛ حيث يعرف حقيقة قدراته وقدرات الغير في إطار تلك القوانين الاجتماعية، ومثل الصدق مع النفس ومع الغير حيث الفرد هنا لا يفاجأ بالعجز (كما في حال السلوك البدائي) إنما هو يدرك ضعفه ويسعى بجد لاستكمال ما ينقصه دونما حاجة إلى إلقاء المسؤولية على الغير.

ثم إنَّه بمنأى عن الحذر المفرط فإدراكه أنَّ لله تعالى في خلقه سنناً (قوانين) تجعله يتعامل مع معلوم أو قابل لأن يكون معلوماً. فلا داعي إذن للحذر المفرط. إنما إحسان التقدير في حال الأمر المعلوم، ومزيد من النظر والبحث في حال الأمر المجهول.

ثانيا: أثر الغيب الخرافي:

والغيب الخرافي هو كل تصور للغيب مُنحرف عن الغيب الإلهي العلمي، الإلهي ما كان مصدره الله جلَّ وعلا، والعلمي ما كان قطعي الورود قطعي الدلالة.

وهذه بعض الأمثلة لأثر الغيب الخرافي:

(أ) إنَّ تصوُّر القدرة الإلهيَّة والإرادة الإلهيَّة تصوُّراً مُنحَرِفاً يشلُّ قدرة الإنسان على تغيير نفسه رغم صريح قوله تعالى: [...إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ] {الرعد:11}. إن نزع سلطان التغيير من يد الإنسان وتصور أن هذا السلطان لله تعالى وحده افتئات على الله، حيث هو سبحانه الذي منح هذا السلطان للإنسان. ولكن الغيبيين الخرافيين يحسبون أن عملهم ذلك من كمال الإيمان بالله تعالى وقدرة الله سبحانه. والحقيقة أنهم يسيئون الظن بالله سبحانه ولا يحسنون. 

وهل ننتظر من أصحاب هذا التصور الخرافي إلا أن يصابوا بالعجز والكسل والجبن والتواكل. إنَّ هذه الصفات من خصائص المؤمنين الخرافيين أما المؤمنون العلميون –حيث يدركون العلاقة بين قدرة الله تعالى وقدرة الإنسان- فهم ذوو مضاء وعزم وإقدام.

(ب) إنَّ تصور اليوم الآخر (أي معنى الحساب) في حالة اكتمال رسوخه وعلى الوجه الشرعي الصحيح يؤدي إلى الشجاعة والاستقامة والتعمير الجاد للحياة. 

وإذا رسخ على وجه غير صحيح فيمكن أن يُؤدي إلى اعتزال الدنيا، وتفرُّغ للعبادة.

(ج) فكرة (الرزق واحد) ومقدر منذ الأزل في حال رسوخها على وجه صحيح تؤدي إلى الإجمال في الطلب، وعدم الإسفاف هذا من ناحية، كما تؤدي إلى البذل بسخاء في وجوه الخير. 

وإذا رسخت على وجه غير صحيح تؤدي إلى الكسل والتواكل.

خطورة الانحراف الخلقي الفكري:

إذا قارنا بين الانحراف الخلقي الفكري (أي: الانحراف عن الهوى ولو مع حسن النيَّة) وبين الوقوع في معصية عابرة (أي: الضعف عن تطبيق الهوى) نجد أنَّ نهج الرسول صلى الله عليه وسلم التشديد في الأمر الأول، والترفُّق في الأمر الثاني.

ومن أمثلة التشديد في الأمر الأول:

(أ)- قوله صلى الله عليه وسلم: (أفَتَّانٌ أنت يا معاذ)!! حين أطال على الناس في صلاة العشاء، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس إن منكم مُنفِّرين، فأيكم أمَّ بالناس فليوجز). قال الراوي فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قط أشد غضباً في موعظة منه يومئذ (رواهما الشيخان) وهذا يعني ضرورة الرفق بالناس.

(ب)- قوله صلى الله عليه وسلم: (من ترك سُنَّتي فليس مني) (رواه الشيخان) يوم جابه الثلاثة الذين غَالَوا في العبادة. وهذا يعني ضرورة الاعتدال وممارسة الحياة الطبيعيَّة.

(ج)- وقوله صلى الله عليه وسلم: (يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله) قلتُ كان مُتعوِّذاً. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. (رواه الشيخان) وزاد مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: (أفلا شققتَ عن قلبه!!). وهذا يعني ضرورة التحري والتبين خاصة في الدماء، وإجراء أحكام الناس على الظاهر.

(د)- قوله صلى الله عليه وسلم: (لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا) رواه الشيخان، انظر قصة الأمير الذي أمر صاحبيه أن يرميا أنفسهما في النار، وهذا يعني ضرورة الوعي واليقظة، وأنَّ الطاعة في المعروف.

ومن أمثلة الرفق في الأمر الثاني:

(أ)- قوله صلى الله عليه وسلم: (أليس قد صليت معنا) انظر قصة الرجل الذي قارف معصية دون الزنا وجاء مُثقلاً بوطأة الشعور بالذنب (رواه الشيخان).

(ب)- قوله صلى الله عليه وسلم: (رأيت شابا وشابة فخشيت الشيطان عليهما) انظر قصة إبعاد نظر الفضل بن العباس وكان ينظر إلى امرأة جميلة في موسم الحج: (القصة رواها الشيخان وجملة رأيت شابا وشابة.. من رواية حسنة صحيحة عند الترمذي حسب تحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني في كتاب حجاب المرأة المسلمة).

(ج)- وأخيرا قوله صلى الله عليه وسلم: (وإن زنى وإن سرق.. وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر)، انظر الحديث: (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) رواه الشيخان.

إنَّ الانحراف الخُلقي الفكري أمر خطير لأنه قد يثمر نهجاً عاماً يطبع حياة الفرد أو حياة الجماعة. ولأنه عادة لا يَلفت الانتباه حيث يتلبَّس بمسحة دينية نتيجة النيَّة الحسنة. بينما انحراف السلوك الشخصي أقل خطراً لأنَّ كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. ولأن الخطايا المعروفة تعلن عن نفسها فينكرها الفرد ويتوب منها، وإن لم ينكرها هو أنكرها الناس.

بين أخلاق النهوض وأخلاق الجمود:

قد يتساءل البعض كيف قامت الحضارة الحديثة وتفوَّقت وسادت، مع وجود الانحرافات الخلقيَّة مثل تلك المتصلة بالجنس وتناول الخمر والقمار. 

لكن إذا تأملنا الأخلاق وجدناها عبارة عن مجموعة مُتكاملة من القيم تغطي جوانب الحياة كلها فكرية- سلوكية- شخصية- اجتماعية. والذي يحدث عادة في الأمم أن تبرز بعض القيم وتسود وتضعف قيم أخرى. والأمة تنهض وتتقدم بغلبة تأثير مجموعة مُعينة من القيم مثل الثقة بالنفس والطموح، والجد والإتقان، واليقظة والنظام، والبسالة والاستهانة بالموت، فإذا برزت هذه القيم وسادت امتدَّ دورها إلى التخفيف من ظهور أثر بعض الانحرافات الخلقية كالزنا والخمر والقمار. 

ولكن مع مضي الزمن ومع تدخل بعض العوامل الخارجية كظروف حرب أو ترف أو فقر شديد أو فراغ روحي، قد يقع عند ذلك إسراف في (الخمر والميسر والزنا) مما يحطم من أخلاق النهوض، ويهدِّد تماسك المجتمع ويضعف من قوته.

إنَّ أخلاق القوة كالعزم والشجاعة، والمغامرة والطموح، والنظام والصبر والغيرية يقابلها أخلاق الضعف، كالسلبية والجبن، والخوف والتواكل، والرضا بالدون والأنانية.. 

وإنَّ أخلاق الحق والخير مثل الإخلاص لله تعالى والتعفف عن المحرمات من زنا وخمر وميسر، والتوبة والتواضع والحياء، والعدل مع الصديق والعدو يقابلها أخلاق الباطل والشر، كالتبذل وشرب الخمر، ولعب الميسر والزنا، والتهالك على الدنيا والظلم لغير الصديق.

وفي مجال نهوض الأمم وتقدمها المادي أو ضعفها وانحلالها لا يضير مع أخلاق القوة وجود بعض أخلاق الباطل والشر، كما أنَّه في مجال انحلال الأمة وسقوطها لا يفيد مع أخلاق الضعف وجود أخلاق الحق والخير ليكون نهوض وتقدم.

إنَّ أخلاق الحق والخير تُضاف إلى القوة فتزينها. كما أنَّ أخلاق الباطل والشر تضاف إلى القوة فتقبحها، ولكن أخلاق الحق والخير إذا أضيفت إلى الضعف تميع ويضيع أثرها وتصبح باهتة، أي: أنها تخفق في جبر الضعف. بينما ينجح الضعف في تمييع الحق والخير بل ومحقهما أحيانا.

وقد تعرَّض الأستاذ أبو الأعلى المودودي لهذا الموضوع في كتابه القيم: (الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية)، ونحن ننقل هنا مع الاختصار فقرات من ص 20-21: 

(...إن هناك أخلاقاً أساسيَّة إنسانيَّة لا يمكن أن ينجح الإنسان في هذا العالم – سواء أكان مؤمناً أو كافراً أو صالحاً أو طالحاً - إلا إذا تحلى بها مثل، قوة الإرادة والصبر، والثبات والهمَّة، والشدَّة والبأس، والولوع بالغاية والاستعداد للتضحية بكل شيء في سبيلها، والحزم والحيطة وإدراك العواقب وحب النظام والإحساس بالمسؤولية والامتلاك للعواطف والرغبات النفسية...). 

(...على أنَّ هذه الثروة لا تنقلب إلى قوة جماعيَّة عظيمة محكمة فعَّالة في الأمر الواقع إلا إذا ساعدتها جملة من الصفات الخلقيَّة مثل الاتفاق على غاية مُشتركة كانت أحب إليهم من أغراضهم الشخصية وكان زعماؤهم عندهم الإخلاص وحسن التدبير....).

ثم ذكر أنَّ الإسلام مع تقديره تلك الأخلاق الأساسية حضَّ على مجموعة من الأخلاق أطلق عليها الأستاذ الفاضل (الأخلاق الإسلامية) وقد بيَّن أنَّ لهذه المجموعة دوراً خاصاً وهو:

1- توجيه الأخلاق الأساسية الإنسانيَّة وجهة الخير [والاستعمار الغربي الحديث مثال جيد يوضِّح كيف يمكن توجيه الأخلاق الأساسيَّة وجهة الشر].

2-توطيد الأخلاق الأساسيَّة وتوسيع مجال تطبيقها.

3-الأخلاق الأساسية هي الطبقة الأولى من البناء، ثم يشيد الإسلام عليها طبقة ثانية من الأخلاق الفاضلة، حتى ليرتقي بها الإنسان إلى درجات الشرف والكمال... 

والإسلام هنا –أي في مجال الأخلاق الإسلامية- يطهر قلب الإنسان من الأَثَرة والظلم، والوقاحة والخلاعة، وينمي في نفسه تقوى الله ويجعله جواداً ودوداً، ناصحاً أميناً، عادلاً صادقاً لخلائق الله تعالى جميعاً في كل حال، كما يجعله فوق ذلك مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر في أرض الله تعالى كافَّة..).

ونكتفي بهذا القدر من كلام الأستاذ المودودي –وهو كلام نفيس- لنقول:

كأنَّ المسلمين اليوم لا يدركون من معنى الأخلاق إلا بعض تلك التي أطلق عليها (الأخلاق الإسلامية)، وقد نسوا أنَّه إذا انعدمت الأخلاق الأساسيَّة الإنسانيَّة أو اضمحلَّت اضمحلالاً كبيراً فما الذي ستوجِّهُه الأخلاق الإسلاميَّة وجهة الخير؟!.

أو ماذا يفيد أن توجه قوَّة هزيلة وِجهة الخير؟ ثم كيف توسع الأخلاق الإسلامية مجال تطبيق الأخلاق الأساسية وهذه الأخيرة غير موجود أصلاً!.

ثم كيف نبني الطبقة الثانية من البناء دون توفر الطبقة الأولى الأساسية؟ إلا إذا كنا نبني في الهواء أو على الرمال!.

[وللمقالة بقية في الجزء الثالث] 

الحلقة السابقة هـــنا

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة المسلم المعاصر، ربيع الثاني 1395 - العددان 1 و 2).

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
يرى المسلم في هذا العصر اختلافاً كثيراً حيثما وجّه وجهه، سواء في باب مسائل الفقه من عبادات...
مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
  مرجعيّة " القِيَم " عند المسلم   منذ القرون الإسلاميّة الأولى بحث...
تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
ركن : حاضر العالم الإسلامي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في تو...