الحاسَّة الخُلُقيَّة أمر فطري جبل عليه الإنسان منذ خُلق: [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] {الشمس:7-8} فهي تعني إدراك للخير وللشر وانفعال أيضا بالخير والشر ثم نزوع لفعل الخير والشر. وهي نبتة ضعيفة بحاجة للرعاية لتنمو وتسمو، ولذا بعث الله النبيين يركزون في النفوس مكارم الأخلاق ويثبتون في الأرض معالم الخير.
وهكذا ما خُتمت الرسالات السماويَّة حتى كانت شجرة الأخلاق باسقة. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وقد لقيت تلك الحاسَّة الرعاية الإلهية بطريقين يتمم أحدهما الآخر؛ طريق التعلم والتوضيح مع الحضِّ والتشجيع وطريق الحساب والجزاء.
وهكذا كانت الأخلاق عندنا مع أساسها الفطري بإلزام وجزاء كأكمل ما يكون الإلزام والجزاء، إلزام ذاتي وخارجي، وجزاء معنوي ومادي.
والعقيدة تُنمي الأخلاق بالحب قبل الخوف، بحب الله تعالى والتقرُّب إليه سبحانه بما يحب والله تعالى يحب السمو. إذن فليحب الإنسان الكمال وفعل المكرمات. أي أنَّ العقيدة تُنمي النزعة إلى السمو وهي نزعة لها أصل فطري، وبعد هذا الحشد من القوى الذاتيَّة الداخليَّة التي تُنمي الأخلاق يأتي جانب الجزاء من ثواب وعقاب.
ثم إنَّ العبادة تُنمي العقيدة وتُنمي الأخلاق معاً.
إنَّها تفتح الآفاق الرحيبة أمام النفس، إنها تذكر الإنسان بمعالي الأمور وتحضُّ عليها. إنها تحبب إليه السموَّ وتكرِّه إليه الهبوط والإخلاد إلى الأرض. إنها تضع الإنسان في محراب الإيمان فينهل من النبع الخالد. إنها المصنع الدائم للإنسان حيث يشحن العقل والقلب بالنور. إنها مدرسة العبودية الخالصة لله تعالى يتخرَّج منها عباد الله سبحانه لا يعرفون الخضوع لغير الله جل وعلا، فيعمرون الدنيا بالحق والخير.
وهذه في مرتبة عالية من النظام الخلقي حيث يقوم الفكر بدور كبير في حياة الإنسان، فإذا استقام الفكر ساعد ذلك على استقامة حياة الإنسان. وإذا كانت قوة الفكر (أي الذكاء) أمراً فطرياً فإنَّ تحرُّر الفكر وحب الحقيقة أمر فطري ومكتسب.
وتحري الحق عبارة عن مزيج من التحرُّر الفكري [...قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ] {البقرة:170}، ومن حب الحقيقة [...إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا] {النَّجم:28}.
ومن التحرُّر الفكري ومن حب الحقيقة معاً يتكوَّن للفكر خُلقه الأول والأساسي. فالتحرر يكفل للفكر أن يعمل بكامل قواه التي أودعها الله تعالى فيه دون أي ضغوط. وحب الحقيقة يدفع الفكر للسعي الحثيث كي يدرك الأمور كل الأمور على حقيقتها. أمور الغيب وأمور الهدى وأمور الواقع لا يقعده خمول أو رضا مهين عن السعي الحثيث والبحث المتصل.
وصدق القائل: إنَّ الفكر في جانب من جوانبه خُلق، أي: أن قوى الفكر عندما تكون أمينة لوظيفتها –وهذا شرطها الأساسي- تغدو خلقاً، وإنَّ الخلق هو في جانب من جوانبه فكر؛ إذ يقوم على أساس من الإدراك الصحيح للقيم الدينية، وهذا الإدراك الصحيح من عمل الفكر.
والتوحيد وهو أول وأسمى درجات العقيدة لا سبيل أن يدركه غير العقل المتحرِّر اليقظ المتأمِّل.
وتحري الحق –كخلق أول للفكر- هو الأساس الذي تقوم عليه أخلاق فكريَّة أخرى مثل:
حسن الحوار: [...وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...] {النحل:125}.
التسامح الفكري: [...يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ...] {هود:118-119}.
التسامح الديني: [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] {البقرة:256}.
قد تعجب أحياناً من صدور نوعين من السلوك من شخصين نراهما مُتماثلين في خُلق من الأخلاق. ولكن هذا العجب يزول إذا أدركنا أنَّ بعض الأخلاق أو بعض أنماط السلوك إنما يتشكَّل من خُلقين أو أكثر. ولكي يصدر سلوك واحد من شخصين يستلزم تماثلهما في جميع الأخلاق المكونة لهذا السلوك، ولا يكفي التماثل في خُلق واحد.
التقوى + إيجابية = ثورة على المنكر.
التقوى + سلبية = صمت عن المنكر.
الورع + تحرر فكري = اجتهاد محكم.
الورع + تقديس للسلف = تقليد وجمود.
الإخلاص لله + تسامح = تعاون.
الإخلاص لله + تعصب = طائفية.
العفة + إيجابية = نشاط محتشم.
العفة + سلبية = عزلة خاملة.
المحبة + يقظة = تعاون.
المحبة + بلادة = مجرد عاطفة أو ادعاء.
في أية مؤسسة أو في أي مجال ينبغي أن تتكامل وتتساند مجموعة من الأخلاق، حتى تنهض المؤسسة كلها (أو المجال كله) في وحدة مُتَّسقة، وإلا صلحت جوانب وفسدت جوانب أخرى، وربما اختلَّت جميع الجوانب.
حب العلم وتقديره.. خلق.
والجد في التحصيل.. خلق.
ونبل الهدف من التعليم.. خلق.
واختيار التخصص حسب القدرة.. خلق.
واختيار التخصص حسب تلبيته لحاجة المجتمع.. خلق.
والاهتمام برسالة الجامعة العلمية والاجتماعية.. خلق.
والاهتمام برسالة الجامعة الوطنية.. خلق.
والأمانة في الأبحاث والامتحانات.. خلق.
والحوار المهذَّب مع المخالفين.. خلق.
وتدعيم الروح الجامعيَّة بصفة عامة.. خلق.
والاحتشام في الزي.. خلق.
والاختلاط الجاد الهادف.. خلق.
فَلِمَ يرفع الإسلاميون –عادة- لواء خُلق واحد ويصرخون به بالليل والنهار ويدعون بقية الأخلاق دون تقدير أو دون ممارسة أو دون دعوة لها أو دون حرب في سبيل تدعيمها إن كان لا بد من حرب؟
إنَّ حرصنا على وحدة البناء الخُلقي يعني الوعي الكامل للمجال الذي نعمل فيه أو للمشكلة التي نعالجها. كما يعني صحة الاتجاه نحو الإصلاح الجذري لا الشكلي أو الترقيعي.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
[وللمقالة تتمة، يتم الحديث فيها عن الاتجاهات الفكريَّة وأثرها في الأخلاق].
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: (مجلة المسلم المعاصر، ربيع الثاني 1395 - العددان 1 و 2).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


