حين يكون القلب بصيرًا

حين يكون القلب بصيرًا

التصنيف: ركن الشباب
الجمعة، ٨ شوال ١٤٤٧ هـ - ٢٧ آذار ٢٠٢٦
215

دَعني أحدثك عن "صَوت".. ليس هذا الذي تَستخدمهُ للقراءة الآن، بل ذاك القابعُ في كوامن النفس؛ صوتُك الداخلي، ذاك الذي يتحدثُ معك بشكلٍ دائمٍ، تلك "الوشوشةُ" التي تمثلُ الرقيب الأخلاقي والوجودي. هو الذي يُخبرك بما هو صوابٌ وما هو زيف، يرشدك متى تَرحل وإلى أين تَمضي. هذا الصوتُ ليس "شكسبيريًا" منمقًا، بل هو "مباشرٌ" جدًا، يمنحك الحقيقة في صُورتها الخام. يُخبرك من هم الأصدقاءُ الحقيقيون، ومتى تكونُ الـ "نعم" عبودية، والـ "لا" حرية.


لكن، هل فكرت يومًا لماذا نحاولُ إسكاتهُ؟ لماذا نرفع ضجيج الموسيقى، أو نهربُ إلى زحام المنصات، فقط لكي لا ننفرد به؟ رُبما لأن صدقهُ مرّ، ولأن مواجهتهُ تتطلبُ شجاعةً لا نَملكها دائماً. هو لا يحابي أحدًا، ولا يجيدُ تجميل القبح؛ فإما أن تتبعهُ وتتحمل ثمن صدقك، أو تخونهُ وتعيش غريبًا عن نفسك. فهل أنت اليوم في المكان الذي اختارهُ لك ذاك الصوت، أم في المكان الذي فرضتهُ عليك مخاوفك؟ وهل تَجرؤ، ولو لمرة واحدة، أن تُغلق عينيك وتصغي لما وراء الوشوشة. هل عرفت ذلك "الصوت"؟


لنوضحَ الفكرة أكثر سنقومُ بطرح بعض الأمثلة، فهذه الدردشةُ الداخليةُ لها عدةُ أصناف؛ أولاً النوعُ الناقدُ أو المحفز، تسألُ نفسك: "لماذا قلتُ ذلك الكلام الغبي؟" أو "كيف سأشرحُ له وجهةَ نظري دون أن أغضبهُ؟" أو ذاك الذي يمنحك القوة في لحظة ضعف: "قُم.. فأنت لم تُخلق لتُهزم". وهناك الأسئلةُ التنظيميةُ التي تديرُ شتات يومك: "ماذا يجب أن أشتري من المتجر قبل العودة؟" أو "كيف سأرتبُ أولوياتي لإنجاز هذا المشروع قبل الموعد؟". أما أسئلةُ القلق والتحليل، فهي الأكثرُ ضجيجًا: "ماذا لو لم أنجح في هذا الاختبار؟" أو "ماذا كان يقصدُ عندما نَظَرَ إليَّ بتلك الطريقة؟".


وفي العُمق، تبرزُ أصواتُ الوجدان واليقين حين تهمسُ لك: "كم أشتاقُ إليه حتى وهو واقفٌ أمامي"، أو "أخيراً.. وجدتُ من يقرأُ صمتي، لستُ مضطرةً لترجمة مشاعري بعد الآن". بل إن هناك صوت يأتيك وأنت تكتبُ مقالاً أو تخططُ لعملٍ ما فيقولُ لك: "هذه الفكرةُ ناقصة، ابحث عن المعنى وراء السطور" . إنها حوارات لا تنتهي، تؤكدُ أنك لستَ مُجرد جَسد يتحرك، بل كونٌ من الكلمات والتساؤلات التي تبحثُ دائمًا عن إجابة.


في المقابل، ليسَ كلُ البشرِ يمتلكون 'راديو' داخلي يبثُ كلمات، بل تتنوعُ طرقُ الدردشةِ الداخلية إلى عدة أنماط. فهناك من يفكرُ بـ 'الصُور'، وكأن عقلهُ شاشةٌ سينمائيةٌ تعرضُ المشاهدَ والذكريات لتعبر عن الفكرة قبل أن تُنطق. وهناك من يَختبرُ العالمَ عبر 'المشاعر الدافئة'؛ حيث يكونُ تفكيرهُ عبارة عن انقباضٍ يحذرهُ أو انشراحٍ يطمئنهُ، فتكون العاطفةُ هي لُغةُ العقل الأولى. بل إن البعض يمتلكُ 'وعيًا مجردًا'، معرفةٌ صامتةٌ لا تحتاجُ لصورٍ أو كلماتٍ لتدرك الحقيقة. هذا التنوعُ يُثبت أن داخل كُل منا لغة برمجة خاصة، وأن المهم ليس 'كيف' نسمعُ أنفسنا، بل أن نملك القدرة على الإنصات.


إن ما نطلقُ عليه أحيانًا "الحدس" ليس مجرد خاطر عابر، بل هو معرفةٌ يقينيةٌ تتجاوزُ المنطق. ففي اللحظة التي تَشعرُ فيها بوخزة قلق أو انقباض غير مبرر، تذكر أن الغرائز الداخلية ومشاعرُ عدم الارتياح ما وُجدت عبثًا؛ إنها راداراتٌ نفسيةٌ فائقةُ الدقة التقطت اشارات الخطر أو الزيف قبل أن يُدركها عقلُك المحلل.


هذه هي طريقةُ جسدكِ لإخباركِ بأنّ هناك خطًأ ما. الجسدُ لا يكذب، فهو يترجمُ الحقيقة الباطنة إلى أحاسيس مادية. فالتوترُ في الكتفين، أو الغصةُ في الحلق، أو تلك النغزةُ في القلب، هي رسائل عاجلة تطلبُ منك الانتباه. لا تُجازف في تجاهُله، فكلُ مرة نتجاهلُ فيها حدسنا لإرضاءِ المنطقِ الاجتماعي، نحن لا نُضحي براحتنا فحسب، بل بجزءٍ من صدقنا مع أنفُسنا.


إن هذا الصوتُ في أسمى تجلياته هو "الفطرة" التي صَممها الخالقُ سبحانهُ لتكون البوصلة الأخلاقية للإنسان. ولعل أبلغُ ما يُصورُ هذا المشهد قوله تعالى: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)؛ فهذه الآية تؤسسُ لمبدأ "المسؤولية الذاتية"، حيث يمتلكُ الإنسانُ في قرارةِ نفسه تلك العين الباطنة التي لا تخطئ الصواب.


عزيزي تَذكر دائماً.. أن صوتك الداخلي هو أقدمُ وأخلصُ صديق ستحظى به يوماً، فهو الشاهدُ الذي لا ينافقُ والقاضي الذي لا يَرتشي، وقد يكونُ الجلادُ الذي لايَرحم. اقتنص لنفسك لحظات من الصمت اليومي، وثِقْ بذاك "الانقباض أو الانشراح" الأولي، فهو لغتهُ في إرشادك حين تعجزُ المصطلحات. وتوقف عن طلب الإذن من الجميع لتكون نفسك؛ فالآخرون يرونك من زاوية تجاربهم هم، لا من حقيقتك أنت. فمن استرشد بنوره الداخلي واستأنس ببوصلة فطرته، لن تُضله المسافاتُ مهما طالت، ولن تكسرهُ الوحدة مهما اشتدت؛ لأنه ببساطة.. وجد طريقهُ إلى بَيته.. إلى ذاته.


بقلم: غياث الخيمي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...