حول حديث رفع العاهة في شهر أيار

حول حديث رفع العاهة في شهر أيار

بعض من لا يخاف الله تعالى عنده هواية التلاعب بمشاعر الناس ولو استخدم لذلك الآيات والأحاديث يحرف معانيها ويسيء فهمها، كما في وقتنا الحالي الذي نعيش فيه وباء كورونا المستجد.

يتداول بعض الناس على وسائل التواصل حديثا قالوا بأنه صحيح، وهو وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا قَطُّ، وَبِقَوْمٍ عَاهَةٌ، إِلَّا رُفِعَتْ عَنْهُمْ أَوْ خَفَّتْ»، يتناقلونه ليبشروا الناس أن الوباء سيزول في التاسع عشر من رمضان بدلالة هذا الحديث وأن نجم الثريا سيظهر بهذا التاريخ، الموافق لـ 12 أيار، يظنون أن توظيفهم للحديث في هذه الظروف يخدم الدين ويعتقدون أنهم يفعلون خيراً، ولا يعلمون أنهم أساؤوا إساءة كبيرة.

وسأعلق على هذا الحديث باختصار في فقرتين ثم الخلاصة:

أولا: تخريج الحديث، قال الهيثمي: (رَوَاهُ كُلَّهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ، وَلَفْظُهُ: " «إِذَا ارْتَفَعَ النَّجْمُ رُفِعَتِ الْعَاهَةُ عَنْ كُلِّ بَلَدٍ» ". وَرَوَى الْأَوَّلَ فِي الْأَوْسَطِ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ عَسَلُ بْنُ سُفْيَانَ؛ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ: يُخْطِئُ وَيُخَالِفُ. وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ) (مجمع الزوائد)

فالحديث ليس صحيحاً كما زعموا بل هو ضعيف، قال البوصيري في الإتحاف: (قُلْتُ: مَدَارُ أَسَانِيدِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى عسل بْنِ سُفْيَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ)

ثانياً: فهم الحديث وشرحه: جمهور أهل العلم من شراح الحديث لا يأخذون هذا الحديث على إطلاقه، بل هو مقيد بأحاديث أخرى، وهي الأحاديث التي تنهى عن بيع الثمر حتى يبدوا صلاحه، ودليل ذلك عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُرَاقَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُمَا عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ فَقَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَذْهَبَ الْعَاهَةُ " , قُلْتُ: وَمَتَى ذَاكَ؟ , قَالَ: حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا.(أخرجه أحمد والبيهقي)

وَالثُّرَيَّا النَّجْمُ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَطُلُوعُهَا صَبَاحًا لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً تَمْضِي مِنْ شَهْرِ أَيَّارَ، وَهُوَ شَهْرُ مَايُو.

قال الحافظ ابن حجر في الفتح "النَّجم: هو الثُّريا، وطلوعها صباحاً يقع في أول فصل الصَّيف، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثِّمار، فالمعتبر في الحقيقة النُّضح، وطلوع النَّجم علامة له"، وأورد ابن حجر في الفتح للحديث رواية بلفظ: " رفعت العاهة عن الثمار " مما يدل على خصوصية الحديث بالثمار.

وذكر الإمام الطَّحاويُّ في "شرح مشكل الآثار"أن ذلك يكون في شهر أيَّار، في الثَّاني عشر منه.

وقد ذكر ابن الأثير في كتابه غريب الحديث أن العرب كانت تزعم أن ما بين طلوع الثريا وغروبها أمراض ووباء وعاهات في الناس والإبل والثمار، فأما طلوعها ففي العشر الأوسط من أيار، أما غروبها ففي العشر الأوسط من تشرين الثاني.

ولذلك ذهب العلماء إلى أن الحديث خاص بالثمار، بل هو خاص أيضا بأرض الحجاز وذلك لأن أهل الحجاز كانوا يحصدون الزرع في أيار، وكانت الثمار تنضج في أيار ويظهر صلاحها وقد أمِن عليها من العاهة. وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا فَيَتَبَيَّنُ الْأَصْفَرُ مِنَ الْأَحْمَرِ.

وذكر نشوان الحميري (ت573هـ) في كتابه شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلى أحد عماله كتابا ذكر فيه: (إذا طلعت الثريا فقد حل بيع النخل)، قال الأصمعي: لأن الثمرة في ذلك الوقت قد أمن عليها من الآفة، لانها لا تطلع إلا على حمراء أو صفراء من البسر. يريد أنها نضجت.

الخلاصة: فالحديث : «مَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا قَطُّ، وَبِقَوْمٍ عَاهَةٌ، إِلَّا رُفِعَتْ عَنْهُمْ أَوْ خَفَّتْ » ليس عاماً كما فهمه بعض العوام، وإنما هو خاص بالثمار وفي أرض الحجاز لأن اشتداد الحر فيها يبدأ بطلوع نجم الثريا صباحا في العشر الأوسط من أيار، وما زال أهل الحجاز بل أهل الجزيرة العربية عموما يتابعون النجوم ويستدلون بها على تغير المواسم، أما في بلاد الشام مثلا وفي المغرب وغيرها في البلاد فيختلف الأمر، والعبرة في ظهور صلاح الثمرة ونضجها ليس بطلوع النجم وإنما بظهور ذلك عليها وهذا يختلف من بلد إلى بلد.

كما أن ربط الحديث بوباء كورونا المستجد والمتفشي في عصرنا دليل على جهل كاتب المنشور وقلة عنايته بعلم الحديث، لان فهم الحديث يحتاج إلى أن تجمع معه الأحاديث التي في نفس الموضوع لأنها تفسر بعضها.

 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...