حول القيم والمفاهيم السائدة (1)

حول القيم والمفاهيم السائدة (1)

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ٨ صفر ١٤٤١ هـ - ٦ تشرين الأول ٢٠١٩
855

المستخلص:

موضوع الندوة يتعلَّق بالثقافة العربيَّة من حيث الواقع وآفاق المستقبل. 

وفى إطاره أقدِّم هذه الورقة حول: (القيم والمفاهيم السائدة في المجتمع العربي). 

والقيم المفاهيم أمور غير قابلة للحصر، وهي أفسح من أن يحاط بها، وهو أن أجري (بحثاً) يحتاج إلى مناهج علم الاجتماع في جمع المادة المقولة والمكتوبة وتصنيفها وتحليلها واستخلاص النتائج من ذلك.

وحسب الكاتب هنا أن يقدِّم ورقة يطرح فيها مجمل ما يَراه حول: (القيم والمفاهيم السائدة في الواقع العربي. وأنا أفهم (الثقافة السائدة) بمعنى أنَّها الثقافة المسيطرة، أو الحاكمة، وأنها ليست بالضرورة هي الثقافة المنتشرة أو الذائعة، وأقصد بالثقافة المسيطرة تلك التي تفرزها هيئات التعليم والإعلام والتوجيه المعنوي، ولها وجه انتشار بين النخب الاجتماعيَّة. 

وأنا هنا لا أقدِّم بحثاً او دراسة، ولا أحصي قيماً ومفاهيم، ولكنى أعرض ما أظنَّه الفكرة المحوريَّة للقيم السائدة الآن، ومصدري في ذلك هو ما تراكم لدي من مُتابعات الواقع الثقافي ومُعايشته. ومن المعاينة الداخليَّة لبعض جَوانبه، ومحاولات التفهُّم للآليات الداخليَّة لهذه الجوانب.

يبدو لي أنَّ القيمة العُليا التي صارت حاكمة في الثقافة السائدة الآن هي قيمة (العصريَّة)أو (المعاصرة)، وأنَّ من يُتابع السياسات النافذة ومجادلات المتحاورين، يلحظ أنَّ (العنصرية) قد صار أصلاً مرجوعاً إليه، ومسلَّمةً مبدوءاً بها في مُعالجة الغالب من قضايا المجتمع، وفى الترجيح بين الخيارات، وفيما يرجَّح أو يستبعد من الحلول. 

لذلك فقد آثرت أن أعرض لمفهوم المعاصرة، محاولاً تحرير المسألة بشأنه، وإثارة الفكر للمناقشة حوله لتوضيح معانيه وكشف آثاره.

إننا نعلم أنَّ العصر يَعنى الدهر أو الزمن، وأنه ينسب إلى شخص فيقال: (العصر الفيكتوري) في بريطانيا، أو عصر (محمد علي) في مصر، وينسب إلى أسرة حاكمة فيقال: (العصر العباسي)، كما ينسب إلى ظواهر طبيعيَّة: (كالعصر الحجري)، أو إلى ظواهر اجتماعيَّة: (كعصر الإصلاح)، وعصر النهضة (في أوروبا)، كما أنَّه صار يُنسب إلى مرحلة تاريخيَّة كما يُقال الآن: (العصر الحديث) إشارة إلى المرحلة التاريخيَّة التي يحياها العالم اليوم.

ونحن في أدبنا الجاري عندما نشير إلى العصر مجرَّداً عن نسبة تخصصه فغالباً ما نكون نعني (العصر الحديث)، وعندما نقول (روح العصر)، إنما نقصد الإشارة إلى السمة الغالبة على أوضاع المرحلة التاريخيَّة التي نحياها، كما أن ما نعايشه من أوضاع الحاضر نصفه بالمعاصرة، وعندما يصف أحدنا الآخر بأنه (عصري) إنما يعنى الإخبار بأنَّ المقصود متلائم مع أوضاع المرحلة التاريخية العالمية الحاضرة ومتجانس مع ظروفها.

في جيل أبنائنا أو في الجيلين اللذَين عاشا النصف الأول من القرن العشرين في مصر، كان لفظ (عصري) يعني مودرن، أي: حديث، ويستخدم غالباً بالمعنى الاجتماعي، ليشير إلى ما طرأ من قيم وسلوكيات وأساليب حياة وعادات في الملبس والمشرب والمسكن واختلاط الجنسين، وكان يقابله لفظ (رجعي). 

وقد أدركت في صباي مما كنت أسمعه أو أقرأه لكبارِ السنِّ من جيل الآباء والأجداد – أدركت معنى اجتماعيا للفظ (رجعي)، لا يتعلق بها بالتقويمات السياسية، إنما يشير به مستخدمه إلى التمسك بالعادات والتقاليد المنحدرة من السلف، وكانت دلالته قريبة من لفظ: (محافظ) بالمعنى الذى يستخدم مثقفو اليوم له لفظ: (أصيل) و (أصالة)، ولم تكن نسبة الرجعية إلى الرجعى بهذا المعنى الاجتماعي ما يشينه أو يدعوه للإنكار، بل لعله كان يجهر بها اعتزازاً لما تعنيه من أصالة، وذلك في مواجهة وصف (العصرية) الذى تبنته القلة المتأثرة بنمط الحياة الأوروبيَّة.

أما لفظ (التجديد) و (الإصلاح) فقد ظلَّ معناهما مُتميزاً عن معنى العصرية، وظلَّ معناهما يسعُ الأخذ من الماضي ومن الثقافة المنحدرة من السلف.

ومن مُطالعتي للأدب السياسي في العشرينيَّات والثلاثينيَّات، لاحظت أنَّ لفظ (رجعي) بدأ استخدامه بغير إسراف ليشير إلى اتجاهات سياسيَّة، إذ استخدمته القيادات الديمقراطية والأقلام الليبرالية لتشير به إلى قوى الاستبداد السياسي، وهي قوى بعضه كان يصعب نعته بالاسم كالملك وكان هذا في ظني بداية استخدام لفظ رجعي بمعنى سياسي، وكانت هذه البداية محصورة في الموقف من نظام الحكم، موقف قوى الاستبداد السياسي، ولكن الصحفيون ورجال الأحزاب يستخدمونه إشارة إلى القصر الملكي.

ولم يطرأ تطور جديد على لفظ (رجعي) إلا في الأربعينات، على أيدي الماركسيين والمتأثرين بالفكر الاشتراكي، وفى دوائرهم، فصارت له في استخدامهم دلالة طبقية تشير إلى الإقطاع، وكبار ملاك الأراضي الزراعيَّة، وإلى ما لفَّ لفَّهم من نظم سياسية وأحزاب ومن أنساق فكرية، ثم انتشر هذا المعنى في الخمسينيات والستينيات ليصير شبه مُتعارف عليه، وفى هذا السياق الجديد لم يَعُد وصف الرجعيَّة يقابل وصف العصريَّة، إنما صارت الرجعيَّة ضد التقدميَّة.

في الستينيات تقريبا، طرأ على لفظ (عصري) تحوُّل عميق الدلالة، لم تعد دلالته محصورة في القيم السلوكية وعادات العيش وأساليب الحياة، التي كانت تستفاد من وصف (مودرن) أي: حديث، إنما بدأ يكسب بالتدريج ومع الوقت دلالة ليست سلوكية فقط وليست اجتماعية فقط، وإنما صارت تشير إلى معنى أممي، فصار (العصر) يمثل وحدة جامعة تضم العصريين جميعاً في العالم أجمع، وصار (العصري) في استخدامنا الفكري يشير إلى من يندرج في وحدة الانتماء هذه، بحسبانها تشكل وحدة انتماء حضاري وأممي، ولم تعد (العصرية) تقابل (الرجعية) كطرفي صراع اجتماعي في داخل الجماعة المحلية، إنما صارت (العصرية) بوجهها الأممي تقابل (التخلف) على صعيد العالم أجمع. 

وقَسَّم هذا المعنى العالم – في وعى القائلين به – إلى فَريقين – أحداهما يضمُّ أفريقيين وآسيويين وأوروبيين وأمريكيين ضد الثاني الذي يضم – أيضا-أفريقيين وآسيويين وأوروبيين وأمريكيين، والفريق الأول: معاصرون ينتمون إلى العصر، والفريق الثاني: مُتخلِّفون لا يَنتمون إلى العصر.

والسؤال الذي يثار الآن، هو كيف أمكن في إدراك الناس لدينا، أن ينشطر كل شعب من شعوبنا إلى هذين الشطرين، شطر يرى نفسه محمولاً مع المستقبل، وشطر يُنظر إليه على أنَّه مطرود مع نفايات التاريخ، وكيف أمكننا أن نقيم معايير للتقويم التاريخي والحضاري، يتحول بها (العصر) من عنصر زماني إلى قيمة ثقافية حضاريَّة يتبلور عليها مفهوم (الأمة) والجماعة، ويصير غير المتمتع بخصائص العصر منكوراً عليه جدارة الانتماء إلى أمته؟

جواباً على هذا السؤال، أظن أننا لم يقم في وعينا من قبل نسق واحد لتاريخ عالمي يقيم معايير موحدة للوجود والنمو والارتقاء، لم يقم في ذلك لدينا نحن الشعوب التي عرفت السيطرة الاستعمارية عليها في تاريخها الحديث. 

ولقد كان يستحيل على أفريقي جنوب أفريقيا مثلا أن يتبنوا مَعَايير موحَّدة للتقويم التاريخي والحضاري تضمهم مع المستوطنين الأوروبيين في بلادهم، وكان يَستحيل ذلك كذلك على مسلمي الجزائر عرباً وبربراً إزاء الفرنسيين، كما استحال علينا نحن العرب أن نتَّخذ مَعَايير تقويم تضمنا مع الصهاينة، وكذلك كان الحال في كل بلادنا سواء العربية والإسلامية من بلدان آسيا وأفريقيا، وذلك بموجب وضع المواجهة والمقابلة الذى كان سائداً إبان مرحلة الجهاد من أجل التحرُّر الوطني وإجلاء الاحتلال العسكري الأجنبي وإقصاء نفوذه السياسي المباشر.

ولكن، مع انتصار حركات التحرُّر الوطني على مدى الخمسينات، وانحسار الاستعمار القديم بشكله العسكري السياسي المباشر، ومع ظهور دول الاستقلال الوطني وأنظمته وحكوماته، ومع فرحة النصر والسيطرة على الذات والشعور بامتلاك المستقبل، مع كل ذلك بدا لنا أنَّ مرحلة من تاريخ البشر قد زالت وانتهت، وأن مهمتنا الجديدة في المرحلة التالية – نحن دول الاستقلال الوطني، هي (اللحاق بالركب) وبناء مجتمعاتنا على أفضل صورة يَعْرفها عالم اليوم من الرخاء والتقدُّم، ووضعنا حاضر أوروبا صورة لمستقبلنا ومِعْياراً لتقدمنا. 

وهنا بدأ المعيار التاريخي ومعيار التقويم الحضاري للعالم يتوحَّد في وعي الثقافة السائدة، وقبلت نظم الاستقلال الوطني وحركاته في تلك الفترة، وبغير تحفُّظ كبير قبلت أن يتحوَّل وعينا من موقف المواجهة في التعامل مع مستعمرينا السابقين، إلى موقف التتالي والتعاقب معهم، وساد منظور للعالم بحسبان أنَّ مجتمعاته جميعها تقف على سلم صعود واحد، وأنها لا تختلف إلا في درجة الارتقاء على هذا السلم، وظهر مصطلح الدول المتقدِّمة والدول المتخلِّفة، ثم خُفِّف هذا اللفظ الأخير فصار (الدولة النامية) أو التي في طريق النمو.

بهذا المنظور تعدل في وعينا التصنيف الذي كان قائماً، لقد كان تصنيفاً يتعلق بغازٍ ومغزو، أو بمستعمِر ومُستعمَر، فصار يتعلَّق بمعاصر ومتخلف. 

كان التصنيف الأول يفيد تبادلاً في السببية، فكان سبب التبعية هي المتبوعيَّة، وسبب ضعف أحد الطرفين هو غلبة الآخر له، أما في المنظور الجديد: فقد افتقد هذا التبادل السببي، وارتدَّت السببية إلى الذات، وقامت العلاقة بين النامي والمتخلِّف، لا على أساس تبادل السببيَّة الذى يقتضي الابتعاد عن الطرف الآخر وفكِّ الاشتباك، ولكن على أساس تقويض ما في الذات من عناصر تُعَوِّق سعينا في التشبه بالمجتمعات المتقدِّمة، ولذلك تحولنا من موقف فعل الضد الذى يقتضيه الصراع، إلى موقف فعل المثل، الذى يوجبه تحقيق المثال، ومن السعي للمخالفة على السعي للمشابهة، ومن التبعية على الاتباع. وصار بأسنا بيننا بعد أن كان بأسُنا على غيرنا.

ظهرت المعاصرة كوحدة انتماء أممي شامل تضمُّ العصريين جميعا في العالم، ضد الخوالف فيه. وبدأ هذا التصنيف يسود على ما عداه من تصنيفات تفرِّق بين شعوب العالم ودوله، سواء كانت تلك التصنيفات تقوم على أساس الدين، أو القومية، أو اللغة، أو العرق، أو القارة.

ولما كان الأكثر تقدماً هو دول أوروبا والغرب بصفة عامة، سواء رأسمالية أو اشتراكية، فقد سادت خصائصهم بحسبانها خصائص العصر، فكراً وعلوماً وأنماط حياة وسلوكاً ومذاهب، صار حاضر الغرب هو مستقبلنا، وصارت حياته ومجتمعاته هي مدينتنا الفاضلة المرجوَّة. 

وأكثر من ذلك صار ماضيه بما أفضى إليه في حاضرهم هو معيار تاريخ العالم، وبهذا قام مفهوم المعاصرة بحسبانه مفهوماً مُطلقاً يقوم به إطار مرجعي ومفهوم شرعي يضم المجتمعات والدول التابعة كلها إلى الدول والمجتمعات المتقدمة.

[للمقالة تتمة في الجزء التالي]

المصدر: مجلة المسلم المعاصر، العدد 71 / 72، حزيران/يونيو 1994، السنة: 1994

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...