يمكن أن أمثل لتاريخ العلوم الشرعية ومسائلها بمجموعة من السيارات خرجت من مدن مختلفة، بعضها دخل إلى الطريق السيار، والباقي اتخذ طرقا فرعية معبدة وغير معبدة.
والمجموعة التي اتخذت الطريق السيار هي التي خضعت لمراقبة الشرطة: بالزيادة والنقص والتنقيح والتهذيب والتصحيح والتضعيف، والشرح الاختصار، وهي التي كان يتلقاها النشء في أول اتصاله بالعلم والعلماء، وهي التي وجهت عامة المسلمين، وأدارت مشاكلهم العلمية والعملية. ويصعب انتقادها انتقادا علميا وبيان عيوبها بسهولة. لكن يسهل البناء عليها لمواجهة التحديات الفكرية والتنظيمية للمجتمع. وهي التي استفاد منها الغرب في بنائه لدولته الحديثة.
أما التي اتخذت طرقا فرعية: فلم تخضع للمراقبة، وفيها الغث والسمين، والصحيح والسقيم، ولم يكن لها تأثير كبير في حياة الناس.
فلما ابتلي المسلمون بالاستعمار الذي كان يعرف تراثنا جيدا من خلال البحث الاستشراقي: طمس العلوم التي في الطريق السيار، وشجع العلوم الأخرى التي كانت بالهامش، وذلك بقصد إثارة البلبلة والفوضى الفكرية والعقدية والسلوكية. وأضحى النشء غير محصن، وصار فريسة للتيارات الإلحادية أو المتطرفة.
فكل إصلاح لا يقوم بتصنيف علمي لتراث العلوم الشرعية يكون عبارة عن طمأنة مؤقتة لمخاوف جهات خارجية وداخلية.
الحلقة السابقة هــــــــــــــــنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


