حكم حكام الجور من المسلمين

حكم حكام الجور من المسلمين

التصنيف: فقه الدعوة
السبت، ١٦ رجب ١٤٣٧ هـ - ٢٣ نيسان ٢٠١٦
3321

 

مما ينبغي التَّنبيه عليه أنَّ ولاة الضَّرورة الذين نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الخروج عليهم، وعن نزع اليد عن طاعتهم في المعروف، هم الحكام المسلمون المستسلمون لدين الله تعالى، المنقادون لشرعه، الذين لا يفضلون قوانين وضعية على شرع الله تعالى، ولا يستبدلونه بها، لكنَّهم يفتقدون الشروط المعتبرة في حكام المسلمين، ويخالفون شرعه في سلوكهم، ويجورون في بعض أحكامهم كما هي الحالة الغالبة في حكام المسلمين عبر التَّاريخ، وهذا النوع من الحكام هو الذي قال عنه العلماء: إنَّه إن كان في محاولة صرفه إثارة فتنة لا تطاق، حكَمْنا بانعقاد إمامته، كي لا نكون كمن يبني قصرا ويهدم مصرًا.

وأما الحكام الذين يدّعون الإسلام ومع ذلك يُلغون العمل بالقوانين الشَّرعية وتنفيذَها، ويجعلون لها بديلًا من أحكام وضعيَّة، ويعادون الجانب المتعلق بالإدارة والقضاء من شرع الله تعالى، وينفذون خطط الكفار للقضاء على الإسلام والمسلمين، ويحُولون بكلِّ ما في وسعهم دون تحكيم شرع الله تعالى، ونشر الإسلام والدَّعوة إليه، هؤلاء هم صنيعة الكفار ووكلاؤهم المؤتمنون في العالم الإسلاميِّ، قد صنعهم الكفَّار على أعينهم، وغذوهم بلبانهم، وفسحوا لهم المجال لتولّي الحكم في البلدان الإسلاميَّة والاستمرار فيه كي يراعوا مصالح أسيادهم، وينفذوا خططهم في الحيلولة دون تقدُّم الإسلام والمسلمين، وتقدُّم بلدانهم ونهضتها، فهؤلاء الحكام هم من يطلق عليهم العلمانيون، وهم النَّوع الذين قال الله تعالى فيهم: ?إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا? النساء: [150-151]، وقال فيهم : ?أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ? [المائدة:??].

وهؤلاء ليسوا من حكَّام الضَّرورة الذين تكلَّم الأصوليون والفقهاء عليهم، وأجروا عليهم أحكام حكام العدل من نفوذ أحكامهم، ومنع الخروج عليهم، والنَّهي عن نزع اليد عن طاعتهم في المعروف.

والصَّبرُ على هؤلاء ليس من قبيل الصَّبر على الحاكم الجائر، بل من باب الصّبر على المستولي الكافر. وِلايَتُهُم غير صحيحة وأحكامهم غير نافذة، ولا طاعة لهم على أحدٍ، وهم مستحقِّون للخلع، لكن خلعهم منوطٌ بالاستطاعة.

 نعم يجب الصَّبر عليهم إذا كان في الخروج عليهم مفسدة عظيمة للمسلمين، لكنه مع ذلك يجب إعداد العُّدة لصرفهم عن الحكم، واستبدالهم بحكَّام صالحين، كما يجب الحيلولة دون ظلمهم وتحقيقهم لمخططات الكفَّار بالمظاهرات السلمية الجماهيرية، والنِّداء فيها بطلب عدولهم عن تنفيذ هذه المخططات، والمطالبة بإقصارهم عن الظُّلم والجور والفساد. 

نعم نَصْحُ الحكَّام ينبغي أن يكون في السِّر والخفاء، لكن هؤلاء لا تجدي فيهم إلَّا المظاهرات التي تفضح أعمالهم وتجبرهم على الإقصار عنها أو عن قسم منها.

وهذه المظاهرات هي من باب النَّصيحة الواجبة على كلِّ المسلمين، والتي عبَّر عنها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّها هي الدِّين بقوله: "الدِّين النَّصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" [رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة (55)، (95)، و أخرجه البخاري تعليقاً في كتاب الإيمان، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"].

لكن ينبغي في مثل هذه الأمور أن تراعى الحكمة والموازنات الشَّرعية، والمصالح والمفاسد المترتبة عليها، ويكون القرار فيها لأهل العلم الواعين، وأهل الخبرة من الساسة الملتزمين بالإسلام، المثقفين ثقافة إسلاميَّة، وألَّا يترك مثل هذه الأمور لحماسة الشباب، وقرار أناس غير مؤهلين لأمثال هذه الأمور، حتى لا تطغى المفسدة على المصلحة المطلوبة، ولا يحصل عكس المقصود.

وينبغي التَّنبيه هنا على أمرٍ آخر، وهو أنَّنا قد بينَّا أنَّه لا يجوز الخروج على حكام الجور، وذلك لما يترتب عليه من المفاسد الكثيرة التي عبر عنها العلماء بقولهم: "كي لا نكون كمن يبني قصرًا ويهدم مصرًا"، لكنه إذا تهور فريقٌ من النَّاس، وخرجوا عليهم بالسَّلاح من أجل ظلمهم وفسادهم لا يجوز للحاكم أن يقاتلهم، وإذا قاتلهم لا يجوز لأحد أن يكون جنديًا له، ولا متعاونًا معه، بل واجب الحاكم أن يُقْصِر عما هو عليه من الظُّلم والجور وتنفيذ مخططات الكفرة، وهذا ما قرره الفقهاء الأئمَّة الأربعة في كتبهم الفقهية في باب قتال البغاة.

فظهر بهذا البيان أن حكام المسلمين الذين لا يحكمون بالعدل صنفان: 

الصنف الأول: حكام الضرورة.

والصنف الثاني: حكام التسلط والجبر، وقد بينا أحكامهما.

وهناك صنف ثالث: وهم حكَّامٌ يحاولون الإصلاح والتَّقليل من الفساد ما أمكنهم، ويحاولون بجهدهم التَّخلص من سطوة الكفَّار، وتخليصَ العالم الإسلامي من وصايتهم، ويقومون بما يستطيعونه من هذا الأمر بتدرج وحكمة، فأولئك ليسوا من هؤلاء ولا هؤلاء، بل يجب على المسلمين كافَّة أن يوالوهم، ويتعاونوا معهم، ويعينوهم بكل قواهم فيما يحاولون القيام به، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. والله تعالى أعلم.

المصدر: مجلة الحميدية العدد الأول

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...