منذُ حلَّت " نكْسةُ يونيو" الجديدة همَمْتُ وعزْمْتُ أنْ أصمت وأكفَّ عن الكلام لعدة أسباب منها : لأتبين الأمور ، ولأرى المتحولين مرة أخرى هؤلاء الذين حازوا أعلى الدرجات في سرعة التحول ، وحققوا أرقاما قياسية في دجلهم ونفاقهم وازدواجيتهم التي فاقتْ أيَّ حد وأي منطق وأي عقل ، لكنَّهُ الرانُ الذي أخبرنا به ربُّ العالمين ( كلا بل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [ سورة المطففين : 14] ولأرى من سيثبتُ على الحق الذي اعتقده واقتنع به ، واختار على أساسه ، ومن سينقلبُ عندما تلوحُ له الشُّبهات أو تغرُّه وتلعبُ به الشَّهوات . وشجعني على الصمت أنَّ الكلَّ قد تكلم بحق وعلم ويقين أو بباطل وهوى وجهل وقد قال من شاء ما شاء ، ورأيتُ وسمعت ، وصُدِمْتُ وتعجبتُ .
وبعد أنْ سكتُّ شيئا قليلا أنطقني اللهُ الذي أنطق كل شيء ، وأنطقني جلالُ آيات الله تعالى التي لجأتُ إلى ظلالِها أتفيؤُه ، ومن نورِها أستضيءُ في ظلمات الفتن التي تحيطُ بنا ، وليطمئن قلبي بذكر ربي ، وبكلماته التي يحقُّ بها الحقَّ ، ويُبطلُ الباطل ، فأقول- لله وللحق وللتاريخ وللحظة الفارقة- : أقف معكم أيها الكرام وقفة تدبر وتأمل لحديث القرآن الكريم عن الانقلاب والمنقلبين ، وسأتناول أربع آيات بترتيبها في القرآن الكريم ؛ ليبين لنا سرٌّ من أسراره ، وجانبٌ من إعجازه ، فسبحان منزل الكتاب ، ومجري السحاب ، وهازم الأحزاب !
وأدهشني أنَّ أول موضع يتحدث عن الانقلاب والمنقلبين فيه إشارة وإعجاز ، أما الإشارة فإلى دور الأمة ومكانتها ودورها بين الأمم وكيفية القيام به ، وأما الإعجاز فإن هذه الآية رقمها ( 143 ) من سورة البقرة التي هي أكبر سورة في القرآن الكريم وعدد آياتها ( 286 ) أي في وسطها وهي تتحدث عن الوسطية.
فلما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله ، وتجريدها من التعلق بغيره ، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة ، فقد نزعهم نزعا من الاتجاه إلى البيت الحرام ، واختار لهم الاتجاه - فترة - إلى المسجد الأقصى ، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية ، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية ، وليظهر من يتبع الرسول اتباعا مجردا من كل إيحاء آخر ، اتباع الطاعة الواثقة الراضية المستسلمة ، ممن ينقلب على عقبيه اعتزازا بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ ، أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلبس من قريب أو من بعيد .
( 2 ) قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) [ آل عمران : 144 ] وهذا الآية تتحدث عن أكبر مصيبة ابُتلي بها المسلمون وهي ما أُشيع عن موت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد ، وما كان من آثار ذلك على أصحابه ، فنزلت لتعلم المسلمين الأولين والآخرين أن محمدا رسول من عند الله جاء ليبلغ كلمة الله ، والله باق لا يموت وكلمته باقية لا تموت ، وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل ، وهذه حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول ، وما ينبغي للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأولية البسيطة! { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا } فإنما هو الخاسر الذي يؤذي نفسه فيتنكب الطريق ، وانقلابه لن يضر الله شيئا ، فالله غني عن الناس وعن إيمانهم ، ولكنه - رحمة منه بالعباد - شرع لهم هذا المنهج لسعادتهم هم ولخيرهم هم ، وما ينقلبُ عنه منقلِبٌ إلا سيلاقي جزاءه من الشقوة والحيرة في ذات نفسه وفيمنْ حوله ، وحتى يفسد النظام وتفسد الحياة ويفسد الخلق وتعوج الأمور كلها ، ويذوق الناس وبال أمرهم في تنكبهم للمنهج الوحيد الذي تستقيم في ظله الحياة وتستقيم في ظله النفوس وتجد الفطرة في ظله السلام مع ذاتها والسلام مع الكون الذي تعيش فيه .
فالعقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن ، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة وتتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لا تتزعزع .
فمن ينقلب على هذه العقيدة ، ولا يكون متمكنا منها ، ولا مثبتا في العبادة ، فينقلب على وجهه عند مس الفتنة ، ووقفته المتأرجحة ( على حرف ) تمهدُ من قبل لهذا الانقلاب!
( خسر الدنيا والآخرة ) خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه ، ولم يتماسك له ، ولم يرجع إلى الله فيه ، وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه ، وانكفائه عن عقيدته ، وانتكاسه عن الهدى الذي كان ميسرا له { ذلك هو الخسران المبين } يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى ، إلى جوار خسارة المال أو الولد ، أو الصحة ، أو أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده ، ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان . فيا له من خسران!
( 4 ) قوله تعالى : ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) [الشعراء : 227] وفيها بشارة بنهاية الظالمين وأثر ظلمهم وانقلابهم ، فما أروع آيات الله تعالى وكأنها تنزل الآن !
بعد " نكسة يونيو" الجديدة عادتْ حملاتُ الكذب والإرجاف والتعويق والتثبيط لهمم الناس، بنفس الغباء فقد ختم الله على قلوبهم وأبصارهم وعقولهم ، وبدأتُ أسمع من بعض الطيبين ، أن الحل في الرضا بالأمر الواقع واستقالة الرئيس الشرعي المنتخب وترك الساحة لمن أفسدوا وأجرموا واستكبروا في الأرض بغير الحق ، وهذا ما يريدون كما حاولوا وفشلوا في يناير التي نسوها الآن وبدأوا في بدعتهم الجديدة " ثورة يونيو " في كل قنواتهم الدجَّالة ، فاحذروا من التثبيط والمعوقين والمرجفين يرحمكم الله!
أيها السادة الكرام ، إنما هو حلٌّ واحدٌ في نظري : لا تراجع أبدا ولا استسلام عن حماية الحق والشرعية ومكتسبات الناس التي ضاعت عقودا من الزمن ، وإلا سيكون العقاب الإلهي شديدا ، وقد يجعلُه على أيدي جلادينا ممن استكبروا في الأرض بغير الحق ، لابد من استرداد الثورة الحقيقية على الظلم والاستخفاف بحقوق العباد والبلاد فلا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ، واحشدوا واصبروا إن وعد الله حق ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون ، وانظروا إلى الأطفال الذين لن يرحموا من رضي بالذل وورثه لهم .
وأخيرا : أعلمُ أن الله سبحانه على كل شيء قدير وأنه سبحانه قد أحاط بكل شيء علما ، ولذلك أرى والله تعالى أعلى وأعلم أن الله أراد بمصر وأهلها خيرا ، وشيئا هو أعلم به منا، ونحن منتظرون تنفيذ إرادته إن شاء الله - بأيدينا أو بقدرته القاهرة ، فانتظروا إنا منتظرون، واعملوا إنا عاملون ، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
بُشرى : آخر ما استمعتُ إليه قبل الانتهاء من هذا المقال آيات كريمة بصوت القارئ الشيخ أبي العينين شعيشع رحمه الله بدأها - والله - بقوله تعالى : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) [القصص : 5]
وآخر ما استمعت إليه - والله - قوله تعالى : (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) [القصص : 7] وبعد انتهاء القراءة سمعت المؤذن يقول : الله أكبر الله أكبر ، مناديا لصلاة المغرب !!!!!!!!
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين