حقيقة الإرهاب ومن هم الإرهابيون؟!!

حقيقة الإرهاب ومن هم الإرهابيون؟!!

التصنيف: فقه الدعوة
الثلاثاء، ٤ شعبان ١٤٣٧ هـ - ١٠ أيار ٢٠١٦
896

 

رهب: الرَّهْبة والرَّهْبُ: مخافة مع تحرز واضطراب، قال تعالى: ?لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ? [الحشر:13] أي: يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله، كقوله تعالى: ?إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً? [النساء:77]، وقال تعالى: ?وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ? [القصص:32] أي: الفزع، وقال قتادة: من الرُّعب مـمَّا حصل لك من خوفك من الحيَّة. والظَّاهر أنَّه أُمر عليه السَّلام إذا خاف من شيءٍ أن يضمَّ إليه جناحه، أي: يضع يده اليمنى على فؤاده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف.

وقال تعالى: ?إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ? [الأنبياء:90] أي: إنَّهم كانوا يسارعون في عمل القربات وفعل الطاعات، ?وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا? قال الثوري: رغبًا فيما عندنا، ورهبًا مما عندنا، ?وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ? قال ابن عباس: أي: مصدقين بما أنزل الله، وقال أبو العالية: خائفين، وقال الحسن وقتادة والضَّحاك: ?خَاشِعِينَ? أي: متذللين لله عزَّ وجلَّ، وكلُّ هذه الأقوال متقاربة.

وقال تعالى: ?عِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ? [الأنفال:60] أي: أعدُّوا مهما أمكنكم ?من قوة، وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ? أي: من جميع أنواع الأسلحة والآلات التي تكون لكم قوة في الحرب على قتال عدوكم؛ ?تُرْهِبُونَ? أي: ?تخوفون بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ? أي: من الكفار، ?وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ? قال مقاتل: هم المنافقون. قال ابن كثير: وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُم [التوبة:101].

وقال تعالى: ?قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيم? [الأعراف/116].

?فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ? أي: خيّلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرّد صنعة وخيال، كما قال تعالى: ?وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى? [طه:66] فإذا حيَّات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي، يركب بعضها بعضًا، وقال السُّدِّي: كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل، ليس رجل منهم إلَّا ومعه حبلٌ أو عصا، ?فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ? يقول: فَرَقوهم أي: من الفَرَق، حتَّى يخيَّل إليه من سحرهم أنَّها تسعى، ولهذا قال: ?وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيم? فمعنى " استرهبوهم " حملوهم على أن يرهبوا.

وقال تعالى: ?يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ? [البقرة:40] ?وَأَوْفُوا بِعَهْدِي? الذي أخذت في أعناقكم للنَّبيِّ إذا جاءكم، ?أُوفِ بِعَهْدِكُمْ? أرضى عنكم وأدخلكم الجنَّة، ?وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ? فاخشون، وإيَّاي وحدي فخافوني في نقضكم العهد، وفي جميع ما تأتون به وتزرون، ولا تخافوا غيري من الشُّركاء.

والتَّرهَّب: التعبُّد، وهو استعمال الرَّهبة، والرَّهبانيَّة: غلوٌّ في تحمل التَّعبد من فرط الرَّهبة، قال تعالى: ?وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا? [الحديد:27] أي: ابتدعوها من عند أنفسهم، ?مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ? إنَّما قصدوا بذلك رضوان الله، كما قال سعيد بن جبير وقتادة، أو ما كتبنا عليهم ذلك، إنَّما كتبنا عليهم ابتغاء – طلب – رضوان الله. ثمَّ يذكر المفسرون أحاديث تبيِّن أن رهبانيَّة هذه الأمَّة الجهاد.

[ انظر المفردات في غريب القرآن/269، وانظر تفسير الآيات في تفسير ابن كثير وغيره من التفاسير].

لقد أجمع المفسرون وعلماء اللُّغة على أنَّ الرهب والرهبة تعني: الخوف، واسترهبوهم: حملوهم على الخوف.

والإرهاب موجودٌ في هذه الدُّنيا، ولكن هناك إرهابٌ يحقِّق الخير والسَّعادة للنَّاس، وهناك إرهابٌ هو إخافة للنَّاس من أجل التَّسلُّط عليهم واستعبادهم.

أولاً: الإرهاب أو الرَّهبة التي تحقِّق الخير والسَّعادة للنَّاس أنواعٌ:

1ـــــ هناك رهبةٌ بسيطةٌ، أي: خوفٌ قليلٌ مشوبٌ بالهيبة والوقار مثل الهيبة من الإمام – رأس الدَّولة الإسلاميَّة – وهذه الهيبة تعين المؤمنين على طاعة الإمام في غير معصية الله تعالى، أي: طاعة تنظيميَّة، لا طاعة عبوديَّةٍ، وتمنع المجرمين أو من تحدثهم أنفسهم الأمَّارة بالسوء من الوقوع في الأعمال التي حرَّمها الله الخالق، لأنَّها جرائم تضرُّ بالجماعة، حيث تمنع تسلُّط المجرمين على أموال النَّاس وأعراضهم ودمائهم «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [صحيح مسلم:2/886]. 

2ـــــ رهبةٌ بسيطةٌ هي في حقيقتها هيبةٌ واحترامٌ للوالدين، تحقق التَّربية والتَّوجيه إلى ما فيه خير للنَّاشئة.

3ـــــ إرهاب جنود الإسلام للمتسلطين في الأرض:

الجهاد في الإسلام: هو بذل الجهد واستفراغ الوسع؛ لتكون كلمة الله هي العليا؛ أي: ليكون دين الله هو المستقرُّ في أرض الله، لا دين عبيد الله المتسلِّطين في أرض الله على المخلوقات البشرية.

والأصل في ذلك بذل الجهد في الدَّعوة إلى الله وتبصير النَّاس وتعريفهم بخالقهم؛ ليطيعوه، ويتحرروا عن الطَّاعة والتَّبعية لسواه، قال تعالى: ?قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ? [يوسف:108]، فلا إكراه في ديننا للنَّاس حتَّى يطيعوا الله، إنَّما هو بيانٌ وتعريفٌ، قال تعالى: ?لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ? [البقرة:256]، وقال: ?أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِي? [يونس:99].

أمَّا القتال بالسِّلاح، فإنَّما يلجأ إليه المسلمون عند الضَّرورة، وذلك عندما يعتدي عليهم الطُّغاة المتسلِّطون – الكفار – أو يمنعونهم من حرِّيتهم في تعريف النَّاس بربهم وخالقهم.

فالقتال في الإسلام إنَّما هو قتال تحريرٍ، لا قتال إرهابٍ، قال تعالى: ?وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ? [النساء:75].

أمَّا قوله تعالى: ?وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُم? [الأنفال:60] (وهم المنافقون، وخطرهم يكون أحيانًا أشدُّ من خطر العدو الخارجي)، فليس المراد به إرهاب النَّاس للتَّسلط عليهم؛ إنَّما هو لردع من تسوِّل له نفسه من الطُّغاة والمتسلِّطين، فيخاف ويمتنع من التَّسلُّط والعدوان والطغيان.

فقوله سبحانه: ?تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ? أي: إذا كان عدوكم يريد العدوان أو يُعدُّ له، فإنَّه يخاف من قوَّتكم إذا أعددتم له قوَّة، ويرتدع عن العدوان. فهذا إرهاب ردع للمجرم المعتدي، وليس إرهاب تسلُّطٍ وطغيانٍ. (فهو لاستقرار الأمن والسلم).

فالقصد – في الإسلام – تحقيق السلم والأمن الحقيقي عندما نمنع الطُّغاة والمتسلِّطين من العدوان والظُّلم. إذن فالمراد من كلمة " ترهبون " في الآية هو إرهاب الذي يريد العدوان، فهو إرهاب يفضي إلى السِّلم ويحققه، إنَّه إرهاب سلامٍ، لا إرهاب تسلُّطٍ وطغيانٍ، وهذه الأنواع الثَّلاثة من الإرهاب تحقق الخير في المجتمع المسلم وفي المجتمع الدُّولي.

يحقق الخير في الفرد من حيثُ التَّربية والتَّعليم لمن يعاند ويشاكس من الأطفال الذين لا ينفع معهم الإغراء والتَّشجيع.

ويحقق الخير في المجتمع المسلم بإرهاب المجرمين ومنعهم من جرائم الإفساد والتَّسلط على الأموال والأعراض والدِّماء، عندما تتطلَّع نفوسهم إلى الإجرام، فيخافون من العاقبة ويحجمون عن الجريمة، والدَّفع أسهل من الرَّدع.

كما يتحقق الخير في المجتمع الدُّولي حين ترتدع الدُّول الطَّاغية التي تحاول التَّسلُّط على المجتمعات الأخرى، بقصد الإذلال أو استلاب الثَّروات والمعادن.

ثانياً: الإرهاب الذي يعتبر خطرًا وضررًا على بني الإنسان أفرادًا وجماعات:

وهو إرهاب المتسلِّطين من الأفراد أو الجماعات على النَّاس بقصد إخضاعهم واستسلامهم لسلطتهم، ومنعهم من حريَّاتهم الإنسانيَّة.

ويكون هذا الإرهاب من الحكام الديكتاتوريين، كالحكم العسكري وحكم الاستخبارات والتَّجسس على النَّاس، حيثُ يتسلَّط فيه رئيسٌ عسكريٌ تسلَّم السُّلطة بانقلابٍ على السُّلطة المدنيَّة، أو رئيس وزراء أو أمير أو ملك أو ما أشبه أيًّا كان اسمه: ويقتل أو يسجن ويعذِّب كلَّ من خالفه أو امتنع عن الخضوع له، واسم هذا الإرهابي المتسلط في القرآن (فرعون)، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن أبي جهل: (إنَّه فرعون هذه الأمَّة).

وهذا النَّوع هو تسلُّطٌ مباشرٌ من إنسانٍ مخلوقٍ على عباد الله، والأصل أن يأخذ النَّاس حريَّتهم في طاعة الله وعبادته، أو طاعة غير الله، فمن أطاع الله فقد أصاب الحريَّة الحقيقيَّة، حيثُ تحرر من العبوديَّة لغير الله الخالق المالك، ومن أطاع غير الله بإرادته دون إكراه، فقد تحرر ظاهرًا من هذا المخلوق، وعبد وأطاع غيره من آلهة أخرى كالأهواء والشَّهوات التي تجعله عبدًا لغير الله: ?أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيل? [الفرقان:43].

فإكراه النَّاس على طاعة الديكتاتور العسكري أو الديكتاتور المدني، الذي يستعين بجنوده وبمخبريه الذين يتجسسون على النَّاس، فيعذبونهم أو يخيفونهم؛ ليكرهوهم ويلزموهم طاعة زعيمهم، وترك طاعة غيره، وربما يصل الأمر إلى تعذيب من يخرج عن طاعة هذا الطَّاغوت، أو يدعو  للخروج عن الطَّاعة في أقبية التَّعذيب بأصناف أدوات التَّعذيب، التي هي وصمة عارٍ في جبين الإنسانيَّة التَّائهة، وكثيرًا ما يصل التَّعذيب إلى الموت.

والذي يقتل النَّاس أمام بعضهم في محاكم يسميها محاكم ميدانية يقيمها على الحواجز العسكريَّة، أو دون محاكم عسكريَّة؛ ليرهب الآخرين ويخيفهم حتَّى يذلوا له ويطيعوه خوفًا، وربما ذبحوا الأطفال أو النِّساء أو الشباب ذبحًا بالسَّكاكين كما تُذبح النِّعاج أمام أعين الآخرين، كما حصل في عهد الطَّاغية المجرم بشار الأسد، فأفعال هذا الظَّالم المتسلِّط، واستعلاؤه على النَّاس بالقهر والإذلال هو الإرهاب، ويسمى هذا المتسلط (إرهابي): ?إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ? [القصص:4].

فرعون موسى استحيا النِّساء ولم يقتلهم، وفرعون القرن العشرين قتل النِّساء والأطفال، وفرعون موسى كان يعمل لصالحه وصالح قومه الأقباط، أمَّا فرعون القرن العشرين فإنَّه يقتل شعبه نيابةً عن دولة اليهود لئلا يشكلوا خطرًا على اليهود في فلسطين.

وقد تنزل جنود دولةٍ من الدُّول – كأمريكا أو غيرها – أراضي دولةٍ أخرى، فتقتل وتبطش، حتَّى يخاف النَّاس ويخضعوا ويذلوا للذي تنصِّبه أمريكا من عبَّادها وعملائها المطيعين لها، ويصبح شعب هذه الدَّولة جميعًا عبيدًا مطيعين لهذا العميل الخائن لوطنه وشعبه؛ لأنَّه يعبد أمريكا ويطيعها في تحقيق مصالحها، وإن كان بعض العملاء بالاتفاق سرًا مع سيدته أمريكا يشتمها علنًا، وينفذ أوامرها سرًا؛ ليظنَّ السُّذَّج من النَّاس في هذا العميل أنَّه ضدَّ أمريكا وإسرائيل، فيخدعون به ويطيعونه طاعةً عمياء – أي: طاعة عبوديَّةٍ عن رضًا ودون إكراه -.

فقتال أمريكا للشُّعوب هو إرهابٌ؛ لأنَّه تسلطٌ على آخرين بالقوَّة والسِّلاح والقتل والبطش، وقيام عملاء أمريكا بالقتل والسِّجن والتَّعذيب لمن يخالف أوامرهم فيما تريده أمريكا، أو ما يريدونه هم هو إرهاب أيضًا، وهؤلاء العملاء هم إرهابيون لا الشُّعوب التي تريد التَّحرر منهم.

وأمريكا أيضًا دولة إرهابية، بل هي قمة في الإرهاب؛ لأنَّها أصل الإرهاب، الذي مكَّنت فيه عملاءها الإرهابيين بقوَّة السِّلاح؛ ليرهبوا شعوبهم من أجل التَّسلط على عباد الله من البشر واستعبادهم.

وهؤلاء الببغاوات – الآن – يطلقون نفس الألفاظ التي تطلقها الدُّول الإرهابيَّة المتسلِّطة على شعوب الشَّرق الأوسط والأدنى، فقد استبدل الإرهابيون من الدُّول التي يسمونها (الدُّول العظمى) طريقة الاستعباد والتَّسلط، التي كانت أيام عصبة الأمم.

فهيئة الأمم المتَّحدة نظام عالمي جديد، جهزت فيه الدُّول الإرهابيَّة المتسلطة (الاستعمار القديم) من أيام تسلطها القديم، عملاء لها في تلك الدُّول، ومكنتهم بجنود فاسدين تربُّوا على الطَّاعة العمياء – العبودية – فأفسدوا كثيرًا من الشُّعوب، وتسلَّطوا عليهم واستعبدوهم وأذلوهم بالإرهاب ووسائله المتنوعة.

وإذا ثارت الشُّعوب على طواغيتها ومستعبديها، أذاقوا شعوبهم سوء العذاب بالقمع بأصناف الأسلحة التي صدَّرها لهم الغرب لقمع الشعوب وإرهابهم، لا للدِّفاع ضدَّ العدوِّ الخارجيِّ، وإذا اشتدَّت ثورة الشُّعوب نعتوها بالإرهاب؛ أي: إذا جاهدت الشُّعوب المسلمة لتتحرر من المتسلطين داخل بلادهم أو خارجها نعتوهم بالإرهاب. أضحت كلمة الإرهابيين تطلق على كلِّ الذين يحاولون دفع الظُّلم والتَّسلُّط، بدل إطلاقها الصَّحيح على الظُّالم المتَّسلُّط.

فالمسلمون الذين يقاومون الظُّلم والطُّغيان إرهابيون في نظر أمريكا والغرب والمتَّسلِّطين من عملائهم، والفلسطينيُّون الذين يقاومون الاحتلال إرهابيون أيضًا، كما قالت الحكومة الامريكيَّة المتصهينة.

وردَّد كثيرٌ من حكَّام العرب وغير العرب ذلك كالببغاوات دون أن يفهموا معنى الإرهاب ولا حقيقته، وربما كان بعضهم يفهم ويعلم، غير أن هذا المفهوم المعكوس يمكنه من سحق كلِّ من يناوئه ويخرج عن سلطانه، أو ينادي بالتَّحرر من الظُّلم والاستعباد.

والحقيقة أن الدَّيكتاتوريين الذين تسلَّطوا على شعوبهم بالعنف العسكري، أو بالانتخابات المزورة – خفيًّا كان التَّزوير أو ظاهرًا – هم الإرهابيون، وإخافتهم لشعوبهم بالقمع والتَّعذيب والسجن والقتل هو الإرهاب، وكل من قمع الحريات بالعنف هو إرهابيّ، وفعله إرهاب.

وعلى الصَّعيد الدُّولي: فإنَّ أمريكا رأس الطُّغيان والتَّسلط على شعوب الأرض، وقد تسلَّمت قيادة استعباد شعوب الأرض من إنكلترا، التي بقي لها في بعض بقاع الأرض تسلُّط باسم الصَّداقة البريطانيَّة، وهي تساعد أمريكا في تسلُّطها على الشُّعوب الإسلاميَّة، عن بُعْد أو قُرْب، أي: بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ، وبقي لفرنسا أيضًا تسلطٌ غيرُ مباشرٍ في كثيرٍ من دول إفريقيا، وإذا ظهر خطر المسلمين في القارة السَّوداء، تُنْزل فرنسا جنودها، ليساعدوا عميلهم في قمع المجاهدين المسلمين لإخضاعهم ومنعهم من التَّحرر، أو سلب حريتهم.

فالإرهاب الإجماليُّ الحقيقيُّ إرهاب أمريكا، ويتبعها الدُّول الدَّائمة العضويَّة في مجلس الأمن – مجلس الظُّلم والإرهاب -؛ لأنَّ الأمر قد هيَّأوه ونظَّموه على طريقة حديثةٍ – خبيثةٍ – تخالف ما كانوا يسمونه الاستعمار، الذي كان قديمًا في عصبة الأمم المتَّحدة.

إنَّهم جعلوا أمور العالم أجمع بيدهم، ووضعوا " الفيتو " سلاحًا خفيًّا يمنعون به كلَّ تصرفٍ يهدم أو يقف في وجه مخططاتهم في التَّسلط والاستعباد الخفيِّ أو الظَّاهر، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.

إنَّ الكذب وتشويه الحقائق، حيثُ تُقلب المفاهيم، فيطلقون على الحق باطلًا وعلى الباطل حقًا، نتيجة الكذب والافتراء الذي يتردد في أكثر وسائل الإعلام في العالم، فيشوِّه الحقائق ويطمسها، هذا هو الذي يسمى في العرف الإسلامي " الدَّجل " ، وقد بينه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم منذ خمسةَ عشرَ قرنًا، ولكن كثيرًا من المسلمين أو الذين يدّعون الإسلام قد هجروا كتاب ربهم، وتركوا سنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد تحدث النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عن الدَّجال، ووصفه وصفًا دقيقًا في حديث صحيح طويل، وحذر الأمَّة منه، كما حذَّر الأمَّة الإسلاميَّة من بوادر الدَّجل ومباديه، التي تظهر قبل الدَّجال فقال: " الدَّجال يسبقه دجالون " وفي رواية: " سبعون دجالًا " ، وحذر الأمَّة من الحكام والأمراء الدَّجالين الكذَّابين، الذين يظهرون قبل خروج الدَّجال، فقال: " لا أخاف عليكم الدَّجال، فإن خرج وأنا بين أظهركم فأنا حجيجه، وإن خرج بعدي فالمرؤ المؤمن حجيج نفسه، لكن أخوف ما أخاف عليكم أئمَّة السوء منكم " .               

المصدر : مجلة الحميدية العدد الثالث

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...