حَقائِقُ عشر تُوجب العَفوَ والبرّ

حَقائِقُ عشر تُوجب العَفوَ والبرّ

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ٢٣ ذو الحجة ١٤٣٩ هـ - ٣ أيلول ٢٠١٨
966

إلى من نزغ الشيطان بينه وبين أهله وإخوانه ، فآثر القطيعة والهجر على سلامة الصدر ، والعفو والبرّ .. أهدي إليك هذه الحقائق الإيمانيّة الواعظة ، عسى أن تجد عقلاً راشداً ، وقلباً منيباً .. وكلّ حقيقة منها جديرة أن تكون مُغنيةً كافية ..

1) حَقائِقُ قرآنيّة ذات آفاق واسعة ، وأبعاد متنوّعة : 

أ ـ يقول الله تعالى : {... أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[النور:22] . 

ب ـ ويقول سبحانه : {... فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}[الشورى:40] . 

ج ـ {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشعراء:88 ــ89] . 

د ـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيم}[التغابن:14] . 

ويكفيك التدبّر لهذه الآيات ، وما فيها من التوجيه والإرشاد ، والتربية المزكّية للنفس ، لتسارع بالقول بقلب مطمئنّ : ( سمعنا يا ربّنا وأطعنا .. ) .

2) ـ إنّ أمراض القلب يأخذ بعضها برقاب بعض ، ويقود أدناها إلى شرّها وأخبثها ، فيكون الخلاص منها أصعب وأشقّ .. فالغلّ والحقد يقود إلى الحسد والكِبْر ، وهما شرّ ما عُصي به الله عزّ وجلّ .. 

3 ) ـ إنّ خير ما يدعو المؤمن إلى العَفو والبرّ أن يتفكّر بآثار كلا الحالين : على قلبه وإيمانه ، ونفسه وراحة ضميره ، أفلا يستحقّ ذلك منه أن يضحّي ببعض هواه .؟؟ 

4 ) ـ العَفو والبرّ حبّاً وإكراماً لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يقول الإمام الشافعيّ رحمه الله :

من نال منّي أو علقت بذمّته * * * سامحته لله راجي منّته 

كيلا أعوّق مؤمناً يوم الجزا * * * ولا أسيء محمّداً في أمّته 

5) ـ العَفو والبرّ من علامات محبّة الله تعالى للعبد ؛ فإذا أحبّ الله تعالى عبداً جعل فيه كلّ ما يحبّ من الأخلاق والصفات ، وإذا أبغض الله تعالى عبداً جعل فيه ما يبغض من الصفات .. وهذا ما يوجب أن يكون تعاملك مع الخالق لا الخلق ..

6) ـ العَفو والبرّ مجاهدةً للنفس على ما يرضي الله تعالى ، والله تعالى يقول : {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ}[العنكبوت:69] . 

7) ـ وعليك بالعَفو والبرّ حرصاً على راحة النفس ، وصفاء القلب ، وسعادة الوقت ، وإذا لم تعف فإنّ وقتك في ليلك ونهارك في ضيق وغمّ ، وكرب وهمّ . 

8) ـ العَفو والبرّ خوفاً وحذراً من أن تقع في معاداة أحد من أولياء الله تعالى ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّ اللَّهَ قَالَ : مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ .. » . صحيح البخاري (8/ 105) . 

9) ـ وإذا كنت محبّاً لله بصدق فإنّك تؤثر مرضاة الله تعالى على حظّ نفسك ، فمحبّة الله تعالى توجب عليك التخلّي عن حظوظ نفسك ، وهي ليست دعوى تدّعى باللسان .. والله تعالى يقول : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ .. }[البقرة:165] .

10) ـ وعليك بالعَفو والبرّ رغبة أن تكون من أهل الجنّة ، ومريداً للآخرة ، كما جاء في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ تَنْطُفُ لِحْيَتُهُ مَاءً مِنْ وَضُوئِهِ مُعَلِّقٌ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ مَرْتَبَتِهِ الأُولَى ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ مَرْتَبَتِهِ الأُولَى ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّبَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِي فَقَالَ : إِنِّي لاَحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لاَ أَدْخَلَ عَلَيْهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَحِلَّ يَمِينِي فَعَلْتَ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ أَنَسٌ : فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِي يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ لَيْلَةً أَوْ ثَلاَثَ لَيَالٍ ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ بِشَيْءٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ ، وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلاَةِ الفَجْرِ فَيُسْبِغَ الْوُضُوءَ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ : غَيْرَ أَنِّي لاَ أَسْمَعُهُ يَقُولُ إِلاَّ خَيْرًا ، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلاَثُ لَيَالٍ كِدْتُ أَحْتَقِرُ عَمَلَهُ ، قُلْتُ : يَا عَبْدَ اللهِ ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ وَالِدِي غَضَبُ وَلاَ هِجْرَةٍ ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلاَثِ مَجَالِسَ : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَطَلَعْتَ أَنْتَ تِلْكَ الثَّلاَثَ مَرَّاتٍ ، فَأَرَدْتُ آوِي إِلَيْكَ فَأُنْظِرُ عَمَلَكَ ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَبِيرَ عَمَلٍ ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْتَ ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي ، فَقَالَ : مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لاَ أَجِدُ فِي نَفْسِي غِلًّا لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ، وَلاَ أَحْسِدُهُ عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو : « هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ ، وَهِيَ الَّتِي لاَ نُطِيقُ » . رواه النسائي في السنن الكبرى (9/ 318) .

ولتكن لك أسوة بأبِي ضَمْضَمٍ رضي الله عنه ، كما جاء في الحديث عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي ضَمْضَمٍ » قَالُوا : وَمَنْ هُوَ أَبُو ضَمْضَمٍ ؟ قَالَ : « رَجُلٌ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي وَعِرْضِي ، فَلَا يَشْتُمُ مَنْ شَتَمَهُ ، وَلَا يَظْلِمُ مَنْ ظَلَمَهُ ، وَلَا يَضْرِبُ مَنْ ضَرَبَهُ » . رواه البزّار في مسنده (13/474) ، والطبراني في مكارم الأخلاق (ص : 330) .

11) ـ والعَفو والبرّ عنوان من يُرِيدُ الآخِرَةَ ، يقول الله تعالى : {... مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ...}[آل عمران:152] ، فهل أنت ممّن يريد الآخرة بصدق فاعف واعتذر .؟ 

فإن أبيت العَفو بعد كلّ هذه الحقائق الموجبة للعفو وسلامة الصدر فاعلم أنّك تؤثر الحظّ العاجل الزائل ، على الأجر العظيم ، والفضل والتكريم .. ولا أملك لك شيئاً ، فهذا اختيارك .. وسترى عواقب أمرك .. ولله الأمر أوّلاً وآخراً . 

ولكن لا تدّعي أنّك ممّن يريد الآخرة ، فتخدع نفسَكَ وتخدعُك .. فليست الآخرة بالدعاوى ولا الأمنيات ..

واختم بالقول قطعاً لدابر وساوس الشيطان : إنّ اعتذارك ولو كنت محقّاً فيما تظنّ يزيدك عند الله فضلاً ونبلاً ، ومغفرة وأجراً .. فلا يخدعنّك الشيطان عن المسارعة إلى الاعتذار .. ولعلّك تذكر قول نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم ولا تنساه : « .. وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام » . 

حتّى ولو كنت تريد الدنيا فلمصلحة دنياك أن تعفو وتعتذر .. لأنّ الجماعة تستغني عن الفرد ، والفرد لا يستطيع أن يستغني عن الجماعة ، والمَرء قويّ بإخوانه .. وليست عاقبة القطيعة إلاّ الإثم والندامة .. فانظر لنفسك خير شأنيك في الدنيا والآخرة ، ولا تكن ممّن يريد أن ينفع نفسه فيضرّها .. والحمد لله ربّ العالمين .

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...