
في العشرين من شوال من سنة 817 توفي في زَبيد باليمن، عن 88 عاماً، الإمام اللغوي المحدث المفسر صاحب القاموس المحيط مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي الفيروزابادي، نسبة إلى فيروزاباذ، وهي بلدة جنوبي شيراز في ولاية فارس في جنوب شرقي إيران.
ولد الفيروزابادي سنة 729 في بلدة كارِزين جنوبي فيروزاباد، وقال عن بلده في القاموس المحيط: وإليه ينسب محدِّثون وعلماء. ونشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع، وأتقن الخط حتى نسخ كتابين من كتب اللغة، وانتقل إلى شيراز وهو ابن ثمان، وأخذ الأدب واللغة عن والده وغيره من علماء شيراز، وسمع فيها في سنة 745 صحيح البخاري على شمس الدين محمد بن يوسف الأنصاري الزرندي المدني، وقرأ عليه جامع الترمذي درساً بعد درس.
وانتقل الفيروزابادي إلى العراق في سنة 645، فأخذ عن علماء بغداد الحديث، وقرأ علي سراج الدين عمر بن علي القزويني صحيح البخاري ومشارق الأنوار للصاغاني، وعمل معيداً في المدرسة النظامية عند الشيخ شرف الدين عبد الله بن بكتاش قاضي بغداد.
ثم عاد الفيروزابادي إلى شيراز وأراد الحج في سنة 647 وكان متزوجاً، فمنعه أهل زوجته عن السفر إلا إن علق طلاقها بمضي ستة أشهر على غيابه، فأجاب مكرها، وحج وارتحل وعاد بعد سنين فأراد إرجاعها، وشكى أمره إلى قاضي شيراز، وكان إذ ذاك مجد الدين إسماعيل بن يحيى التميمي الشيرازي البالي، المولود سنة 662 والمتوفى سنة 756، وكتب له في ذلك بضعة أبيات منها:
ألا من مبلغ عني كتابا ... إلى قاضي قضاة المسلمينا
بِحَال أن قومي أكرهوني ... بأن علِّق طَلَاقك مكرِهينا
فأجابه القاضي بديهة عادّا إياه سليل بيت علم وفضل:
ألا يَا قدوة الفضلاء إني ... أعدك صادقا بَرا أمينا
سليلا للأُسى الأمجاد؛ مجدا ... غَدا للدَّست صَدرا أو يَمِينا
... سأحكم بينكم حكما مُبينا
ولكن إِن حَلَفت لهم يَمِينا ...
وذلك نَص شرع الله فيهم ... وأما الشيخ حاشا أن يَمِينا
وفي أبيات القاضي السابقة سقط كما أشار الأستاذان محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح الحلو، رحمهما الله، في تحقيقهما لطبقات الشافعية للسُبكي.
ودخل الفيروزابادي بلاد الشام سنة 755 فسمع بها، وأقام بالقدس الشريف عشر سنوات، مدرساً فظهرت فضائله وكثر الأخذ عنه.
ثم دخل الفيروزابادي القاهرة ولقي بها إمامين كبيرين من أئمة النحو واللغة، أولهما بهاء الدين ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن، المتوفى سنة 769 عن 75 عاماً، وصاحب شرح ألفية بن مالك، والثاني ابن هشام، عبد الله بن يوسف المتوفى سنة 761 عن 53 عاماً، ومؤلف كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، وكتاب أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك وغيرها من المؤلفات العديدة في النحو.
ثم جال الفيروزابادي في البلاد الشمالية والمشرقية ودخل بلاد الروم، أي الأناضول، ورحل إلى الهند، ولقي جمعا من الفضلاء وحمل عنهم من العلم شيئاً كثيرا.
ثم عاد من الهند على طريق اليمن قاصداً مكة، فلما وصل عدن في رمضان سنة 796 وعلم به ملك اليمن أرسل إليه ألف دينار مصروفا، ليتجهز بها للوصول إليه، وطلبه للحضور عنده في زَبيد، وكان ملك اليمن آنذاك الملك الأشرف إسماعيل الرسولي، المولود سنة 761 والمتوفى سنة 803، وكان محمود السيرة، موصوفاً بالحلم والعطف وحسن السياسة، وله اشتغال بفنون من الادب والتاريخ والحساب، وله مؤلفات في التاريخ وبخاصة تاريخ اليمن، وأكثرَ من جمعِ الكتب.
ولما وصل الفيروزابادي إلى الملك الأشرف، منحه على الفور ألف دينار أخرى يستعين بها على أموره، فاستقر في كنفه يعمل في نشر العلم، وكثر الانتفاع به، وقرأ السلطان فمن دونه عليه، وكان قاضي قضاتها القاضي جمال الدين محمد بن عبد الله الريمي قد توفي قبل بضع سنوات، فعهد الملك الأشرف للفيروزأبادي بمنصب قاضي القضاة في اليمن.
وفي سنة 798 قرأ عليه السلطان صحيح البخاري، وكان سنده فيه عالياً ومن طرق شتى، وفي رجب من سنة 802 اجتمع الفقهاء بزبيد وقصدوا القاضي مجد الدين الشيرازي، وسألوه أن يسمعهم صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك وكانت القراءة في منزله يومئذ في البستان الذي له عند باب النخل، فاجتمع لذلك خلق كثير من الفقهاء والأعيان واستمرت قراءَة الكتاب إلى أن ختم في الثالث من شعبان وحضر من الناس عالم كثير نحو من ثمانمئة إنسان، وعدة من الأعيان ووجوه الدولة، وأجاز الفيروزأبادي يومئذ كل من سأله الإجازة، قال علي بن الحسن الخزرجي في كتابه العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية: وكنتُ ممن حضر الختم وسألته الإجازة، فأجازني في جميع مقروءاته ومسموعاته ومستجازته ومصنفاته، وكتب خطه بذلك لي ولأولادي وبعض أولادهم، وهو الموجودون يومئذ، جزاه الله خير الجزاء.
واستمر الفيروزابادي بزبيد مدة الأشرف ثم ولده الناصر أحمد، وكان الأشرف قد تزوج ابنته لمزيد جمالها، ونال منه الفيروزابادي برا ورفعة، بحيث أنّه صنف كتاباً وأهداه له على أطباق فملأها له دراهم.
وفي هذه المدة زار الفيروزابادي مكة مرارا، وكان يحب الانتساب إليها ويكتب بخطه: الملتجئ إلى حرم الله تعالى، وجاور بالمدينة والطائف، وكانت له دار بمكة على الصفا عملها مدرسة للأشرف صاحب اليمن وقرر بها مُدرِّسِين وطلبة، وفعل بالمدينة كذلك وله بمنى دور وبالطائف بستان. وكان يرجو وفاته بمكة المشرفة فما قدر الله له ذلك.
ولم يكن إكرام الملك الأشرف ومعاملته الراقية للفيروزابادي أمراً عجباً، فقد حاز الفيروزابادي احترام وتقدير ملوك البلدان التي سافر إليها ودخلها، مثل الشاه منصور بن شجاع صاحب تبريز، والملك الأشرف صاحب مصر، والسلطان العثماني بايزيد بن السلطان مراد، وأحمد بن أويس صاحب بغداد، وقيل إنه اجتمع بتيمور لنك في شيراز فأنعم عليه بمئة ألف درهم.
اقتنى الفيروزابادي كتبا كثيرة نفيسة، حتى نقل عنه أنَّه قال: اشتريت كتباً بخمسين ألف مثقال ذهبا، وكان لا يسافر إلا وصحبته عدة أحمال من الكتب، ويخرج أكثرها في كل منزلة ينظر فيها ويعيدها إذا رحل، ولكنه كان كثير التبذير، فكان إذا أملق باعها، فلذلك لم يُوجَد له بعد وفاته ما كان يظن به من المال.
وكان الفيروزابادي قوي الحافظة، يأخذ نفسه بالعلم والمطالعة والحفظ، قال: لا أنام كل يوم حتى أحفظ مئتي سطر، ولما كان في دمشق قرأ صحيح مسلم على المحدث ناصر الدين محمّد بن جهبل في ثلاثة أيام، فقال:
قرأتُ بحمد الله جامعَ مُسلم ... بجوف دمشق الشام جَوفاً لإسلام
على ناصر الدين الإمام بن جَهْبَل ... بحضرة حُفّاظ مشاهير أعلام
وتمَّ بتوفيق الإله وفضله ... قراءة ضبط في ثلاثة أيام
ورام الفيروزابادي التوجه لمكة في سنة 799 فكتب إلى الملك الأشرف إسماعيل يستأذنه مشيراً لنفسه، من شدة تواضعه، بأقل العبيد:
ومما ينهيه إلى العلوم الشريفة أنه غير خافٍ عليكم ضعف أقلِّ العبيد ورقة جسمه ودقة بنيته وعلو سنه، وقد آل أمره إلى أن صار كالمسافر الذي تحزم وانتعل، إذ وَهَنَ العظمُ بل والرأسُ اشتعل، وتضعضع السن وتقعقع الشِّن، فما هو إلا عظام في جراب، وبنيان مشرف على خراب، وقد ناهز العشر التي تسميها العرب دقَّاقة الرقاب.
وقد مرَّ على المسامع الشريفة غير مرة في صحيح البخاري قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا بلغ المرء ستين سنة فقد أعذر الله إليه. فكيف من نيَّف على السبعين وأشرف على الثمانين؟
ولا يجمل بالمؤمن أن تمضي عليه أربع سنين، ولا يتجدد له شوق وعزم إلى بيت رب العالمين وزيارة سيد المرسلين، وقد ثبت في الحديث النبوي ذلك، وأقلُّ العبيد له ست سنين عن تلك المسالك، وقد غلب عليه الشوق، حتى جلَّ عَمْروه عن الطوق، ومن أقصى أمنيته أن يجدد العهد بتلك المعاهد، ويفوز مرة أخرى بتقبيل تلك المشاهد، وسؤاله من المراحم الحسنية الصدقة عليه بتجهيزه في هذه الأيام، مجرداً عن الأهالي والأقوام، قبل اشتداد الحر وغلبة الأوام، فإن الفصل أطيب والريحَ أزيَبْ، ومن الممكن أن يفوز الإنسان بإقامة شهر في كل حرم، ويحظى بالتملي من مهابط الرحمة والكرم.
وأيضاً كان من عادة الخلفاء سلفاً وخلفاً أنهم كانوا يُبْرِدون البريد عمداً قصداً لتبليغ سلامهم إلى حضرة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، فاجعلني - جعلني الله فداك - ذاك البريد، فلا أتمنى شيئاً سواه ولا أريد:
شوقي إلى الكعبة الغراء قد زادا ... فاستحمِلِ القُلُصَ الوَّجادة الزادا
واستأذِنِ الملك المنعام زِيدَ عُلاً ... واستودِع الله أصحاباً وأولادا
فلما وصل كتابه إلى الملك كتب في طرة الكتابة: إن هذا شيء لا ينطق به لساني ولا يجري به قلمي، فقد كانت اليمن عمياء فاستنارت، فكيف يمكن أن تتقدم وأنت تعلم أن الله تعالى قد أحيا بك ما كان ميتاً من العلم؟ فبالله عليك إلا ما وهبت لنا بقية هذا العمر؟ والله يا مجد الدين، يميناً بارة، أني أرى فراق الدنيا ونعيمها ولا فراقك أنت اليمن وأهله.
بارك الله عز وجل للإمام الفيروزابادي في وقته وفكره، فتمكن من إنجاز مؤلفات كثيرة في اللغة والحديث والتفسير والسيرة والتاريخ أغلبها في عدة مجلدات، منها شرح لصحيح البخاري أنجز منه 20 مجلداً، سماه مُنَح الباري بالسيح الفسيح الجاري في شرح البخاري، وكتاب شوارق الأسرار في شرح مشارق الأنوار، وصنف للملك الأشرف كتاباً سماه الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد، في أربعة أسفار. وصنف لولده الناصر كتاباً سماه تسهيل الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول، في أربعة مجلدات، وكتاب بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، وألف في اللغة كتاباً على المجمل لأحمد بن فارس القزويني، المتوفى سنة 398، أخذ عليه فيه ألف موضع قال إنه وهم فيها، ومع هذا كان يثني على صاحبه ابن فارس. وصنف في التراجم كتاب البُلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، وكتاب الألطاف الخفية في أشراف الحنفية، وكتاب المرقاة الأرفعية في طبقات الشافعية.
وللفيروزابادي كتاب سِفر السعادة كتبه بالعربية والفارسية، قال عنه صديق حسن خان: ما أجمعه وأصحه وأوعاه لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وما أليقه للعمل لمريد السنة. وله كتاب الإصعاد إلى الاجتهاد، ذكر المؤرخون أنه لما فرغ من كتابه هذا حُمل الكتاب إلى باب السلطان مرفوعا بالطبول والأغاني، وحضر سائر الفقهاء والقضاة والطلبة وساروا بالكتاب إلى باب السلطان، وهو ثلاث مجلدات يحمله ثلاثة رجال على رؤوسهم، فلما دخل على السلطان وتصفحه أجاز مؤلفه بثلاثة آلاف دينار.
كتب الفيروزابادي بضعة وأربعين كتاباً، ولكن أهمها كتابه القاموس، وصارت من بعده كلمة القاموس علماً على كل معجم، والقاموس: البحر أو أبعد موضع فيه غورا وقيل وسطه ومعظمه. وقد سمى الفيروزابادي معجمه: القاموس المحيط، والقابوس الوسيط، الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط. وعنى بالقاموس المحيط هنا: البحر الأعظم، ولما كثر تداوله اكتُفِيَ من اسمه بالقاموس، ثم انتقل منه إلى ما ماثله فشمل المعاجم اللغوية السابقة واللاحقة وصارت كلمة القاموس مرادفا للمعجم.
وقد أراد له الفيروزابادي لمؤلَفه أن يكون جامعا موجزا في الوقت ذاته، فحذف منه الشواهد، واستخدم الرموز مكتفيا بكتابة (ع، د، ة، ج، م) عن موضع وبلد وقرية والجمع ومعروف.
وأسس الفيروزابادي عمله، فيما أسس، على كتاب الصحاح الذي صنفه الإمام اللغوي المحدث إسماعيل بن حماد الجوهري المولود في فاراب، والمتوفى سنة 393 في نيسابور، وهو يحاول الطيران بجناحين صنعهما من باب خشبي، وميز الفيروزابادي زياداته على الصحاح باللون الأحمر، وكان أولاً ابتدأ بكتاب كبير في اللغة سماه اللامع والـمَعْلم العُجاب، الجامع بين المحكم والعباب، وزيادات امتلأ بها الوطاب. وكان يقول لو كمل لكان مئة مجلد. ومدحه الأديب نور الدين بن محمّد العفيف المكي الشافعي بقوله:
مُذْ مدَّ مجد الدين في أيامه ... من فيض أبحرِ عِلمِه القاموسا
ذهبت صحاح الجوهري كأنها ... سحر المدائن حين ألقى موسى
وقد ألف الفيروزابادي القاموس في سنة 768 وقد قارب الأربعين من عمره، كما نقل ذلك عنه الزبيدي في تاج العروس في مادة: وجد. ولكنه في مقدمة النسخة التي بين أيدينا قدَّمه إلى الملك الأشرف إسماعيل: سلطانُ سلاطين الإسلام... ممهِدُ الدين ومؤيِّدُه، مسدِّدُ الملك ومشيدُه. وتوجد هذه النسخة في مكتبة الصدر الأعظم محمد كوبريلي باشا في استانبول وهي مما نقله العثمانيون من اليمن أيام سلطانهم فيه، وقال عنها العلامة اللغوي أحمد فارس الشدياق، في كتابه الجاسوس على القاموس: قد حظيت بمطالعة هذه النسخة الجليلة في خزانة المرحوم كوبريلي محمد باشا ... وإذا هي أثر يملأ العين نورا، والقلب سرورا، لحسن خطها، وتناسق سطورها، وجودة ورقها، وجميع موادها مكتوبة بالذهب، وفصولها بالحبر الأزرق، ولكن لن تعدم الحسناء ذامَّا؛ فإنها غير تامة النقط في مواضع كثيرة. وكُتِبَ في ظهر أعلى صحيفة منها بالخط الثلث بماء الذهب؛ كتاب القاموس المحيط والقابوس الوسيط في اللغة، وفي وسطها؛ برسم الخزانة السلطانية الملكية الناصرية الصلاحية الرسولية، عمَّرها الله، آمين، وفي أسفلها؛ تأليف القاضي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي، نفع الله به. ورأيت على حواشيها؛ ... وكتب مؤلفه تاب الله عليه ... وكل ما كتبه غير منقوط جريا على عادته، ويعلم من ترجمته أن ما كتبه في آخر هذه النسخة كان قبل وفاته رحمه الله بنحو ثلاث سنين، مع أن حسن الخط لم يفارق يده.
وقفَّى على القاموس إمامٌ ولد في الهند ونشأ في زَبيد باليمن هو محمد مرتضى الحسيني الزَبيدي، محمد بن محمد المتوفى بالقاهرة سنة 1205 عن 60 عاماً، حين ألف كتاب: تاج العروس من جواهر القاموس.
وتاج العروس شرح لقاموس الفيروزابادي، التزم فيه الزبيدي بإيراد جميع مواد القاموس وتحقيقها والتنبيه إلى مراجعها وتفسير ما يحوج منها إلى تفسير، والإتيان بالشواهد التي استغنى القاموس عنها، وهو أجمع معجم عربي بلا نزاع.
وقد أثنى الزبيدي في خطبة كتابه على الفيروزابادي رحمهما الله تعالى فقال: القاموس المحيط للإمام مجد الدين الشيرازي أجلُّ ما أُلِفَ في الفن ... حيث أوجزَ لفظَه وأشبعَ معناه، وقصَّر عبارته وأطال مغزاه ... وأنا مع ذلك لا أدعي فيه دعوى فأقول: شافهت أو سمعت، أو شددت أو رحلت، أو أخطأ فلان أو أصاب، أو غلط القائل في الخطاب، فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها شيخنا لقائل مقالا، ولم يُخلِّ لأحد فيها مجالا... وليس لي في هذا الشرح فضيلةٌ أَمتُّ بها، ولا وسيلة أتمسك بها، سوى أنني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من منطوق ومفهوم، وبسطت القول فيه ولم أشبع باليسير، وطالب العلم منهوم ... وأرجو من الله تعالى أن يرفع قدر هذا الشرح بمنِّه وفضله، وأن ينفع به كما نفع بأصله.
وجاء في عصرنا هذا العلامة اللغوي أحمد فارس بن يوسف الشدياق، المولود في عشقوت بلبنان سنة 1219=1804 والمتوفى في استانبول سنة 1304=1887، فتعقب عمل الزبيدي في كتابه: الجاسوس على القاموس، وقال في مقدمته: فإنى لما رأيت في تعاريف القاموس للإمام القاضي مجد الدين الفيروزابادي قصورا وإيهاما، وإيجازا وإبهاما، وترتيبُ الأفعال ومشتقاتها فيه محوِجٌ إلى تعب في المراجعة، ونَصَب في المطالعة، والناس راوون منه، وراضون عنه، أحببت أن أبين في هذا الكتاب من الأسباب ما يحض أهل العربية في عصرنا هذا على تأليف كتاب في اللغة، يكون سهل الترتيب، واضح التعريف، شاملا للألفاظ التى استعملها الأدباء والكُتَّاب وكل من اشتُهِر بالتأليف ... فإن المؤلفين الأولين، رحمهم الله، ألّفوا وبرعوا، وأجادوا وصنّفوا، ونفعوا وأفادوا، غير أنهم ألفوا كتبهم على حسب أفهامهم وأفهام اهل زمانهم، فاختصروا وأوجزوا، وأشاروا ورمزوا، وأعظم شاهد على ذلك أنهم لم يضبطوا كلامهم على مثال، فكأن التصحيف لم يكن يخطر لهم ببال، ما عدا صاحب القاموس فإنه تنبه لهذا الخلل، فضبط الكلام على مَثَل، غير مقتنع بضبط القلم، كما أشار إليه في الخطبة، فنِعمَ ما فعل.
وتأمل بركة هذه اللغة التي قيض الله لها ثلاثة من الأعلام، تباعدت أصقاعهم وأزمانهم، وولدوا في بلدان تغلب عليها العجمة، ولم يكونوا من العرب الأقحاح، فوضعوا معاجم اللغة العربية وجلَّوا غريبها وأبانوا ملتبسها، وأثروا مفرداتها، وذلك لأن لغة القرآن تراث إنساني خالد لا يحتكره عرق أو شعب.
و كان الفيروزابادي عديم النظير في زمانه نظما ونثرا بالفارسي والعربي، ونثره أعلى، ومن شعره:
أخِلانا الأماجدَ إنْ رَحَلنا ... ولم تَرعَوا لنا عهداً وإلاّ
نوَدِّعكم ونُودِعُكم قلوبا ... لعل الله يجمعنا وإلا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


