إن الأخطاء القاتلة لا ينبغي أن تتكرر في حياة الامم والشعوب.
وإن نقد الماضي وإعادة تقييمه والاستفادة من دروسه ليس تشفيا ولا تصفية حسابات ولكنه ضرورة للفهم والاصلاح والتدارك
ومما ينبغي أن لا يغرب عن البال قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابو هريرة رضي الله عنه أنه قال: "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" متفق عليه
وفي المثل الشعبي المشهور (اللي يجرب المجرب عقله مخرّب).
إن الاستفادة من تجارب التاريخ ودروسه سنة كونية، وتاريخ الأمم هو سجل نقرأ فيه ليس للتسلية والمسامرة ولكن للاعتبار واستنباط الحقائق والعبر.
أقول هذا وأنا أتأمل ما آل اليه واقعنا السوري المعاصر الأليم قبل قيام ثورة شعبنا المجيدة في ١١/٨ والذي رأينا آثاره المدمرة والقاتلة:
سجون لم تعرفها محاكم التفتيش في الاندلس ولا مثيلاتها: تدمر وصيدنايا وسجون الافرع الامنية التي لا تحصى لكثرنها والمسالخ والمكابس البشرية، والإعدامات التي طالت مئات الآلاف ومثلهم من المفقودين والمصابين، وتهجير أكثر من نصف أهل البلاد في أصقاع الارض وتحت كل نجم علاوة على التدمير الذي طال الحجر والشجر ولم يستثن شيئا في هذا البلد المنكوب.
إن دراسة أسباب هذا الحال البائس الذي وصلنا اليه لي بدعا من القول أو ترفا في الفكر بل هو ضرورة ملحة حتى لا تتكرر مأساتنا ونتجرع آلامنا كل حين.
إن الاجتماع الثلاثي الذي ضم الدكتور وهيب الغانم والشاعر سليمان العيسى والمفكر زكي الارسوذي في اربعينات القرن الماضي في مدينة اللاذقية وهم من منظري الطائفة المعروفة ومن مواطني لواء اسكندرون تحديدا قد خرجوا بعد دراسة وضع الطائفة والنظر في مستقبلها بعدة توصيات ونصائح منها:
١- وضع خطة محكمة لأبناء الطائفة للوصول الى الوظائف والمراكز القيادية في الادارة المدنية في سوريا بالوسائل المختلفة (لا داع لذكرها).
٢- التوجيه للانخراط في مؤسسة الجيش علي سبيل التطوع وليس الخدمة الالزامية المؤقتة.
وتجري الأحداث وفق هذه الخطة المقترحة التي أخذت طريقها للتنفيذ والعمل الجاد
وبين عشية وضحاها وجد العقلاء في الأمة أن الجيش والسلاح إضافة الى الامن أو أجهزة المخابرات أصبحت بيد أقلية طائفية بعينها وهي تتحكم بمصير البلاد من خلال ما يسمى باللجنة العسكرية وتكتلات الضباط ذوي الانتماء الطائفي المحدد ولا يخفى عليهم أهمية إشراك بعض من الطوائف الاخرى في خدمة المشروع تكميلا للصورة.
وإن الأكثرية التي تشكل ٨٠./. من المواطنين السنة وهم الامة ليس في يدهم سوى تجرع الآلام وامتهان الكرامة وسلب الحرية واستهداف الوجود.
إن الدرس الأليم الذي لا ينبغي أن يغرب عن بال العقلاء والغيورين في الأمة مفاده: أن الذي يملك الجيش والسلاح والأمن (في العالم الثالث) هو الذي يحكم فعلا ويملك تقرير مصير البلاد حتى وإن حصلت على غالبية الاصوات في صناديق انتخابات ديمقراطية نزيهة (الجزائر ومصر وتونس ..)
وأما من يفقد هذه الادوات المهمة الصلبة المؤثرة فلا يملك من الأمر شيئا بل عليه أن يجهز نفسه لأن يكون حقل تجارب لأصحاب الاطماع والوحوش البشرية التي فقدت الضمير والأخلاق وما عليه إلا أن يقف على قائمة الانتظار لحجز أماكن في سجن تدمر وصيدنايا واضرابهم وكل مالا يخطر على البال من آلام وشقاء مما لا نزال نشهد آثارها ونكتوي بنارها في داخل البلاد وخارجها حتى يومنا هذا والى حين…
فهل لنا أن نستفيد من دروس التاريخ القريب ولا نلدغ مرتين؟
بقلم: د. أحمد علي عبد العال
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


