بقلم: م.عبيده أحمد الحلاق
إن الإسلام حين جاء لم يأتِ ليختزل في الشعائر و لا ليبقى في المساجد و لم يأتِ ليكون عقيدة تبقى حبيسة القلب وإنما جاء ليكون منهج حياة جاء ليكون عقيدة تتمثل في عمل يعبر عنها وهذه من أهم الأسباب التي دعت باقي الديانات من يهودية ونصرانية لتشن المعارك والحروب في سبيل إطفاء هذه الشعلة التي جاءت تنير درب العالم لتوصله إلى بر الأمان و تنقله من العبودية إلى التحرر و تقضي على كل سلطان غير سلطان الله تعالى رغم علمهم بهذا الدين و نبيه و لكنه الهوى البعيد عن هدى الله أضلهم و كره الله انبعاثهم فأعلنوها حرباً لا هوادة فيها و إن اختلفت الراية التي يحاربون تحت لوائها و لكن المضمون واحد و ما خلف الستار لم يتغير.
ولنا في كلام الله تعالى الدليل و المرشد فقد جاء توجيهه للنبي صلى الله عليه و سلم خاصة و للمؤمنين السائرين في الطريق عامة :
(وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ) البقرة 120.
وإنك مهما فعلت و مهما قدمت فكأنك لم تقدم و لم تفعل و لن يكفي هؤلاء إلا شيء واحد هو ترك الطريق و السير معهم في طريقهم رغم علمهم بأنه الحق من ربهم و لكنهم أخفوا معالم الطريق و حرفوا كلام الله فأضلوا جبلاً كثيراً منهم حتى لا يعلموا الطريق و لا يعلموا الحق ففتنوهم عن اتباعه. حيث يقول الله تعالى واصفاً أفعالهم و مبيناً عقوبتهم يوم القيامة :
( وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) البقرة 75.
( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) آل عمران 78.
( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) آل عمران 70 – 71.
( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) البقرة 174.
لقد علم الله نواياهم و خبث مقصدهم فكان التحذير الرباني للنبي صلى الله عليه و سلم و للسائرين على الطريق أن لن يرضوا عنكم مهما فعلتم لهم و مهما قدمتم و لذلك ليكن جوابكم ( أن هدى الله هو الهدى ) و بعد البيان و الدعوة ( فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر ) و ( و لكم دينكم و لي دين ) الكافرون 6.
ثم يأتي مشهد مفزع جازم حازم لا لبس فيه للنبي صلى الله عليه و سلم و الخطاب لعموم السائرين في الطريق أن خذ حذرك إن أنت اتبعت أهوائهم و تركت ما أنت عليه من الهدى و ملت صوبهم ملنا عنك و لن تجد لك من الله ولياً و لا نصيراً.
إذا كان هذا الخطاب الرباني و هذا التوجيه العلوي فيما يخص أصحاب الديانات السماوية فما بالنا بأصحاب الديانات الأرضية و العقائد الباطنية هل نأمن شرهم ؟ و هل نأمن مكرهم و تربصهم ؟ و هل نأمنهم على ديننا و أوطاننا ؟ ... أسئلة كثيرة تدور في هذا الفلك تحتاج لإجابة صادقة حتى نعلم أين نحن.
إنها ليست دعوة للطائفية و ليست دعوة للإقصاء أو عدم التعامل إنها تحذير وتوضيح للتعامل حتى لا نصطدم بالواقع و حتى لا تتعطل مسيرتنا فلن يرضوا عنا مهما تنازلنا ومهما فعلنا فيلكن شعارنا واضحاً دون مواربة لكم دينكم و لنا دين.
فالمعركة هي معركة عقيدة و فكر وإن اختلفت الرايات و الشعارات عما كانت عليه في العصر القديم فقد أضحت الرايات اليوم متنوعة ما بين إقتصادي و سياسي و عسكري و زرعوا هذه الفكرة في عقول بعض من أبنائنا ليبتعدوا بهم عن الأسباب الحقيقية للمعركة مما يثبط هممهم بدعوى أن الحرب ليست حرب عقيدة و إنما حرب إقتصادية و حرب مصالح سياسية لا أكثر و لا أقل و هي بعيدة كل البعد عن العقيدة ... في مؤامرة كبيرة يحرك رحاها أعدائنا ليقوم بعض الجهلة من أبنائنا و المغيبين بنية طيبة و أصحاب الإرتباطات المشبوهة بنواياهم المشوهة بتوزيع نتاج هذه الرحى على شبابنا و عقولنا ذارين الرمد في العيون صائدين في المياه العكرة.
وما الدعوات القومية التي ظهرت في أواخر الدولة الإسلامية إلا أحد الريات التي رفعوها للفت في عضد هذه الأمة و تدميرها حتى بدأ بعض شبابنا المخدوعين بهذه الشعارات يتبنونها و يعتقدون بها حتى بدأت بعض الشعارات الأخرى بالظهور لتزيد في الأمة تشتتاً و تتفرق بها السبل.
وها هي الشواهد أمام أعيننا اليوم في سوريا و العراق و تركيا و مصر ... كم خرج الشباب من هذه البلاد مبتعدين عن توجيه رب العباد منادين بنية طيبة من البعض أنه لا فرق بين نصيري و سني و لا بين سني و شيعي في حالة من الغياب عن الواقع و ابتعاد عن الأسباب الحقيقة للمعركة و عناصرها ليروا أنهم لم يكونوا على صواب و أنهم كانوا في الطريق الآخر.
فها نحن نرى أن المعارضين من الأقليات و مهما ادعوا العلمانية و الليبرالية و الفصل بين الدين و الدولة ستجدهم في نهاية المطاف يعودون للطائفة و كل هذه الشعارات التي يرفعوها ما هي إلا أسماء سموها هم و أسيادهم و ستائر أسدلوها على اليد العابثة بمصير هذه الأمة.
ونحن هنا لا نقول بإقصاء أحد ولكن لابد أن تكون لنا خصائصنا الذاتية التي تميزنا و أن لا ننجر وراء دعوات تعاكس دعوة الله و توجيهاته فنقع و لا نجد من يقيمنا و ننكسر فلا نجد من يجبر كسرنا و نضل فلا هادي لنا.
وهذا معلم من معالم الطريق ...
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


