الفصل السادس
علوم الحديث وتميزها
اعتنى المسلمون، وخصوصا منهم علماء الحديث، بضبط الحديث الشريف، فقسموه إلى علم رواية وعلم دراية.
وبحثوا فيمن أوصله إلينا، بدءا من الصحابة الكرام، إلى الكتب المتداولة المشهورة، فنظروا في حال كل راو راو من حيث ولادته، ووفاته، وطلبه العلم، ورحلته، وضبطه، وعدالته، وإتقانه، وشيوخه، والآخذون عنه، ثم عمدوا إلى رواياته ودرسوها فقها، وموافقة لغيرهم من الرواة.
ودرسوا علاقة كل راو بمن بعده ومن قبله، من حيث إثبات اللقيا أو عدمها، وكيفية اللقيا، ونوع الرواية هل بقول: حدثنا، وأخبرنا، وقرأت، وقريء بمحضره وأنا أسمع...أو بالعنعنة: عن فلان عن فلان، أو بالأنأنة: أن فلانا قال: إن فلانا قال...إلخ، وبمن شاركه في تلك الرواية، وبمن خالفه فيها لفظا أو معنى.
فمن جُهل حاله أو عينه؛ رُد حديثه، ومن خالف الثقات والجمهور اعتبر حديثه شاذا، ومن كثر شذوذه رُد حديثه، ومن أغرب في رواياته اتهم بها، واختل ضبطه أو علمه أو عدالته؛ رد حديثه أيضا.
وقسموا ذلك إلى علوم وأبواب؛ كعلم الرجال والطبقات، والوضاعين، والثقات، وعلم العلل، والجرح والتعديل، والمنفردات والوحدان، والتدليس والمدلسين...إلخ، وأفردوا في ذلك مصنفات كثيرة.
وقسموا الأحاديث بناء على تلك الدراسة إلى: صحيح وضعيف، والصحيح: ما اتصل إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسلم من الشذوذ والعلة. شذوذ رواية وشذوذ لفظ، وعلة رواية وعلة متن. وأعلاه المتواتر: وهو ما روته الطائفة التي يستحيل اتفاقها على الخطأ عن مثلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأدناه: الحسن، الذي هو أدون من الصحيح.
والضعيف: أقل منه الواه، ثم الموضوع، الثابت كذبه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
ثم ذهبوا إلى متون الأحاديث، فتتبعوا ألفاظها، وميزوا بين كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإدراج الراوي، أو خطئه، أو خلطه، حتى روي عن بعض الأئمة أنه قال: "لا نعرف فقه الحديث حتى نراه من عشرين وجها". فقد يصححون الحديث ويردون بعض ألفاظه، وقد يضعفون سند حديث ويصححون معناه لموافقته للصحيح، أو لغيره من القرائن.
فلا يسلم من الطعن، ويوضع في خانة الصحة إلا الحديث السالم سنده من العيوب، ومتنه من الخطأ، بل قد يردون الحديث ولا شائبة في إسناده، إذا خالف ما فيه القرآن الكريم، أو الثابت من السنة والسيرة؛ كفعلهم مع حديث البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه في الإسراء، وفيه شق صدره صلى الله عليه وسلم، وأعلوه بأن شق الصدر إنما كان وهو رضيع..رده الحافظ ابن حزم وفيه مراجعات.
ومنه: حديث مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: "كان الناس لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ثلاث أعطنيهن. قال: نعم. قال: عندي أحسن العرب وأجمله: أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. وسأله أن يستكتب ابنه معاوية وأن يستعمله". يعني: نفسه، ويوليه. رُد بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما تزوج أم حبيبة رضي الله عنها وهي بأرض الحبشة مهاجرة، وأبو سفيان حينها بمكة لما يُسلم.
والضعيف ليس مكذوبا على النبي صلى الله عليه وسلم، بل له حظ من الصحة، إلا أنه لا يُحتج به إلا بشروط، اتقاء ورود الدخيل على حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
وصنفوا في تراجم الرجال وأحوالهم موسوعات ضخمة حوت مئات الآلاف من التراجم، حفظوا فيها شهادات العلماء حول الرواة، واعتمدوا الطعن المبرر، مع النظر إلى مبرره، ورفضوا الطعن غير المبرر، وغير المستند إلى حجة علمية.
ومن تتبع تاريخ جمع الحديث الكريم وتدوينه، واعتناء الرعيل الأول من أهل الإسلام بذلك، وحفظه وتصنيفه، والجهود الضخمة التي بذلت من أجل معرفة نقلة الآثار ورواتها وأحوالهم وطريقة تحملهم، والجمع بين الروايات ومقارنتها؛ علم حق اليقين صدقية السنة النبوية ووثوقها.
ونظرا لانفراد أمتنا بين الأمم بالإسناد؛ وقيل في قوله تعالى: {أو أثارة من علم}. [الأحقاف/ 4]: "إنه إسناد علم الحديث"، وقال عبد الله بن المبارك: "مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد؛ كمن يرتقي إلى السطح بلا سلم!"، وقال أيضا: "طلب الإسناد من الدين"، وقال: "لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". وقال الثوري: "الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح؛ فبأي شيء يقاتل؟!".
وكان عبد الله بن طاهر يقول: "رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزمْنى"، وعن بقية قال: "ذاكرت حمّاد بن زيد بأحاديث فقال: ما أجودها لو كان لها أجنحة!. يعني: إسنادا". وقال الشافعي: "مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد؛ كمثل حاطب ليل: يحمل الحطب وفيه أفعى وهو لا يدري!".
ومن كلامهم: "من لم يكن له أستاذ يصله بسلسلة الأتباع، ويكشف عن قلبه القناع؛ فهو في هذا الشان لقيط لا أب له، دعي لا نسب له". وقيل: "الأسانيد أنساب الكتب"، ونقْلُ الإنسان ما ليس له فيه سند ولا رواية؛ ممنوع بإجماع أهل الدراية، واتفق العلماء على أنه: لا يجوز لمسلم أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى يثبت عنده أن ذلك القول مروي عنه عليه السلام، ولو على أقل وجوه الروايات العظام. ونصوا على أن: معرفة السند من فروض الكفاية؛ إذ لا يُعرف الموضوع من غيره إلا به عند أرباب العناية(46).
فقد تكفل الله تعالى بحفظ سنة نبيه كما تكفل بحفظ القرآن الكريم، فسخر من علماء الإسلام من خدموا علم الحديث خدمة لم يعرفها توثيق في التاريخ، فضبطوا الآثار، وقيدوا الأسانيد، وعرفوا الرجال طبقة بعد طبقة، وكيفية أخذ بعضهم من بعض، ودرسوا روايات كل شخص من الرواة، حتى تكونت منظومة عظيمة تمثلت في علم الحديث والمصطلح وفروعهما، وهو الأمر الذي تعجب له المستشرقون قبل المسلمين، حتى قال العالم الألماني أشبره نكر: "إن الدنيا لم تر ولن ترى أمة مثل المسلمين فقد درس بفضل علم الرجال الذى أوجدوه حياة نصف مليون رجل"(47). وقال المستشرق المحقق مرجليوث: "ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم"(48).
وقال الأستاذ محمد بهاء الدين في رسالته العلمية "المستشرقون والحديث النبوي"(49): "فالطريقة التي سلكها العلماء في التثبت من صحة الحديث سندا ومتنا، وما ابتدعوا لأجل ذلك من علوم كعلم أصول الحديث وعلم الجرح والتعديل، وغيرهما من العلوم؛ طريقة أشاد بها كثير من الغربيين في تحقيق الراوية أمثال: باسورث سميث عضو كلية التثليث في أكسفورد، وكارليل، وبرنارد شو، والدكتور: سبرنكر كان. فقد أعلن هؤلاء إعجابهم بالطريقة التي تم بها جمع الأحاديث النبوية، وبالعلم الخاص بذلك عند علماء المسلمين، وهو الجرح والتعديل".
بل استفاد المستشرقون وتلامذتهم من علم مصطلح الحديث في استحداث علم جديد هو: "علم مصطلح التاريخ". وأول من كتب في هذا الفن هو: البحاثة النصراني أسد رستم أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت، والذي كان يحضر دروس الشيخ طاهر الجزائري في فن مصطلح الحديث، ثم خرج بذلك الفن الذي هو مستفاد ومشتق من علم مصطلح الحديث، واعترف في كتابه "أصول الرواية التاريخية" بأن قواعد مصطلح الحديث هي أصح طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات(50).
وبذلك صنع علماء الحديث والجرح والتعديل شبكة في منتهى المناعة تحمي الحديث النبوي من الدخيل، ومن التلاعب، ومن الخطأ، وهو الأمر الذي يرد جميع الشبهات الطاعنة في الحديث النبوي من حيث نقله ووصوله إلينا، ومن حيث دخول الشوائب والمدرجات على متنه ومعانيه.
الفصل السابع
السنة أحد طرفي الوحي
وحيث قد قرر القرآن – كلام الله تعالى – بأن النبي صلى الله عليه وآله إنما هو وحي يوحى، فقال تعالى: {والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى}. [النجم/ 1-4]، ووعد الله تعالى بحفظ وحيه، فقال جل شأنه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. [الحجر/ 9]، وقال سبحانه: {بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ}. [البروج/ 22].
وقد روى الدارمي في سننه، والمروزي في "السنة"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" بإسناد صحيح عن حسان بن عطية قال: "كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل القرآن عليه، يعلمه إياها كما يعلمه القرآن"(51). قلت: ومثل هذا لا يقال رأيًا، فله حكم المرفوع.
وقد مرت فيما سبق آيات عدة، ونقول عن الأعلام لا تدع مجالا للشك في أن السنة طرف من الوحي، وفي الحديث الشريف: ما رواه أبو داود في سننه عن المقداد بن معديكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله قال: "ألا إنني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكيء على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه". فهو تصريح بذلك أيضا.
لذلك فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - ممثلا في كلامه وصفته وهديه - محفوظ، تكفل الله تعالى بإيصاله إلينا استمرارا لدينه وشريعته التي هي خاتمة الأديان وناسخة الشرائع، وإنكار السنة إنكار للنبوة، وإنكار للوحي، وبذلك كفر بالنبي وبرسالته صلى الله عليه وآله وسلم، وكفر بلا إله إلا الله محمد رسول الله.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة وغيره: "إني قد خلفت فيكم ما لن تضلوا بعدهما أبدا ما أخذتم بهما: كتاب الله وسنتي، فلن يتفرقا حتى يردا علي الحوض"(52).
فأثبت ارتباطهما، وأنهما لن يتفرقا، والقرآن محفوظ، فثبت بهذا أن السنة – أيضا – محفوظة. ثم إن الاتفاق على أن القرآن والسنة مخاطب بهما سائر الأمة من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، ولولا استمرار السنة وحفظها إلى آخر الدهر لما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بها.
بل ورد في المتواتر: "إني تارك فيكم ما إن تمسكنم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما"(53).
قال العلماء رضي الله عنهم: ذكر كتاب الله تعالى ولم يذكر السنة؛ لأن سنته صلى الله عليه وسلم من كتاب الله تعالى، فالمقصود: الوحي، وهي منه.
والحاصل؛ إن السنة وحيٌ كما أن القرآن وحي، وحيث تكفل الله تعالى بحفظ وحيه؛ فقد تكفل بحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو الضامن الأكبر لوصولها واستمرارها إلينا، ومن أعظم الأدلة على ثبوتها وصيانتها.
-يتيع-
الحلقة السابقة هنا
--------------------------------------------------
(46) "الإجازة الشنقيطية في الكتب الستة وغيرها" تأليف: الإمام محمد بن جعفر الكتاني.
(47) "موقف العقل والعلم والعالم ج4ص59 لشيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله.
(48) "المقالات العلمية" ص234، 253. بإحالة العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله في مقدمة تقدمة كتاب "الجرح والتعديل".
(49) "المستشرقون والحديث النبوي" ص30.
(50) "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" ص107.
(51) رواه الدارمي برقم (588)، والمروزي في "السنة" رقم (28، 116)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" رقم (99)، وصححه الحافظ ابن حجر كما في "فتح الباري" (13/ 291).
(52) رواه الحاكم في: "المستدرك على الصحيحين" (1/ 93)، والبيهقي في "الشعب" (10/ 114)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (رقم 90) واللفظ له.
(53) رواه بهذا اللفظ الإمام أحمد في مسنده (10720) عن أبي سعيد الخدري، والترمذي في سننه (3788)، عن أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم رضي الله عنهما، وقال عقبه: "هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه". والطبراني في "الصغير" (1/ 135) عن أبي سعيد أيضا، وهو متواتر ينظر تخريجه في تخريجنا لأحاديث "الأربعين الكتانية في فضائل آل بيت خير البرية". المطبوع بدار الكتب العلمية.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


