( حافظًا وحفظًا )

( حافظًا وحفظًا )

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ - ١٤ آب ٢٠٢٦
18

{ فَٱللَّهُ خَیۡرٌ حَـٰفِظاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ }
"حافظًا وحفظًا" بقراءتين متواترتين. والتعبير بالمصدر حفظًا آكد، ولكن لا تفاضل بين القراءات، كما لا تتفاضل بلاغة الآيات..
وإنما هما حفظان، عموم وخصوص.
فهو حافظٌ حفظ عموم؛ بموجب ربوبيته لخلقه، فمن معاني الرب الحفظ والرعاية، فهو خيرٌ حافظًا حفظ عموم للبر والفاجر والمؤمن والكافر.
وهو خيرٌ حفظًا حفظ خصوص وخلاص، لأهل القُرب والإخلاص.
وقد جمع الله ليوسف عليه السلام الحفظين فوردت القراءتان بوجهين، من قبيل التكامل لا التفاضل في منازل المعنى ومعارجه.
ومن بديع النظم المعجز المبين في متواتر قراءاته أنه ورد التمييز منصوبا دون الإضافة إذ قال: (خَیۡرٌ حَـٰفِظاۖ) ؛ لأنه آكد وأبلغ في الدلالة على المعنى لو كان " خيرُ حافظٍ"
فقولنا : محمدٌ أحسنُ كاتبًا. مدلولها غير قولنا: محمدٌ أحسنُ كاتبٍ.
فمدلول التمييز في النصب غير مدلوله في الجر.
ففي النصب على إرادة التفضيل المقارن ب (من) المقدرة، فقولنا: محمد أحسن كاتبًا، فأنت تريد أن تفضل كاتبه على غيره من الكتاب، أما إذا أردت تفضيله هو كونه كاتبا، فتقول: محمد أحسنُ كاتبٍ. فليس فيه التفضيل المقارن، بل يراد به التفضيل العام؛ لذا لا تقدر معه (من) في هذا السياق.
فالنحو البلاغي يكشف سر التراكيب، وفروق المعنى؛ لذلك وهم الرضي - رحمه الله- في شرح الكافية عندما سوّى في المعنى بين قوله تعالى: ( فَٱللهُ خَیۡرٌ حَـٰفِظاۖ ) وبين نظيره من الكلام ( خيرُ حافظٍ)
والصواب أن تعبير القرآن أصاب المعنى بدقة وإحكام!
ذلك أن هذا البيان ورد حكاية في القرآن لما ورد على لسان يعقوب عليه السلام من قوله: { قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَیۡهِ إِلَّا كَمَاۤ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰۤ أَخِیهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَیۡرٌ حَـٰفِظࣰاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٦٤] ويعقوب عليه السلام لم يرد بكلام النبوة وإشراقاتها وبلاغتها ومقامات الإيمان فيها، أن يفاضل بالله نفسه حافظًا على حفظهم، فيجعل الذات الإلهية مقابلهم في الحفظ، حاشا وكلا، وإنما أراد مفاضلة حفظ الله بوسائل الحفظ لديه خيرًا من حفظهم.
أي: أنّ الحافظ الذي يجعله الله خير منكم . كما قال تعالى: { وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَیُرۡسِلُ عَلَیۡكُمۡ حَفَظَةً} سُورَةُ الأَنۡعَامِ: ٦١.

(فاللهُ خيرُ حافظًا) أي: حافظه خيرٌ منكم، بخلاف الجر؛ فإنه يكون هو الحافظ، فليست المقارنة بينهم وبين الله، وإنما بينهم وبين حفظة الله، ولا يتأتى هذا المعنى بالجر، فارتقى بيان النبوة تعظيما لله، وارتقى البيان الإلهي المعجز دقة في التعبير في النظم ودقة الاختيار.

ومن بديع النظم القرآني هنا أنه ختم الفاصلة بقوله سبحانه:{ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ } ولم يقل: ( وهو خير الراحمين) كما ذكر الخيرية في الحفظ( خيرٌ حافظًا)
وقد ورد في أربعة مواضع الخاتمة " أرحم الراحمين"
وفي موضعين " خير الراحمين"
{ إِنَّهُۥ كَانَ فَرِیقࣱ مِّنۡ عِبَادِی یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ ) سُورَةُ المُؤۡمِنُونَ: ١٠٩
{ وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ } سُورَةُ المُؤۡمِنُونَ: ١١٨
ولكل من هذين الموضعين "ارحم الراحمين" و"خير الراحمين" معنى يختص به عن غيره .
"فأرحم الراحمين" تعني أنّه لا راحم في الوجود أرحم منه، سبحانه!
أمّا "خير الراحمين" فتشير الى انّ رحمته- تعالى- تتعلق بغاية وحكمة؛ منوطة بمصلحة المرحوم ومنفعته.
وفي البيان مزيد تفصيل لا يتسع له المقام.


بقلم: عبد الله الهتاري

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...