بقلم أبي بكر الفاضلي الشامي
جهل الجاهل يظل محترماً،ما دام مخزوناً في زوايا فكره وشقوق ذاكرته؛ لأن الإنسان_ مهما أوتي من علم _ لا ينفك عن جهل ولا يخلو عنه ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)...(وفوق كل ذي علم عليم)... والتبرؤ من العلم ديدن الأنبياء والأولياء، لذلك قال المصطفى عليه الصلاة والسلام لجبريل لما سأله عن الساعة ووقتها :ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.. فتبرأ مما لا يعلم أمام خيار الخلق: أمين الوحي جبريل وأصحابه رضي الله عنهم...
و تحضرني كلمة لإمام يقول فيها:من قال في كل شيء أعلم، سأله الناس حتى يقول: لا أعلم..!! ومن قال لا أعلم علّمه الناس حتى يعلم...
ومن كلام العارف بالله العلامة محمد خليل الخطيب: إلهي عبيدك أجهل من الجهل فعلمه، وأضعف من الضعف فقوّه، وأذل من الذل فأعزّه...!!
و العلامة الخطيب الذي يقول هذه الكلمات المنكسرة الخواشع شيخ طنطا في وقته ومن لدات الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر والشيخ الشعراوي وله شعر رائع وله نظم في الصرف يزيد على ألف بيت!!!!
فإذا قال مثل هذا_و هو من هو_ فماذا يقول غيره من أطفال العلم بل ومن الرضَّع فيه..!؟
ومن دعاء بعض الصالحين: اللهم إني جاهل فعلمني اللهم لا تفضحني بجهلي...
و من مناجاة ابن عطاء:إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري..إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي...
و سمعت من بعض شيوخنا قوله:ما أكثر ما نجهل وما أقل ما نعلم..!!
و هذه المقالة الطيبة تذكرني بالحوار بين سيدنا موسى والخضر وقد رأيا عصفوراً أخذ شيئاً من الماء بمنقاره، فقال الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله تعالى إلا كما أخذ هذا الطائر من الماء...أو كما قال لأني أروي الحديث بمعناه...
وهذه الكلمات من هؤلاء الخاشعة قلوبهم ليست من التواضع (اللفظي) الذي يتقنه كثير من المحترفين للوعظ والإرشاد، بل هي اصطباغ خالص صادق يعيشونه.. ويتمتعون به.. ويلتذون بمعانيه..
و أذكر أن أحد مشايخنا سأله طالب عن إعراب كلمة أو جملة فأجابه الشيخ...ولما انتهى الشيخ إلى بيته كأنه أعاد النظر في الوجه الإعرابي الذي ذكره للطالب فلم يغمض له جفن تلك الليلة وكأنّ في الجنب أطراف المسامير...وخشي الشيخ أن يكون قد ارتكب إثماً عظيماً !! وكأنّ المسألة تتعلق بحكم شرعي يحرِّم حلالاً أو يحلُّ حراماً !!
و في اليوم الثاني بكّر الشيخ في الحضور لمجلس العلم وحين دخل المعهد أخذ ينادي بصوت عال: أين فلان؟؟!! حتى تناهى صوته لسمع الطالب فخشي الطالب أن يكون قد أساء للشيخ ، فلما رآه قال له الشيخ: جوابي كان خطأ ولا تسألني مرة ثانية فأنا جاهل وسل أستاذ النحو و الإعراب!! والشيخ كان إماماً في العربية!! فاعجبوا لأمره وصدق تواضعه واستشعاره الجهل والافتقار إلى الله عز وجل...
كلما زاد علم أولئك زاد إحساسهم بجهلهم فطأطؤوا رؤوسهم لله تعالى..
ملأى السنابل تنحني بتواضع.....و الفارغات رؤوسُهنّ شوامخُ
لكنك تقع في مقابل هؤلاء الربَّانيين على أدعياء في العلم والفقه والوعظ والإرشاد قد حشروا أنوفهم في المعالي وهم أقزام فلم ينالوها فشرعوا يهرفون ويتكلمون بما لا يعلمون فكشفوا عن جنين جهلهم وأماطوا اللثام عن مستور غفلتهم...!!
أحد هؤلاء أراد أن يظهر المطوي المخبوء ففغر فاه..ثم فغر فاه..ثم تمطّى..وتمطّى حتى كشف المغطّى!!!!
زعم في خطبة له أنّ المكرَه على القتل مخيَّر بين القتل وعدمه وأن هذا مذهب الأئمة الفقهاء وأن هذا هو التحقيق في المسألة !!
و لا جرم أن هذا هوس وتخليط لا تدقيق وتحقيق...فالفقهاء أصفقوا قاطبة أنّه لا يحل للمكرَه (بفتح الراء) أن يقتل و لو قُتِل بامتناعه عن القتل لكنهم اختلفوا في الحكم إذا قتل أيُقتَل أم لا ؟ على أربعة أقوال:
_ يُقتَل المكرِه و المكرَه.
_ يقتل المكرَه فقط.
_ يقتل المكرِه فحسب.
_ لا يقتلان.وهذا ضعيف جداً.
و لعل أرجحها أن المكرِه (بكسر الراء) يقتل دون المكرَه.
وهذه الفتوى من هذا الإمام العظيم في التخليط سوّغت لكثير من الجند الذين كانوا يتردَّدون في القتل ولا يستجيبون لأوامر القتَلة المجرمين سوَّغت لهم القتل لأن المفتي الأكبر أباح لهم ذلك...
فكم من شهيد تضرَّج بدمائه من جراء هذه الأفعى لا الفتوى..!!؟؟؟؟
ثم إن هذا المفتي الأجل الأكبر لم يكتف بذلك بل زاد الطين بلة بل أغرق الجهل بفقهه والفقه بجهله فادّعى أن الفقهاء أباحوا قتل المتترسين من الكفار بجماعة من المسلمين، وقاس عليها البلاد المنكوبة الآن فيحل قصفها و قتل أهلها لأن المسلحين الإرهابيين قد تترسوا بهم !!
وهذه الفتوى أعظم من الأولى فهي ترقّي هذا الجويهل إلى رتبة أعلى هي (الجهلوت)...و قد فرح بها سفَّاكو الدماء وسارقو الأموال و منتهكو الأعراض أيما فرح، فصار قتلهم وتدميرهم منضبطاً بالمقاصد العامّة الشرعية التي تسعى الشريعة الإسلامية لتحقيقها والمحافظة عليها...!!
و أيضاً خلّط هذا الفقيه فلم يفهم مسألة التترس وأن لها ضوابط دقيقة عند من قال بها من العلماء كالإمام الغزالي في كتابه ( المستصفى ) وأن قياسه كفقهه فاسد كاسد،وصدق فيه قول القائل:
أقول له بكراً فيسمع خالداً....و يكتبه عمراً ويقرأه زيدا !!!
و لما تصدَّى له المخلصون وكشفوا عوار فتواه خطب مرة ثانية وزعم أنه لم يقل ما نسب إليه وإنما الناس فهموا مراده على غير وجهه...!!
وأنا أدعو من شاء للاستماع للخطبتين والمقارنة بينهما ليرى التخليط و التضليل...ثم يرى الفرار والهرب من النطق بالحق والرجوع للصواب و السَّداد...
و الغريب أن هذا المفتي ما زال يطرح مسائل في قضايا صارت أظهر من الشمس في رائعة النهار ليشغل الناس وليلبِّس عليهم...!! والأغرب أن هناك من يجيب عن أسئلته التي عجز الزمان عن الجواب عنها...
لكن إن ظل أناس في ظلمة ليلهم سادرين فإن الضياء ساطع لا يُغم إلا على أعمى القلب:
وهبني قلت هذا الصبح ليل.....أيعمى العالمون عن الضياء ؟!
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


