يذهب بعض الناس إلى أنَّ الأمور الروحية ضرب من الخرافة، وأن التفكير فيها، والجنوح إليها إنما هو جنوح إلى لون من الخيال يحلق بصاحبه بعيداً عن الواقع... فإذا صادفك من يُحسن الظنَّ بالروح والروحانية فهي عنده ـ غالباً ـ أفق طريف لا بأس من الركون إليه من آنٍ إلى آخر، ترفيهاً للنفس بأنبائه، وتلويناً لما يبتغي من ثقافة ومعرفة، أو نشداناً للون من التسلية يُزْجي به الفراغ، دون أن يتقيد بمبدأ، أو يلتزم تكليفاً ما.
وهؤلاء وأولئك كثيرون، وأفضل ما للروحانية عندهم أنها لا تمثل جانباً أصيلاً في الحياة، أو أنها لا تمثل فيها ذلك الجانب الأصيل الفذ.
وذلك هو القصور بعينه، قصور المواهب عن إدراك حقيقة الوجود، وحسبك بذلك القصور أن صاحبه يعجز عن إدراك البدهيات التي تساوي في وضوحها قولك: إن السماء فوقنا والأرض تحتنا... ذلك أن مفتاح هذه الأمور الروحية التي يفضي بنا إلى أصالتها ولباب حقائقها هو بدهية من بدهيات الإدراك الأولية، بدهية يسمونها قانون السببية، فإن من قوانين الذهن أن يربط بين السبب والمسبَّب، وبين الأثر والمؤثر... فلو أن فلاحاً غدا إلى أرضه ففوجئ بها محروثة مخططة أو مقسمة، لكان من البدهيات أن يدرك لفوره أن أحداً ما جاء فحرثها، ولما احتاج في ذلك إلى إعمال قريحة أو كدَّ ذهن، فإنه إدراك يتم لمجرد رؤية الأرض محروثة، إذ يربط الذهن لفوره بين ذلك الفعل وفاعله، ولا يمكن أن يذهب به الظن إلى أن الأرض حرثت نفسها بنفسها، أو أنها حُرثت من غير شيء.
فإذا لم يدرك الفلاح تلك البدهية فبماذا نسميِّه؟
ذلك القانون البديهي الذي ربط به الفلاح بين الحرث والحارث، هو سبيلنا إلى كثير مما خفي عنا من الحقائق الروحية، إذ من شأنه أن يربط في الذهن بين هذا الكون العظيم.وخالقه الذي خلقه... فإذا تمَّ هذا الربط، انفتح لنا أفق في هذه الحقائق...
وذلك أنَّ الربط بين الأثر والمؤثر، يمثل في الذهن حركة فورية، ينتقل بها الإدراك من الفعل إلى الفاعل، أو حركة تستحضر في الذهن أن لابد لهذا الأثر من مؤثِّر أحدثه، فإذا حضر هذا المعنى، حضرت معه صفحة معنوية فيها كل ما يستطيع الذهن أن يستخرجه ويستنبطه من صفات صاحب الأثر، فصاحبنا الفلاح ـ مثلاً ـ أدرك أول ما أدرك أن الأرض حُرثت... وبحركة فورية ذهنية، أدرك أنَّ أحداً جاء فحرثها، لأنه لابد لكل أثر من مؤثر أحدثه...
وبحضور هذا المعنى ينفتح أمام ذهنه مجال لإدراك ما يستطيع من صفات الحراث نفسه: فقد يستنبط أنه ماهر في التخطيط والتقسيم، وقد يستنبط أنه في هذا الباب قاصر مغلق المواهب... وقد يتبين جديته وعنايته بالمهمة... وقد يتبين أنه كان يريد قضاءها على أي وجه...وقد يدرك ماله من حكمة ورحمة، إذ جاء هذا الحرث في إبانه، وحين الاضطرار إليه في وقت خلا الإمكان من كل ما يعين... وقد يستخرج أنَّه إنسان قوي النفس، مثالي الأهداف، إذ تسامى عن الرياء، فلم يعلن عن نفسه، ولم يترك أثراً يدل عليه... وقد يصل إلى ما وراء ذلك من سمات وصفات... وهذا ـ ولله المثل الأعلى ـ ما يجب أن يحدث حين تنظر إلى الكون، لو أننا أرسلنا تفكيرنا على سجيته، فربط بين الأثر والمؤثر، وراح يسرح الطرف في صفحة الكائنات يَستجلي منها ما استطاع من صفات الخالق جلَّ عُلاه.
قال الفخر الرازي: (إنَّ جميع مخلوقات الله تعالى دالَّة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحد، هو: أنها محدثة... وكل محدث فهو محتاج إلى الصانع... وإذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال على الصانع، وكأنه بمعرفته هاتين المقدمتين ـ أي: أن الكائنات محدثة، وكل محدث محتاج إلى صانع ـ قد طالع جميع الملكوت بعين عقله، وسمع بأذن عقله شهادة تلك الكائنات بالاحتياج والافتقار إليه سبحانه، وهذه الرؤية رؤية باقية أما رؤية العين فغير مستمرة) ـ تفسير الفخر الرازي ج4 ص74 ـ.
وإذاً، فنحن لا نستطيع أن نتَّصل بملكوت هذا الكون ـ أي: بما تدل عليه كائناته من صفات الخالق سبحانه ـ إلا إذا أدركنا كائناته الحسيَّة أولاً... واستحضرنا ببديهية السببية ـ أن لابد لهذه الكائنات من خالق... فإذا حضر ذلك في الذهن فقد تسنَّى للعقل الروحي أن يطالع في ملكوت الكائنات ما شاء الله من صفات قدسه، ومواهب كرمه.
الأول: إدراكنا للكائنات المحسَّة الظاهرة، وما لها من خصائص ومنافع، وهو يتم بالعقل العادي الطبيعي.
والآخر: إدراكنا للأمور الروحية، والعلوم القدسية التي تدل عليها الكائنات وغيرها، وهو يتم بالعقل الروحي.
ونستطيع ـ تقريباً للمعاني وتطويراً للحقائق ـ أن نقول: إنَّ الإدراك الأول، معزول عن الإدراك الثاني، وإن الإدراك الثاني معزول عن الأول... وبينهما طبقة عازلة، أو مرحلة فاصلة، ولا يزيل هذه الطبقة العازلة، ولا يملأ المرحلة الفاصلة، إلا همزة الوصل المعروفة، التي تستحضر في الذهن صلة الصنعة بالصانع، والخلق بالخالق، فتصل الإدراك الأول بالإدراك الثاني، وينتظم التفكير على نسقه السوي في مراحل ثلاث، يتسنى له بها أن يدرك ظاهر الكون و خافيه...أو مادته وروحه...
فإذا لم يكلف أحد منا نفسه ذلك، بقي في عزلة أو في حجاب عن الصفات التي تملأ الكون بنورها، وظلَّ إدراكه مربوطاً بالمادة ، وقوانينها ، وخواصِّها ، أي : مشتغلاً بالمادة عما سواها، لا يقترب مما نقول قيد شعرة، وقد يبلغ أحد هؤلاء أن يكون عالماً، أو عبقرياً، أو فيلسوفاً في الطبيعة، أو في علم النفس، أو في نحوها، وهو محجوب عما لله وراء ذلك من خير كثير...
وفي نحو هذا يقول الرازي رحمه الله تعالى: (إن نور جلال الله لائح غير منقطع، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى، وبقدر ما يزول ذلك الحجاب يخلص للأرواح حظها من هذا النور) ـ تفسير الفخر الرازي ج1ص72 ـ
ومعروف مما قدمنا أن هذا الحجاب هو قيام الطبقة العازلة التي ينعدم فيها الرابط بين الصنعة والصانع...
فريق سويُّ الفكر، كامل النظرة إلى الكون، فهو يتناول الكائنات بإدراكه الطبيعي، فيعرف أحوالها، ويكشف قوانينها، ويستخرج منافعها، وفي الوقت نفسه يعزوها إلى خالقها، فينكشف له منها جانب الإحسان الإلهي الذي لا تشبع الأرواح من سعادته، ولا العقول من حكمته، فهو الفريق الذي يرى الكون بحقيقته، والأشياء كما هي، وذلك هو العلم الكامل الذي لا اعتداد لله بعلم سواه، وهو المنزلة التي كان يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (اللهم أرنا الأشياء كما هي) لم أجده في المراجع الحديثية ! والله أعلم ـ روح البيان لإسماعيل حقّي ج3ص56 ـ.
وفريق آخر قاصر النظرة، يقف بإدراكه عند المرحلة الأولى، أو المرحلة الدنيا لدنوها وقربها منه، فتفكيره حسي، ومتاعه حسي، وأهدافه حسية، أولئك هم أهل الحياة الدنيا...
وقد يتناول أحدهم الكائنات التي حوله، من إنسان، أو حيوان، أو نبات، أو جماد، في الأرض أو في السماء، فيستخرج طرائف أحواله، وعجائب أسراره، مما يسلكه في كبار الفلاسفة والمفكرين، فتتَّسع بذلك دائرة الفكر لديه ولدى الآخرين، ولكن هل رأى كل شيء في الشيء الذي درسه؟ أو اكتفى بمادته الظاهرة، إذ لم يعزه إلى خالقه ولم يدرس جانبه الروحي؟!.
إنه العلم الناقص الذي سمَّاه القرآن الكريم علم ظاهر الحياة الدنيا...
ولقد كان سقراط في مبدأ أمره يشتغل بالبحث صناعة أبيه، ولكنه ما لبث أن ملَّ هذا العمل، وجذبته الفلسفة إلى مباهجها، فتحول إليها وهو يقول ـ وكانت أمه قابلة ـ أشتغل بمهنة أمي، هي تولد الأجسام وأنا أولد العقول... وهو يعني بذلك إيقاظ أذهان الناس إلى عمق قضاياهم الإنسانية، وما تندرج فيه هذه القضايا من معان كلية، كالحكمة، والشجاعة، والعدل، والفضيلة... الخ. ولقد اتخذ إلى غرضه هذا أسلوبه الخاص في مناقشة الناس مناقشة تبين خطأهم، أو تناقضهم، أو اختلاط الأمور في أذهانهم حتى يصل في النهاية مما هو بصدده إلى تعريف لمعناه الكلي. ـ تمهيد في علم الاجتماع للدكتور عبد الكريم اليافي ص19 ـ هو ما يسميه توليد العقول...
ولا شك أنَّ ذلك أمرٌ ضروري، لكنه منهج ناقص لا يبلغ شأو النظر الذي نريد، لأنه نتاج العقل الطبيعي وحده، العقل الذي يدرك الصورة دون الحقيقة، ويعرف من الشجاعة ـ مثلاً ـ معناها الاجتماعي أو النظري، دون روحها الأصيل الذي يشبها في النفس قوة دافعة، ولا يلقيها في الطروس مبدأً يقرر أو علماً يتعلم...
على أننا قد نعود في فرصة أخرى إلى بيان هذا المعنى، ويكفي هنا أن نورد كلمة لرجل من رجال النظر الفطري الكامل، يقدم بها نفسه، ويشرح بها منهجه هو أبو سليمان الداراني إذ يقول: (إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء، إلا رأيت عليَّ لله فيه نعمة، ولي فيه عبرة) ـ تفسير ابن كثير ج1ص438 ـ.
والفرق بين كلمة الفيلسوف الإغريقي مولد العقول، وبين كلمة العارف المسلم، يوضح لنا الفرق بين منهج التفكير الطبيعي الذي انقطع عند المرحلة الأولى... والتفكير الكامل الذي واصل سيره في فهم الأشياء، فنسبها إلى خالقها، فانكشف له منها (جانب الإحسان الإلهي الذي لا تشبع الأرواح من سعادته، ولا العقول من حكمته). ففكر الفيلسوف في قمته العالية، لم يبلغ من حقائق المعرفة، ومعرفة الحقائق، ما بلغه الداراني بأيسر جهد... وشتان من يطلب الحقيقة من وراء حجاب، ومن لا يحتاج إلى طلبها إلا أن يفتح عينه على ضوئها الباهر...
ومما يطمئن إليه ضميرنا، وضمير القارئ الكريم، أن ما قررناه فيما مضى كله إنما يندرج في ركن من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا رجل مستلق على فراشه، إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم، وإلى السماء، فقال: أشهد أنَّ لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له) ـ تفسير القرطبي ج4ص314 ـ رواه الثعلبي في تفسيره قال وجدت في كتابي عن أبي زرعة محمد ابن جعفر بن الحسن وشككت في سماعي منه أنا محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله السلمي أنا محمد بن حسان بن أحمد أنا محمد بن الحسن الخليل ثنا عبد الله بن زياد القطواني حدثنا سيار ثنا عبد الله بن جعفر ثنا زيد بن أسلم ثنا عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بينما رجل إلى آخره ( تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري).
فقوله عليه السلام: (بينا رجل مستلق على فراشه، إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء...) يمثل مرحلة الإدراك العادي...
وقوله: (أشهد أنَّ لك رباً وخالقاً ) يمثل فعل قانون السببية الفطري في إلحاق الصنعة بصانعها.
وقوله: (اللهمّ اغفر لي) يمثل ثمرة ما أدركه عقله الروحي، من عظمة شأن الخالق سبحانه، وجلال صفاته...
أما قوله عليه السلام: (فنظر الله إليه فغفر له ) فيمثل أمراً آخر خطيراً لم نعرض له بعد، يمثل الثمرة النهائية أو الغاية العليا من التفكير الروحي، إذ يصير وجدان المرء حقيقة إنسانية راقية، أو حقيقة قدسية تتجاوب مع ما في ضمير الوجود، فتقبل على كل شيء فيه، ويقبل عليها منه كل شيء، في نسق قد نعرض له فيما بعد... وأسمى ذلك التجاوب الرائع هو إقبال الله عزَّ وجل الذي نتمثله في قوله عليه السلام: (فنظر الله إليه فغفر له)...
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر : مجلة منبر الإسلام ، السنة الثامنة عشرة : جمادى الأولى 1380هـ العدد الخامس.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


