جوانب التربية العقلية والعلمية في الإسلام – 4 -

جوانب التربية العقلية والعلمية في الإسلام – 4 -

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ١٨ ربيع الأول ١٤٤٠ هـ - ٢٥ تشرين الثاني ٢٠١٨
953

 رابعا: تكوين العقلية العلمية بتعليم العلوم المختلفة

ذلك أنَّ تعليم العلوم يؤدِّي إلى النمو العقلي لدى المتعلمين ثم إنَّ العلم له دور كبير في ترقية الحياة الإنسانيَّة وتنويرها وتحقيق الرفاهية وفهم الحياة والكون والوجود ولحقائق كما أنه غذاء العقل فإن غريزة العقل تدفع الإنسان إلى المعرفة [سنن الترمذي 5/51 كتاب العلم باب 19]، كما تدفع كل غريزة في الطبيعة الإنسانية إلى ما خلقت من أجله (وأنه الوسيلة الوحيدة لكشف أسرار الكون). 

وأخيراً: فإنه من أهم الطرق للوصول إلى الله سبحانه وتعالى إذا طلبه الإنسان على النهج الإسلامي.

ولذلك شجع الإسلام أولاً: على العلم وذلك بوسائل مختلفة منها: عن طريق رفع قيمة العلماء، فقال تعالى: [هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ] {الزُّمر:9}، وقال سبحانه: [يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ] {المجادلة:11}.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العلماء ورثة الأنبياء) [تفسير ابن كثير " تفسير قوله تعالى" " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً" 1/335]. 

وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: (إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض) [سنن الدرامي مقدمة 28. التاج الجامع الأصول لأحاديث الرسول 1/5 كتاب العلم. الشيخ منصور على ناصف، عيسى البابي الحلبي القاهرة 1961م].

وإذا كان هناك أمر يمكن أن يفضل به إنسان على إنسان آخر في نظر الإسلام إنما يكون ذلك بأحد ثلاثة أشياء إحداها بالعلم لما سبق قوله تعالى: [هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ] {الزُّمر:9}. 

والثاني بالإيمان [يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ] {المجادلة:11} 

والثالث بالأخلاق، قال تعالى: [أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ] {ص:28} [إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ] {الانفطار:13-14}، وإذا اجتمعت هذه الصفات في الإنسان فهو خير إنسان على وجه الأرض بعد الأنبياء فقال تعالى: [لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ] {آل عمران:113}.

[الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] {آل عمران:191}.

[إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] {فاطر:28}، [وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ] {العنكبوت:43} ، [وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ] {المائدة:83}.

ومن تلك الوسائل أيضاً تشجيع المتعلِّمين إلى التعليم؛ لأنَّ العلم لا يُنال إلا بالسعي والجد في سبيله؛ ومن هنا كان تشجيع الناس إلى طلب العلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهَّل الله له طريقا إلى الجنة) [يعتبر علماء النفس غريزة العقل من الغرائز الطبيعية في الإنسان (انظر كتاب الإنسان معجزة الخلق ص 93 للدكتور جاد فرج جودة ص 93)]. 

وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الملائكة لتضع أجنحتَها رضاء لطالب العلم – وفى رواية – رضاء بما يصنع) [التاج 1/63].

وطلب الإسلام أن يسعى طلاب العلم إلى بلاد أخرى إن احتاجوا فقال تعالى: [فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] {التوبة:122}.

وطلب صلى الله عليه وسلم من أهل البلاد التي يَفِد إليها طلاب العلم أن يسهِّلوا لهم السبل للتعلُّم؛ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنَّ رجالا يأتونكم من أقطار الأراضين يتفقَّهون في الدين فاذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً) [المصدر السابق 1/63 كتاب العلم]. 

ومن جهة أخرى طلب من المعلمين أن ييسروا الطرق ولا ينفِّروا المتعلِّمين من التعلُّم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (علِّموا ويسِّروا ولا تعسِّروا وسكنوا ولا تنفروا) [التاج 1/73 كتاب العلم]، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: (علِّموا وبشِّروا ولا تعسِّروا وإذا غضب أحدكم فليسكت) [سنن ابن ماجه مقدمه ح 226 والتاج 1/63]، أي: إذا حصل من المتعلم ما يزعج فلا تشتموا ولا تذمروا لأنَّ السكوت يجعله يسكت وهذا أسلوب من أساليب التربية الحديثة في التعليم.

ومن تلك الوسائل كذلك تشجيع المعلمين إلى التعليم أو تشجيع من يعلم إلى أن يعلم، لأن سعي المتعلم لا يكفي إذا لم يجد معلماً أو أن المعلمين لا يعلمونه ومن هنا بدأ الإسلام أولا بالتنديد بكتمان العلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من سُئِل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجامٍ من نار) [التاج 1/73 كتاب العلم رواه الترمذي] وقال عليه الصلاة والسلام: (مَثَل علم لا ينفع كمثل كنز لا ينفق في سبيل الله) [مسند الامام أحمد 1/ 152 كتاب العلم باب الحث على التعليم ح 18].

وكان تنديد الإسلام بكتمان علم الدين أشد فقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] {البقرة:174}.

[وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ] {آل عمران:187} 

ولم يكتفِ بمنع كتمان العلم بل شجَّع على نشر التعلم وتعليم ما يتعلَّمه وليس من الضروري أن يكون المعلم موظفاً في مجال التربية والتعليم بل كل من يتعلَّم شيئاً ينبغي أن يسعى إلى أن يُعلِّم ما يتعلمه فمن حضر إلى مجلس العلم وتعلَّم شيئاً فعليه أن يبلغه إلى من لم يحضر، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه) [المصدر السابق]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (تعلَّموا العلم وعلِّموه للناس) [الجامع الصغير 2/173 مختصر سنن أبي داود 1/251]. 

فمن يتعلَّم القراءة فعليه أن يعلمها لمن يجهلها، وكل من يصل إلى مستوى من التعليم فعليه أن يسعى إلى تعليم ما تعلمه، ومن ذلك يقتضي أن يتحوَّل أفراد المجتمع الإسلامي إلى معلمين أو متعلمين، وهذا خير وسيلة للقضاء على الجهل والأمِّيَّة، ومما يؤسف له أن يكون في الأسرة مُتعلِّم وتبقى باقي الأسرة جاهلة، فالمتعلم هنا مسؤول عن تعليم أسرته بل أفراد أقاربه وجيرانه ولا يَنتظر منه أجراً؛ لأنَّ الله سيعطيه أجره إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن مما يلحق المؤمن من عمله علماً عَلَّمه ونشره) [مسند الامام احمد 1/161 كتاب العلم باب في وعيد من تعليم علما فكتمه]، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: (أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علماً ثم يعلمه لأخيه المسلم) [صحيح البخاري (فتح الباري) 1/ 167 كتاب العلم].

وفي رواية أخرى (من علَّم علماً فله أجر من عمل به لا يَنقص من أجر العامل) [سنن الدرامي مقدمة 1/73 كتاب العلم]، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: (ولئن تغدو فتعلم باباً من العلم عمل به أو لم يعمل به خير من أن تصليَ ألفَ ركعة) [سنن ابن ماجه مقدمة ح 242].

ودعا الإسلام إلى المساواة في التعليم دون تفريق بين الذكر والأنثى وبين وضيع وشريف حتى لو كان خادماً لأنَّ الأمَّة اذا أرادت أن تَرتقي فلا يَنبغي أن يُترك بعض أفرادها جهالاً، بل يجب ليسير الراكب إلى التقدم العلمي أن يسير جميع أفراد الأمة في نفس الراكب وهذا يقتضى أن يساعد بعضهم بعضاً في التعلُّم، ولهذا فقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلم الناسُ بناتهم وخادماتهم، فقال: (ثلاث لهم أجران وأحدهم رجل كانت عنده أَمَةٌ فأدَّبها فأحسن تأديبها وعلَّمها فأحسن تعليمها) [سنن ابن ماجه 1/89 ح 243] وقال صلى الله عليه وسلم : (من عالَ ثلاثَ بناتٍ فأدَّبهنَّ وزوَّجهنَّ وأحسن إليهنَّ فله الجنَّة) [المرجع السابق 1/88].

وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون المعلم أميناً في التعليم، فلا يعلم خلاف ما يعلم ولا يعلم ما يجهله فقال تعالى [وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا] {الإسراء:36}، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أشار على أخيه بأمرٍ يعلم الرشد في غيره فقد خانه) [المرجع السابق مقدمة حديث 219].

وخير المعلم هو أن يَستفيد من علمه أولاً في نفسه وأن يفيد غيره. 

والعالم الخسران هو الذي لا يستفيد من علمه ولا يفيد غيره ولقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك مثلاً طيباً فقال: (مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تُمسك ماءً ولا تنبتُ كلأ، فذلك مثل من فقه من دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلَّم) [صحيح البخاري (فتح الباري) 1/200 كتاب العلم باب تعليم الرجل أمته].

المصدر: مجلة المسلم المعاصر رجب، شعبان ورمضان 1402 - العدد 31

[وللمقالة تتمة في الجزء التالي]

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...