
قبل أن نوافق أو نرفض جنيف , ألا يجدر بنا أن نتعلم من التجارب التي سبقتنا في مضمار المفاوضات مع خصم عنيد مدعوم من الشرق و الغرب؟
من أهم التجارب التي لا تزال ماثلة أمامنا لليوم : تجربة نصفنا الأخر في فلسطين... تجاهلهم العالم عقودا و لما لجؤوا للمقاومة المسلحة, و بدأ الكثير من الفلسطينيين بالانخراط فيها, و بدأ الدعم يصل من أشقائهم العرب و من غير العرب عبر التعاطف و التأييد, لجأ الغرب إلى خطة طويلة الأمد هدفها تفريغ القضية من محتواها و إدخالها في دوامة من التعقيدات بحيث تتحول من قضية شعب مظلوم إلى قضية طرفين يتفاوضان.... لكن الطريق بدأ بإعلان منظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا (و تحت هذه الكلمة عدة خطوط) للشعب الفلسطيني...
الهدف من ذلك كان في الظاهر القضاء على التشرذم الفلسطيني و توحيد البندقية و التجهز للمرحلة القادمة، و هي الدولة الموعودة.... لكن الهدف الحقيقي كان إيجاد الجهة المخولة (ببيع) القضية أو على الأقل إضاعة الوقت في مفاوضات إثر مفاوضات تبدأ و لا تنتهي، و لا تصل لشيء سوى أمور شكلية هنا و هناك مع تحسن شكلي لحياة الفلسطينيين على الأرض...
بالمقابل تكون هدفا لنقمتهم عند فشلها في إدارة أي من أمور حياتهم, و تتولى لجم السلاح.
هل تمت الخطة في فلسطين كما رسم لها؟ أقول بالمجمل: نعم , إلا أن الإسلاميين بعامة حاولوا تجنب الوقوع في الفخ... فكانت نتيجتهم الشيطنة و الإبعاد و الاتهام بالإرهاب و الرجعية و عدم الواقعية وغير ذلك من التهم....
هل رأيتم التشابه بين ما حدث في الجزء الجنوبي الغربي لبلاد الشام و ما يراد للجزء الشمالي الشرقي الأكبر منها؟ (أذكّر هنا أننا شعب واحد و في الأصل بلد واحد و طريقة تفكير متقاربة و تركيبة سكانية متقاربة و حتى العدو في الحالين لديه أساليب التفكير نفسها..)
أرى أن الهدف من حض السوريين على إيجاد مظلة سياسية موحدة هو كما كان بالنسبة للفلسطينيين ...إيجاد الجهة المستعدة للدخول في تلك المفاوضات اللانهائية فيما يستمر النظام على الأرض بشكل ما و يطول عمره أو على الأقل تكون المحصلة حكومة أقل بكثير من طموح الشعب السوري, و يكون على تلك الجهة السياسية عبء إقناع الشعب السوري بهذا على أنه النصر الممكن دون أن يجبر الغرب على فرضه على الناس مباشرة, و حتى إن كانت تلك الجهة السياسية رافضة و ممانعة فالتعامل معها أسهل بكثير من التعامل مع الشعب السوري كله, و لدينا أمثلة حية من تعاملهم مع المجلس الوطني أولا و كيف همّش حتى تم تمييعه بالعناصر الموالية للنظام, أو كما تعاملوا مع عرفات حين أعطاهم كل شيء لكن رفض بيع القدس .. فقتل و استبدل...
المرحلة الأولى: كانت إيجاد الهيكل القادر على المفاوضة و يعترف به كممثل للشعب السوري و بنفس الوقت فيه من العملاء ما يمكن التحكم به بدرجة ما و قد نجحوا في ذلك, و نحن الأن نترحم على أيام المجلس الوطني بعد أن شاهدنا ما يفعله الإئتلاف... و أطمئنكم, إن مانع الإئتلاف فسيتم تعديله و تطعيمه بالمزيد من المعارضين (التقليد) (أي المعارضين ظاهرا و العملاء باطنا) بحجج كثيرة مثل تمثيل الأقليات أو المناطق أو مراعاة التحالفات الدولية أو الأكاديميين أو التيارات الفكرية أو غير ذلك من الحجج.
المرحلة الثانية :هي قبول هذا الممثل لمبدأ التفاوض مع النظام كمبدأ, و في هذا السبيل سيقومون بإعطاء كافة الوعود و الضمانات و التعهدات, كما سيتم من طرف أخر وضع التهديدات التي ستأتي إما بشكل نصائح أو تهديدات مباشرة, و هنا سيتم قبول الكثير من شروط الإئتلاف حتى يجلس على طاولة المفاوضات, أو على الأقل تصوير ذلك إعلاميا حتى يسهل عليه تسويق ذلك شعبيا.
المرحلة الثالثة: ستكون خفض سقف توقعات الشعب السوري تدريجيا, و إيهام الشعب (عن طريق الإئتلاف) بأن ما تحقق هو نصر لكن لابد من المزيد من المفاوضات حتى يتم تحقيق المزيد من تلك الانتصارات, ثم تدريجيا يتم إقناع الشعب أنه لا داعي للسلاح ما دامت المفاوضات أرخص و أسهل و تؤدي الغاية (بالمناسبة بدأ العزف على هذا اللحن منذ الأن حيث يعلن كيري أنه لا حل إلا بالتفاوض ... ألا يذكركم هذا بالنغمة السائدة فيما يجري في فلسطين؟)
المرحلة الرابعة: هي القبول بشكل من الحلول الوسط (بنظرهم طبعا) تقتضي القبول بحكومة تصريف أعمال أغلبيتها من الشعب الشريف ... تكون منزوعة الدسم عفوا الصلاحيات, فيما تستمر السلطة الحقيقية بيد العملاء من النظام الحالي مطعمين ببعض العملاء الجدد (الذين سارعوا لحجز مقاعدهم مثل قدري جميل أو المناع و حتى كيلو) و تعود الأمور لما كانت عليه و على الشهداء و الأرامل و الأيتام العوض ... أو ربما تتكرم قطر أو السعودية بدفع تعويضات معينة و يا دار ما دخلك شر..!!
ما الحل إذاً؟
أولا: و الأهم و هو ما انتبه له الثوار على الأرض... الجناح السياسي داعم و ليس حاكم على الجناح العسكري في هذه المرحلة, و شرعيتهم تأتي من مقدار الدعم الذي يوفرونه للشعب على الأرض و ليس بمقدار اللقاءات التي يجرونها أو عدد الدول التي تعلن أنها (صديقة) للشعب السوري, و إن كان ذلك خطوة مهمة لتحقيق الهدف الأول.
ثانياً: أن يقطع الطريق على طريق المفاوضات العبثي بالإعلان مرارا و تكراراً من كافة الجهات الثورية أن الهدف هو إسقاط النظام ثم (و فقط ثم) يتم التفاوض بين كافة مكونات الشعب السوري على شكل الحكومة المقبلة و نسب التمثيل و الدستور و غيرها و ليس قبل ذلك, كما يجب اعتبار كل من يقبل مفاوضة النظام في هذه المرحلة خائنا, و أن النظام يجب أن يكون مصيره كمصير هتلر... الموت أو المحاكمة كمجرم حرب...
ثالثاً: على الكتائب العسكرية على الأرض سرعة التوحد حتى تصبح فعاليتها على الأرض أكبر و لتجنب احتمالية وقوع اقتتال بعد سقوط النظام و الوقوع في فخ الحرب الآهلية و أو الفوضى المسلحة, مع تعهدها كلها بشكل واضح و صريح بترك السلاح حال سقوط النظام و الاحتكام للشعب الذي سيقرر من يحكمه و كيف يحكمه و يتم حصار و إضعاف من لا يلتزم بهذا التعهد.
رابعا :على القوى العسكرية على الأرض التنسيق مع الجهات السياسية التي ترى أنها تحمل الهم الوطني و الأبعد عن العمالة و الخيانة, و تحمل بعض المناورات السياسية للمصلحة الأهم مالم تتعدى ما ذكرته أنفا من الخطوط الحمر (مفاوضة النظام أو القبول بأقل من رحيله كاملا), أو أن تنشئ هي هياكلها السياسية المتناسقة و الموحدة لتكمل عملها الميداني و تقوم عنها بالتفاوض ( مجتمعة و ليس كآحاد) مع الجهات الخارجية الداعمة أو التي تدعي دعمنا.
خامساً: على الشعب السوري كله أن يتيقظ لهذه المحاولات لتمييع القضية و فرض حلول لا ترقى لدماء الشهداء و شرف الحرائر و دموع الثكالى و الأيتام و مقدار الخراب الذي حل بالبلد... و علينا جميعا أن نعلم أن الغرب لن يعطينا ما نريد إلا عنوة و بالتضحية لكن التضحية الأن أسهل من حلول مجتزأة تؤجل المشكلة و لا تحلها...
مشكلتنا هي حكومة طائفية عميلة دكتاتورية, لا يكفي أن نخلصها من واحدة أو اثنتين من تلك الصفات, فستعيد تشكيل نفس المتلازمة بمرور الوقت... إن لم نخلصها من العمالة و الطائفية و التجبر معاً فإنما نورث هذه المشكلة لأبنائنا..
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


