ثلاثة أيام في رحاب العلم... مع شيخنا العلَّامة محمد عوَّامة

ثلاثة أيام في رحاب العلم... مع شيخنا العلَّامة محمد عوَّامة

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ - ٣ تشرين الأول ٢٠٢٥
420

كان العلماء وطلَّاب العلم في الأزمنة الغابرة يشدُّون الرِّحال إلى الحج والعمرة، يرجون –إلى جانب أداء المناسك– لقاءَ العلماء والمشايخ الذين يفدون من شتَّى أقطار الأرض، فيجتمعون على مائدة العلم كما يجتمعون على عبادة الله سبحانه وتعالى. فكان للحج آنذاك بُعدٌ آخر، إذْ غَدَا ملتقى للأمَّة عامَّةً، ومنتدى للعلماء خاصَّةً. ومثل هذا اللقاء لا غِنى عنه لتلاقُحِ الأفكار وتبادُلِ الرأي وتثميرِ التجارب، لذا حفلت كُتُب التاريخ والتراجم بصفحاتٍ مُشرقةٍ تصف تلك الرحلات العلمية التي تحتفي بها أمتنا فخرًا واعتزازًا.
وقبل أيام، تشرّفتُ بدعوةٍ كريمةٍ من أستاذنا الجليل، فضيلة الدكتور محيي الدين عوامة حفظه الله تعالى لحضور الملتقى العلمي السنوي الأوَّل الذي أقامته دار الحديث العوَّامية تحت عنوان: «تعليم العلوم الإسلامية: المنهجية العلمية ومواكبة العصر»، في مدينة إسطنبول المأنوسة بأنوار العلم والعرفان.
وقد غمرتْني البهجة يوم لبَّيتُ هذه الدعوة المباركة، إذ حضرتُ يومَي الملتقى: السبت والأحد (15-16/2/1447هـ = 9-10/8/2025م)، فاستفدتُ من محاضرات الأساتذة والمشايخ، وانتفعتُ بمجالس الباحثين الكرام الذين جاؤوا من أطراف الدنيا من سبع وأربعين دولةً، وكان لي من تلك اللقاءات حظٌّ ونصيبٌ. فلله الحمد على ما منَّ ووفَّق.
ولم يكن ليمرَّ هذا الملتقى دون أن أشهد بحسن ترتيبه، وجمال تنظيمه، ورحابة ضيافته. فجزى الله فضيلة الدكتور محيي الدين عوَّامة خير الجزاء، إذ جمع الكلمة، وأحسن التهيئة، فجاء الملتقى وارفَ الظلال، ناضرَ الثمار، يزهو بمحاضراته ونقاشاته وتوصياته.
وفي هذه السطور، أودُّ أن أدوِّن شيئًا مما اقتبستُه من أنوار الحكمة، ودُرر التوجيه، ونفائس الفوائد، من محاضرةِ ومجالسةِ وحوارِ شيخنا الإمام العلَّامة، المحدِّث الكبير، الشيخ محمد عوَّامة حفظه الله تعالى، متَّعنا الله به وبأنفاسه العطرة.


اليوم الأول: محاضرة الشيخ في الملتقى
الأمر الأول: مواكبة العصر:
كانت لشيخنا الكلمة الرئيسة في هذا اليوم، فبدأ كلمته بهذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، ثم قال: اللسان نوعان: لسان لغوي ولسان علمي ثقافي. فكما أن كل رسول أُنزِل معه كتابٌ بلسان قومه اللغوي، فكذلك أُوتي معجزةً توافق لغة قومه العلمية والثقافية.
فسيدنا إبراهيم عليه السلام كان قومه مولعين بعبادة الكواكب، فبدأ دعوته إلى التوحيد بالنظر في الشمس والقمر، ثم بتفنيد هذه الدعاوى الباطلة، وصولًا إلى الدعوة الخالصة لله الواحد الأحد. وكان قوم سيدنا موسى عليه السلام منغمسين في السحر، فأرسل الله معه العصا وغيرها من المعجزات الرَّبَّانية التي تبطل سحرهم. أما قوم سيدنا عيسى عليه السلام فكانوا بارعين في الطب، فأعطاه الله معجزات تناسب ذلك، فكان يُبرئ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى بإذن الله تعالى. وكذلك أُنزل على نبينا ﷺ كتابٌ بأفصح لسان، يعجز عن الإتيان بمثله البلغاء والأدباء.
فكما أن الأنبياء عليهم السلام أرسلوا إلى أممهم بلسان قومهم، فإنه لا بد للعلماء –وهم ورثة الأنبياء– أن يؤدوا هذه الأمانة بلسان معاصر، ليبيِّنوا للناس ما نُزِّل إليهم من الكتاب والحكمة.
ومن المخزي جدًّا أن يُسأل الطالب عن الشرق –مثلًا– فيجيب عن الغرب؛ فإنما يدل ذلك على ذهولٍ وغيابٍ كاملٍ عن واقع العصر. وهذا لا يليق بطالب العلم أبدًا، بل يجب عليه أن يكون مطلعًا على واقع زمانه، مخاطبًا لجمهوره بلسان معاصر يفهمونه.
فإذا تمكَّن الطالب من العلوم والمبادئ والأصول، وجب أن ندرِّبه على مواجهة الشبهات المعاصرة بلسانٍ وأسلوبٍ يفهمه أهل العصر، حتى يكون قادرًا على إيصال الحقائق بثوبٍ معاصرٍ دون إخلال بجوهر الدين وأصوله.

الأمر الثاني: الاستفادة من ما وراء المصلحات العلمية:
يقول شيخنا حفظه الله: أبسط العلوم في نظرنا هو علم التجويد، لكنه في الحقيقة أُسُّ العلوم الدينية، إذ يرشدنا هذا العلم إلى كيفية النطق بحروف القرآن نطقًا صحيحًا ثابتًا عن النبي ﷺ. كم حرفًا في القرآن؟ إنها آلاف مؤلَّفة، ومع ذلك فقد حفظ العلماء لنا عبر القرون المتطاولة أنَّ حرفًا واحدًا منها فيه إشمام، وهذا يدل بوضوحٍ على مدى دقة نقل القرآن جيلًا بعد جيلٍ، وتلك الدقة شاهد قاطع على أن القرآن حُفِظ كاملًا دون زيادةٍ أو نقصانٍ.
فتحقيق الهدف من العلم يكون بمراعاة هذه الدقائق وفهم ما وراء المصطلحات من معانٍ حين ندرِّسها للطلاب.
قبل خمسين سنة كان يُقال: «هناك ثوابت لا تُمس»، أمَّا اليوم فأصبح كل شيء يُمس، بل وصل الأمر إلى دعوى باطلة تقول إن «صحيح البخاري» صنم يُتخذ من دون الله! ولذلك، حين ندرس السنة، ينبغي أن نتذكّر أن دراستها تعني درايةً وتعليقًا ومناقشةً لكل حرف من الحديث وسنده، وأننا لا بدَّ أن نغوص فيما وراء هذه المصطلحات الحديثية، كما يجب أن نطّلع على أخبار علماء الحديث الذين نقلوا هذه الأحاديث بجهود جبَّارة، فهم بحقٍّ جنود الله في الأرض.
إبراهيم بن سعيد الجوهري، أحد شيوخ الإمام مسلم وغيره من الأئمة، جاءه صديقٌ له يسأله عن حديثٍ من أحاديث سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فنادى الإمام الجوهري جاريته: هاتي هذا الجزء الثالث والعشرين من «مسند أبي بكر الصديق»، فقال: كيف تكون هذه الأجزاء، وليس له إلا أحاديثُ قليلةٌ؟ فقال: «كلُّ حديثٍ ليس عندي من مئةِ وجهٍ فأنا فيه يتيمٌ». لقد كان المحدثون يعتنون بجمع الأعداد الهائلة من الطرق لكل سندٍ وحديثٍ، ليمحِّصوا ويفلّوا كل حرفٍ وكلمةٍ منه، حتى يميّزوا الصحيح من السقيم.
وقال الإمام علي ابن المديني رحمه الله تعالى: «الحديث إذا لم تُجمع طرقه لم يتبيَّن خطؤه». وقال الإمام يحيى بن معين رحمه الله: «إذا لم نكتب الحديث من خمسين وجهًا ما عقلناه».
فلا بدَّ لنا أن نُخرج هذه الكنوز من أخبار سلفنا الصالح، في حفظ السُّنَّة، والدقة في نقلها، وتحريرها، وصونها من الأخطاء والزلات.
ويبنغي أن نتذكر أن الفقهاء والمحدثين هم أركان الإسلام ومفاخر الأمة المسلمة؛ فكما أن للمحدثين جهودًا جبَّارة في حفظ السنة، فإن للفقهاء عقولًا جبَّارة في استنباط الأحكام منها.
الإمام إسماعيل المقري الشافعي، لما رحل الحافظ ابن حجر إلى اليمن التقى به، وقال: «هو أذكى من لقيت باليمن». تكلم المقري عن الماء المشمس: هل يجوز الوضوء به؟ من الجانب الطبي أو الفقهي، ثم تحدث عن الوجوه الفقهية فذكر عددًا خياليًّا جدًّا جدًّا، خمسة ملايين ومئة ألف وأربعًا وثمانين ألف وجه، وكل ذلك في ثلاثةٍ وستين سطرًا مخطوطًا.
كثيرًا ما نقتصر في تدريس الفقه على المتون والشروح والمختصرات، مع أن هناك كتبًا تعرف بـ «النوازل» و«الفتاوى»، وهذه الكتب الفتاوى يُستفاد منها فوائد جليلة، منها: بيان مرونة الفقه وقدرته على تلبية حاجات الناس في كل عصر ومصر، والاطلاع على تاريخ الحضارة الإسلامية في مختلف البلاد، ومعرفة ارتباط عامة المسلمين بشيوخهم في شؤون حياتهم كلها، واستنباط تطور المجتمع الإسلامي من خلال تلك الفتاوى.
فالخلاصة: أنه لا بد لنا من قراءة سِيَر العلماء والاعتبار بها.

الأمر الثالث: إخلاص العلماء والاهتمام بأحوال المسلمين:
السري السقطي كان يتعفف عن أموال الناس، قال أبو بكر الحربي: سمعت السري يقول: حمدتُ الله مرة، فأنا أستغفر من ذلك الحمد منذ ثلاثين سنة. قيل: وكيف ذاك؟ قال: كان لي دكان فيه متاع، فاحترق السوق، فلقيني رجل، فقال: أبشر، دكانك سلمت، فقلتُ: الحمد لله، ثم فكرتُ، فرأيتها خطيئة - إذ أحسَّ أن فرحه كان لانفراد ماله بالسلامة دون مال المسلمين.
ودخَلوا على بِشرٍ الحافي في يومٍ شديدِ البردِ، وقد تجرَّد وهو ينتَفِضُ، فقالوا: ما هذا يا أبا نَصرٍ؟ فقال: ذكَرْتُ الفُقَراءَ وبَرْدَهم وليس لي ما أواسيهم به، فأحبَبتُ أن أواسِيَهم في بَردِهم.
هذه هي الأخوة الإسلامية الحقيقية.
وما أروع ما قال الإمام الشافعي رحمه الله:
من نَالَ منِّي أو عَلِقتُ بذِمَّته سامحتُه لله راجِيَ مِنَّته
وكان الإمام أحمد بن حنبل يصلي النوافل المطلقة -غير الرواتب- كل يوم ثلاثمئة ركعة، وبعد المحنة اقتصر -لضعف بدنه وسوء صحته- على مئةٍ وخمسين ركعةً. وجاء في «مناقب الإمام أحمد» عن ابنه عبد الله، يقول: قرأت على أبي روح عن أشعث عن الحسن: «إن لله عز وجل بابًا في الجنة لا يدخله إلا من عَفا عن مَظْلِمة». فقال لي: يا بُني، «ما خرجتُ من دار أبي إسحاق حتى أحللته ومن معه إلا رجلين، ابن أبي دؤاد وعبد الرحمن بن إسحاق فإنهما طلبا دمي، وأنا أهونُ على الله عز وجل من أن يعذب فيَّ أحدًا، أشهدك أنهما في حِل».
وجاءته هدية المتوكل ألف دينار، فردّها وقال: «صبرت على فتنة الدين، فأخشى أن لا أصبر على فتنة الدنيا». وهكذا كانت عزة العلم والعلماء، فلتكن لنا وقفة مع سيرتهم العطرة، ولنحي ذكراهم، ولْيحرص شباب الأمة على قراءة التراجم والسير.

اليوم الثاني: حوار مفتوح مع الشيخ
لم تكن لشيخنا حفظه الله محاضرة رسمية في اليوم الثاني من الملتقى العلمي، لكن كانت هناك مفاجأة لطيفة من قِبل المنظمين؛ إذ رتبوا مجلس حوار مفتوح مع الشيخ، أدارَه الأستاذ الدكتور عصام عيدو، حيث طرح عليه عددًا من الأسئلة العلمية والتربوية. وسأوجز هنا بعض أبرز النقاط التي دار حولها الحديث، لِتعم الفائدة:

النقطة الأولى: شروط طلب العلم
استهل شيخنا حفظه الله الحوار بقراءة البيتين المنسوبين للإمام الشافعي رضي الله عنه وهما لإمام الحرمين:
أَخي لَن تَنالَ العِلمَ إِلّا بِسِتَّةٍ سَأُنبِيكَ عَن تَفصيلِها بِبَيانِ
ذَكاءٍ وَحِرصٍ وَاجتِهادٍ وَبُلغَةٍ وَصُحبَةِ أُستاذٍ وَطولِ زَمانِ
ثم توقف الشيخ عند كل شرط من هذه الشروط الستة، موضحًا أن العلم لا يُنال بالتمني، وإنما يُنال بذكاء حاضر، وحرص شديد، وجِدٍّ في الطلب، مع التزود بما يعين على الاستمرار، وضرورة ملازمة العلماء، وطول النفس في التعلم.

النقطة الثانية: اختيار الكتب الدرسية

قال شيخنا حفظه الله: ينبغي لنا أن نحسن اختيار الكتب التي ندرِّسها للطلاب؛ فالمعيار ليس شهرة الكتاب أو مكانته العلمية في ذاته، وإنما مدى صلاحيته لمستوى الطالب وذوق عصره.
ثم أضاف: لقد كان الأزهر الشريف منارة العلم والهدى لأهل السنة والجماعة في أقطار الأرض، لكن حين أُدخلت إلى مناهجه بعض الكتب غير المناسبة، أحدثت تشويشًا في أذهان الطلاب، وانعكس ذلك على عامة المسلمين. مثلا هذان الكتابان: «سبل السلام» و«نيل الأوطار»، كيف يُدخَلان في المقررات الدراسية، وفيهما ما فيهما!

النقطة الثالثة: مراتب العلماء
قال شيخنا حفظه الله: أذكركم أيها الشباب بقاعدةٍ عظيمةٍ ذكرها الإمام مسلم رضي الله عنه، وهي كافية في الدلالة على إمامته في العلم، ومحصلها: من أول ما يجب على طالب العلم أن يعرف مراتب العلماء. فأوضح شيخنا قائلًا: لا بدَّ لنا أن نعرف مراتب العلماء بدقة وإتقان، حتى نتمكن من الاستفادة من مؤلفاتهم، أو الحذر منها عند الحاجة.
وضرب شيخنا مثالًا بكتاب «سبل السلام» لمؤلفه الصنعاني الزيدي، فقال: هذا المؤلف كان يسيء في شأن الصحابة، ففي كتابه هذا حين علّق على قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة التراويح: (نعمت البدعة هذه) قال: «وليس في البدعة ما يمدح بل كل بدعة ضلالة؟»! وللصنعاني كتابٌ في أوراق اسمه «ثمرات النظر في علم الأثر»، وفيه سبع مرات يقول عن سيدنا علي رضي الله عنه: «الوصي»، ومرةً ذكر معاوية رضي الله عنه فلعنه!
ثم أشار إلى صاحب «نيل الأوطار»، الشوكاني الزيدي، ونقل كلام المحدث الكبير محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله في «فيض الباري» عن الشوكاني حيث قال: «وجمع الشوكاني فقهه في رسالة سمَّاها «الدرر البهية»، ووضع فيها مسائل أخشى على العامل بها ألَّا يُغفر له». ومن أمثلة ذلك –كما ذكر شيخنا– أن الشوكاني أفتى بجواز الزواج من ثماني عشرة زوجة، وأباح شحم الخنزير، وأنكر الإجماع. وفي كتابه «إرشاد الفحول»، باب الإجماع، كان يصدر كل مسألة من مسائل الإجماع بقوله: اختلف فيها...
وأضاف شيخنا: أما كتابه «نيل الأوطار» فليس إنجازًا علميًّا خالصًا له؛ إذ أخذ تخريج الأحاديث من «التلخيص الحبير»، واستفاد شروح الأحاديث من «فتح الباري»، وأما ما فيه من السموم والأباطيل فمن نفسه، فالجميل فيه من كتب الآخرين، والسيئ من عنده.
فكيف يُدرج مثل هذا الكتاب لمثل هذا المؤلف في مقررات الأزهر؟! والله المستعان. فهذان الزيديان –الشوكاني والصنعاني– ينبغي الحذر منهما لسوء عقيدتهما ومنهجهما.

النقطة الرابعة: النقد والأدب
قال شيخنا حفظه الله: ينبغي لطالب العلم أن يجمع بين صفتين متلازمتين: الأدب والنقد، فلا يطغى أحدهما على الآخر. فالعلم أمانة، والأدب زينة ومقام.
ثم أوضح: نحن نحترم العلماء لارتباطهم بالعلم، لكن إذا وقع منهم خطأ، فلابد أن ننتبه له وننبه عليه، حتى لا تتوارث الأجيال الخطأ جيلًا بعد جيلٍ.
وضرب مثالًا بالحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، فقال: كتابه «فتح الباري» من أعظم شروح «صحيح البخاري»، بل أقول: إن ابن حجر كان يحفظ «صحيح البخاري» أكثر من البخاري نفسه؛ أعني أنه كان مطّلعًا على كل راو: كم روى له البخاري، وأين حديثه هذا.
ومع هذا، أشار شيخنا إلى أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أخطأ أحيانًا في عزو بعض الأحاديث إلى «صحيح البخاري» وهي ليست فيه، أو في نفي وجود بعض الروايات وهي فيه. ثم علّق شيخنا: نحن ننبّه الطلاب على مثل هذه الأخطاء، ولكن بكل أدب واحترام؛ فمثل هذه الأخطاء لا تُذكر أمام ما أصاب فيه الحافظ ابن حجر من مسائل العلم، فكيف نقلّل من شأنه؟. إذن، لا بدَّ من الجمع بين أمرين: أن ننبه على الخطأ، وأن نحفظ مكانة العالم في الوقت نفسه.
وقد أكَّد شيخنا على أهمية معرفة العلم وتاريخه، حتى نكون على بيِّنةٍ من الأمر، وسأذكر بعض التفاصيل حول هذه النقطة في مجلس اليوم الثالث إن شاء الله تعالى. ومنح شيخنا الحاضرين -بالتماسٍ منهم- إجازته في الحديث النبوي الشريف بعد قراءة الحديث المسلسل بالأولية، المعروف بـ «حديث الرحمة»، وذكّرهم بوصاياه الست التي يلتزم بذكرها كلما أجاز أحدًا. وقد عرضتُ هذه الوصايا بشيء من التفصيل والتدليل في كتابي: «نفحاتٌ من صحبة شيخنا العلامة محمد عوامة» (ص 55-73).

صحبةٌ في وقفةٍ:
وفي اليوم الثاني، وأثناء الاستراحة في برامج الملتقى العلمي، سنحت لي الفرصة لقضاء دقائق في صحبة شيخنا حفظه الله في غرفة الضيوف. كنت أودُّ أن أتشرف بتقديم نسخةٍ من كتابي الصادر حديثًا: «نفحات من صحبة شيخنا العلامة محمد عوامة»، ولكن لعدم بقاء أي نسخة معي في تلك اللحظة، لم أتمكّن من إهدائها لشيخنا أو لابنه الفاضل.
فقال لي سيدي الدكتور محيي الدين عوامة حفظه الله مازحًا: «سامحك الله». فبادر شيخنا العلامة قائلًا: «سامحك الله، ولكن ليس لعدم تقديم نسخةٍ لنا، بل لتأليف هذا الكتاب! من أنا حتى يُؤلَّف عني كتابٌ؟» سبحان الله، ولا حاجة إلى التفصيل في أنَّ هذا من غاية تواضع شيخنا العلَّامة وورعه وتقواه.
ثم دار الحديث عن جهود علماء الهند في خدمة الدين والعلم في البلاد الغربية، فقال شيخنا حفظه الله: أحد المشايخ من دار العلوم نيويورك جاءني وقال: نحن نحاول أن ننشئ مدرسة دينية في لندن على نفس المنوال. فقلت له: يمكنكم أن تسمّوها أيضًا دار العلوم لندن.
فذكرتُ لشيخنا حفظه الله: سيدي، هناك مدرسة شرعية في لندن فعلًا باسم: دار العلوم لندن. فتبسّم وقال: هذا من بركة إخلاص العلَّامة النانوتوي وزملائه، فكل هذه المدارس الدينية في الشرق والغرب وحتى في جنوب إفريقيا امتدادٌ مباركٌ لدار العلوم ديوبند. فقلتُ: شيخنا، هذا كما تقولون دائمًا: «الإخلاص يصنع العجائب».

اليوم الثالث: في منزل الشيخ حفظه الله
صباح يوم الاثنين، أرسلتُ رسالةً إلى فضيلة أستاذنا الدكتور محيي الدين عوامة حفظه الله أُبدي فيها رغبتي في لقاء شيخنا الإمام قبل عودتي إلى لندن، للاستفادة من صحبته الطيبة العطرة النيرة. فتكرّم عليَّ الشيخ محيي الدين –كعادته الكريمة– وحدَّد لي موعد اللقاء في الساعة السابعة مساءً، فجزاه الله تعالى خيرًا.
وفي الموعد المحدَّد وصلنا إلى منزل شيخنا حفظه الله، حيث أُتيح لنا شرف الجلوس بين يديه. وقد سررتُ أيما سرورٍ بتقديم نسخةٍ من كتابي الصغير «نفحاتٌ من صحبة شيخنا العلامة محمد عوامة» لشيخنا الإمام، ونسخة أخرى لابنه الكريم.
فقال شيخنا -كما قال بالأمس-: «يا أخي، بارك الله فيك! لا أستحق أن يُكتب عني كتابٌ؟» فأجبتُه: شيخنا، إنما أردتُ من ذلك إفادة أمثالي طلبة العلم بنصائحكم الغالية وإرشاداتكم العالية التي حصلتُ عليها من مجالسكم العلمية النفَّاعة النفَّاحة، في زياراتي السابقة لفضيلتكم بإسطنبول. وكان الدافع الأكبر لي ما ذكرتموه في كتابكم «معالم إرشادية لصناعة طالب العلم»، وقد نقلتُ تلك الكلمة النفيسة في مقدمة كتابي هذا المتواضع.
ثم قرأتُ على الشيخ تلك الكلمة، فابتسم الشيخ محيي الدين، وقال شيخنا الإمام بصوته الهادئ المعهود: نسأل الله العفو والعافية. ثم دعا لي شيخنا بالعلم النافع وبالتوفيق.
كان الحديث في ذلك المجلس العلمي الخالص المبارك عن موضوعاتٍ مختلفةٍ، وبدأ شيخنا حفظه الله بالسؤال عن أحوال المسلمين في بريطانيا ودول أخرى، فقد كان في المجلس إخوة من جنسياتٍ متعددةٍ. وكان سؤاله ينبئ عن اهتمامه العميق بأمور المسلمين وظروفهم، خصوصًا في البلاد الغربية، وهذا من سنن نبينا ﷺ: تفقد أحوال المسلمين.
وقد شعر شيخنا حفظه الله بحزنٍ شديدٍ حين أخبره الأستاذ جميل أحمد أن الحجاب ممنوع في ري يونيون التابعة لفرنسا، فعلَّق شيخنا قائلًا: أولئك يدَّعون الحرية والديمقراطية؟ كما فرح شيخنا حينما أخبرناه عن نشاطات العلماء والمسلمين في بريطاينا المتنوعة.
وأنا لاحظتُ شيئًا أعجبني وأدهشني في الوقت نفسه خلال يوم الملتقى، ووددتُ أن أذكر هذه اللفتة لشيخنا وأشكره عليها. فقلتُ له: شيخنا، لقد أدهشني جدًّا حين رأيتُكم في اليوم الأول من الملتقى تجلسون لساعات طويلة تستمعون إلى محاضرات أبنائكم في العلم، وتلامذتكم، بل وتلامذة تلامذتكم! نحن شهدنا مؤتمرات يحضرها كبار الشخصيات البارزة، فيلقون كلمتهم ثم يغادرون القاعة، ويغادر معهم نصف الحاضرين! أما أنتم فجلستم طوال اليوم بهذا الصبر وهذه المتابعة، وفي هذا العمر الكبير وتحت ظروف صحية صعبة!
لا مناص من القول إن هذا كان من تواضعكم، ومن تدريبنا –نحن الصغار– على حسن الاستماع للآخرين. ولو لم نستفد من هذا الملتقى إلا هذه اللفتة المهمة لكفتنا هذه الرحلة من بريطانيا إلى إسطنبول. نحن لم نشهد الإمام الذهبي أو الحافظ ابن حجر أو العلامة الكشميري وغيرهم من المحدثين الكبار إلا في كتب التراجم والسير، ولكن يحقُّ لنا أن نفتخر أمام طلابنا وأبنائنا بأن نقول: إننا رأينا شيخنا العلامة محمد عوَّامة في تواضعه وورعه وتقواه وعلمه واستحضاره المدهش وما إلى ذلك من الصفات العليَّة. أنتم تذكارٌ لنا لسلفنا الصالح حقَّا، وبركة هذا العصر صدقًا.
وأثناء كلامنا هذا كان شيخنا يردد: نسأل الله العفو والعافية، وكان رده بعد كلامنا هذا مختصرًا، لكنه عميق ومعبر، حيث اكتفى قائلًا: «أنتم ما رأيتم مشايخنا يا شباب! وحسبنا الله ونعم الوكيل».
ثم جال بنا الحديث إلى موضوع الوهابية وأثرهم السلبي في الدعوة والتعليم، وكان حديثًا طويلًا ذا شظون، وكان شيخنا يستمع إلينا بانتباهٍ حينما ذكرنا تجاربنا سواء في فرنسا أو بريطانيا أو ري يونيون.
ثم قرأ لنا شيخنا هذا البيت من الشعر:

ويكفيـكُـمُ هـذا الـتَّـفـاوتُ بَـيْـنَـنـا *** وكُـلُّ إِنـاءٍ بالذي فِـيهِ يَـنْـضَـحُ


وسأل أحدُ الإخوة شيخَنا حفظه الله عن رأيه في صديق حسن خان القنوجي، فقال شيخنا: له كتاب بعنوان «نزل الأبرار»، انظروا في الغلاف كيف ألحقوا باسمه الألقاب الهائلة، وصدقًا لا تقال هذه الألقاب حتى في البخاري ولا في الشافعي ولا في أحمد، ألقابٌ كلها كذبةٌ، وهكذا يصنع أصحاب دُور النشر لترويج وتسويق كتبه، وبالتالي هذا من تزوير وتشويه العلم من قبل أصحاب المطابع، فهم تجار يبيعون كتبهم بإلحاق هذه الألقاب الكبيرة، ولكنهم يفسدون على طلاب العلم.
القنوجي ترجم لنفسه في آخر كتابه «أبجد العلوم»، وفيها أن ملكة بهوفال توفيت، وكان ملَّكها الإنجليز، وبعد وفاتها جاؤوا بحفيدتها، وعمرها تسع سنوات، فملَّكوها، ثم كبرت، فزوَّجوها من صديق حسن خان، وزوج الملكة ملكٌ، فهو كان يطلب من علماء بهوفال -وهم أحناف- أنت تؤلف في موضوع كذا، وأنت تؤلف في موضوع آخر، وهكذا، ثم ينسب هذه الكتب إلى نفسه، ويتفق أن هذا على المذهب الوهابي، وهذا على المذهب الحنفي، وهذا صوفي، فكُتُبه المنسوبة إليه ذات مشارب مختلفة، منها اللامذهبية، ومنها أهل الحديث، ومنها الحنفية، ومنها الصوفية، فإذا هو عميلٌ إنجليزي، ملكٌ تسلَّطَ على المشايخ، يطلب منهم أن يؤلفوا الكُتُب ثم ينسبها إلى نفسه.
أما من يكشف هذه الحقائق في التراجم فهذا قليلٌ قليلٌ جدًّا.
وكان السؤال الموجَّه إلى شيخنا حفظه الله: من أين نبدأ في قراءة كتب التراجم؟ فأجاب شيخنا بكل حكمةٍ ووضوحٍ: كلٌ حسب حاجته ورغبته، فالكتب متوفرة، أما القراءة المرتبة للتدرج من مستوى إلى مستوى، فإذا أردتَ قراءة عامة فكتاب ابن خلكان «وَفَيَات الأعيان» فيه تراجم ملخصة. وإذا رغبتَ في تراجم المحدثين فابدأ بـ «تذكرة الحفاظ» للذهبي، ثم إذا أحببتَ الاستمرار فاقرأ «سير أعلام النبلاء» و«تاريخ الإسلام».
أما في التراجم المفصلة فـ«تاريخ بغداد» جيدٌ، ولكن أنت حنفي فضع في بالك ترجمة الإمام أبي حنيفة في «تاريخ بغداد»!. وأما «تهذيب التهذيب» فليس كتابًا لقراءته من البداية إلى النهاية، بل للمراجعة والتحقيق، فاقرأوا الطبعة الجديدة، إذْ كانت الطبعة القديمة مليئةً بالأخطاء. فقد جمع الشيخ محمد أيوب السهارنفوري رحمه الله في رسالةٍ لطيفةٍ ألفًا ومئتين خطأً مطبعيًّا، وكان شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله ينوِي طباعتها هنا في بلادنا العربية. وقد كنتُ في تلك الأيام أعمل على كتاب «الكاشف» للذهبي، فزدتُ على ما كتب الشيخ محمد أيوب أربعمئة خطأ، فصار مجموع الأخطاء ألفًا وست مئة خطأ. أما الطبعة الجديدة -طبعة جمعية دار البر بدبي- فلا بأس بها.
وهنا قال لنا شيخنا حفظه الله تعالى: يجب يجب يجب -ثلاث مرات- معرفة تاريخ الحديث ورجاله، خاصة المؤلفين والمحققين. التاريخ فيه مشكلات كثيرة، وجزء منه يتعلق بتاريخ العلم، وهذا هو الخطير.
يستغرب طالب العلم حين يقرأ كُتيِّبًا صغيرًا اسمه «مغيث الخلق» لإمام الحرمين، الإمام العظيم صاحب العقلية الجبَّارة من علماء المسلمين، وفيه هذه اللوثات التافهات، أعني لو قرأتُ هذا الكتاب وليس على غلافه اسم المؤلف أقول: هذا تأليف طالبِ علمٍ جهولٍ، ولكن كيف يؤلفه إمام عظيم كإمام الحرمين؟ وماذا يريد منه؟ يريد منه أمرًا واحدًا وهو أنه يجب على كل مسلم أن يتمذهب بالمذهب الشافعي. هل من المعقول أن يقع إمام الحرمين في خطأ مثل هذا؟ لكن ملابساته تكشف، والإمام الكوثري رحمه الله تعالى ذكر في مقدمة كتابه «إحقاق الحق بإبطال كتاب مغيث الخلق» السبب الذي كتب إمام الحرمين كتابه لأجله. وكذلك الخطيب البغدادي إمام، هل من المعقول أنه يجهل إمامًا من أئمة المسلمين: أبا حنيفة؟ مع أنه كتب في ترجمة أبي حنيفة في «تاريخ بغداد» أنه ليس بمسلم! وروى في ترجمته أباطيل وأكاذيب! فالكوثري في مقدمة «تأنيب الخطيب» كتب سبب هذا أيضًا. فالمهم -يا شباب- تاريخ العلم ضروريٌّ جدًّا، حتى نستوثق من هذا الكاتب.
ومن الأمثلة على ذلك: انظروا الجزء الثالث من «فتح الباري» -طبعة الرياض-، كتب ابن باز -وهو على ما فيه، من علم ودين- الذي كان يشرف على طباعة «فتح الباري»، فكان أحد تلامذته يقرأ عليه وكان هو يصحِّح وينبه على الأخطاء وهكذا= كتب في آخر الجزء الثالث الاعتذار عن المتابعة قائلًا: «إنني أكلف الأمر إلى أخينا في الله فضيلة الشيخ محب الدين الخطيب»، فابن باز -وهو يعتبر شيخ الإسلام في السعودية- يكتب عن محب الدين: أخونا في الله فضيلة الشيخ! وهو -أعني محب الدين- لا يصلي ولا يصوم! فيجب الانتباه إلى هذه الأمور، إلى تاريخ العلم وتاريخ العلماء والمؤلفين والمحققين. ومن العلماء المتأخرين هذان الإمامان: الكوثري والكشميري عمدةٌ وحجةٌ في هذا الباب.
وقد ذكرتُ لكم البارحة كلام الكشميري في الشوكاني، فالطالب المبتدئ إذا قرأ «نيل الأوطار» للشوكاني يرى على غلاف الكتاب الألقاب الهائلة له، ولكن الكشميري كشف حاله، كما صنع الكوثري في آخر كتابه «الإشفاق».
فمن الضروري -يا شباب- الانتباه لهذه الأمور، وعنوان كلمتي هذه: الملكة النقدية عند طالب العلم، وعلماؤنا السالفون كلهم علَّمونا في كتبهم النقد الأديب، اليوم وقبل قليل، كنتُ أقرأ في «فتح الباري» مسئلة في تخريج الطرق، فابن حجر ينتقد الإمامين: ابن عساكر والمزي، ولكن بأدبٍ واحترامٍ، فهم علَّمونا النقد والأدب، فالعلم له قداسته، ونحن لا نقدِّس علماءنا وأئمتنا إلا لعلمهم، فإذا ندَّت منهم كلمة هل نقبلها هكذا؟ لا، نبيِّنُها على الصواب، ولكن بكل أدبٍ.
ومن جملة ما أقول في هذا المجال: ابن حجر لو أخذنا «فتح الباري» من كتبه بعين الاعتبار، كم نقلًا فيه؟ كم نقلًا في تخريج الحديث وكلام العلماء في الشرح؟ فرضًا نقول: مئتا ألف، لو أنني بعد تتبعٍ طويلٍ تامٍّ استخرجتُ له ألف ملاحظة، بل لا يصل العدد إلى هذا، ولكن فرضًا لو نصل، فالألف بمقارنة مئتي ألف لا يُعدُّ شيئًا. والذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» كم نقلًا فيه؟ نفترض خمسين ألف فقط، فلو أنني تتبعتُ تتبعًا كاملًا واستخرجتُ خمسين ملاحظةً أو مئة ماذا ينقص هذا العدد بمقارنة خمسين ألف نقلٍ؟ فرضي الله عنهم، أئمةٌ أمناءُ يقظةٌ، لهم كلُّ الفضل، ولكن الإنسان ابن النسيان، فإذا بدرتْ منه بادرة ننبه عليها.
فيجب أن نربي أنفسنا وطلابنا على هذا الأمر: النقد مع الأدب، فالملكة النقدية العلمية أساسٌ في طالب العلم وعنوان اليقظة. وهذا الأمر يكشفه مراجعة النقول في مصادرها الأُولى فالأُولى، وقد يكون الخطأ أو التحريف وقع للطبقة الأولى من العلماء، أنا خدمتُ [عملتُ في] «الكاشف» للذهبي لخمس سنواتٍ، مع قِصر تراجمه -فترجمة واحدة عند المؤلف تكون في سطرٍ أو سطرين- أنا كنتُ أستغرق في تحقيق هذه الترجمة أسبوعًا كاملًا، فبقيتُ خمس سنواتٍ في العمل في هذا الكتاب، فمن نتائجه هذان البحثان الأساسيان لطالب العلم: «التوقي من التحريف» و«التحذير من التوارد»، وضروري عليكم -يا شباب- أن تقرؤوهما.
ومن جملة التحريفات القديمة جدًّا: راوٍ اسمه إسماعيل بن شَرْوَس الصنعاني، قال فيه بعضهم: «يُثَبِّجُ الحديثَ»، يعني: يخلط الأحاديث والأسانيد، فهذه الكلمة تحرفتْ إلى: «يُنْتِج الحديث»، أي يختلق الحديث ويفتريه، فنقلها الذهبي بالمعنى، وقال: «يَضَع الحديث»، وقالها في كتابٍ آخر: «يَكذِب». فإذا رجعنا إلى المصادر الأُولى فالأُولى انكشف الأمر.
الإمام الهيثمي، وأنا أحبه لتأنِّيه وهدوئه في الجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف، لكن لي عليه ملاحظة واحدة، وهي قصة الهيثمي مع ابن خلدون، وهي أن رجلًا نقل إلى الهيثمي رحمه الله عن ابن خلدون أنه يقول عن سيدنا الحسين رضي الله عنه: إنه قُتل بشرع جده، يعني بحقٍ، فالهيثمي انزعج وصار يبكي، ويشتم ويسب ابن خلدون، وحمل في قلبه عليه، وورَّث هذا لتلميذه ابن حجر، وهو ورَّث هذا لتلميذه السخاوي، فالسخاوي ترجم لابن خلدون ترجمةً سيئةً في «الضوء اللامع»، وابن حجر ترجم في كتابه «ذيل رفع الأصر عن قُضاة مصر» لابن خلدون أيضًا ترجمةً سيئةً، مع أن الأمر على عكسه تمامًا، ويُستغرب من الهيثمي وهدوئه أنه وابن خلدون في بلدٍ واحدٍ: في القاهرة، وفي عصرٍ واحدٍ، كان بإمكانه أن يتثبت بنفسه أو يرسل أحدًا من طرفه إلى ابن خلدون للتثبُّت، فأنا رجعتُ إلى نص ابن خلدون في «مقدمة تاريخه»، فيقول بالحرف الواحد: ولقد أخطأ القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي في كتابه الذي أسماه «العواصم من القواصم» في قوله عن قتل سيدنا الحسين رضي الله عنه: إنه قتل بشرع جدِّه. فكان ابن خلدون يردُّ على هذا الكلام حيث صدَّر كلامه بقوله: «أخطأ القاضي».
وبالمناسبة، الكوثري رحمه الله تعالى يقول: «المغاربة منحرفون عن آل البيت إلا ابن عبد البر». فالمراجعة والتثبُّت من النقول مفتاحُ التحقيق.
وبعد هذه المذاكرة العلمية القيمة الثرية، عرضتُ على شيخنا الإمام كتابه الممتع «كلماتٌ عن منهج الإمام البخاري في صحيحه روايةً ودرايةً»، ورجوتُ من فضيلته أن يخط كلماتٍ على نسختي لتكون لي ذكرى، فتكرّم عليَّ بالموافقة، وكتب في طرّتها: «إلى الأخ الكريم الأستاذ الشيخ محفوظ أحمد السلهتي، وفقنا الله وإياه ورزقنا العلم النافع، مع رجاء دعواته»، ثم وقَّع بخط يده، فجزاه الله عني وعن جميع طلبة العلم كل خير.
وبعد صلاة المغرب، وحين عاد شيخنا حفظه الله إلى مكتبته، بعث بأحد الإخوة إلى غرفة الضيوف التي كنا نجلس فيها، فجاءنا بكتاب «نزل الأبرار» لصديق حسن خان القنوجي، لِنطّلع على ما ذكره شيخنا من إلحاق الألقاب باسم المؤلف. فأمرني الشيخ محيي الدين أن أقرأ النص على الحضور، فإذا فيه:
«نزل الأبرار بالعلم المأثور من الأدعية والأذكار لعلامة الزمان، بدر العلم والفضل والعرفان، المقتفي أثر الأئمة المجتهدين، الشادِّ بتآليفه أزر هذا الدين، الجدير بأن تشد إليه الرحال، وتضرب آباط الإبل لأخذ العلم عنه في كل حال، البحر الذي ليس له ساحل، الحبر الذي عنه قُسُّ البلاغة باقل، من اشتهر بالمجد والفخار اشتهار الشمس في رابعة النهار، الإمام الهمام، الملك الجليل المعظم المفضال، عالي الجاه بهادر حضرة سيدنا السيد محمد صديق حسن خان ملك بهوفال».
فهذا الصنيع من شيخنا العلّامة حفظه الله إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على حسن عنايته بتربية طلابه، وشدة تثبّته فيما يقول، وحرصه على تدريبهم على التحقيق والمراجعة.
وأما هذه الألقاب الهائلة فقد سبقت الإشارة إلى كلام الشيخ عنها، والله المستعان.

رحلة علمية ممتعة:
وبالجملة، كانت هذه الرحلة رحلةً علميةً ممتعةً غنيةً بالعلم والبركة، صحبتُ فيها شيخنا العلامة طوال الأيام الثلاثة التي أقمتُ فيها في إسطنبول، والتقيتُ خلالها بعدد كبير من العلماء والمشايخ، فاستفدتُ من مجالستهم والتعرف عليهم، وزادني سرورًا وبهجة أمران أختتم بذكرهما هذا المقال المتواضع:
الأول: قبل الملتقى بأيام، وصلتني رسالةٌ كريمةٌ من فضيلة الأستاذ الدكتور محيي الدين عوَّامة حفظه الله تعالى، جاء فيها: «اشتريتُ مئةً وخمسين نسخةً من كتابك «نفحاتٌ من صحبة شيخنا العلامة محمد عوامة» من الدكتور إياد الغوج صاحب دار الفتح لتوزيعها بين الحاضرين في الملتقى». فكانت هذه اللفتة الكريمة بمثابة تحفيز وتشجيع للعبد الفقير، فجزاه الله تعالى خير الجزاء. وقد تلقّى الحاضرون الكرام هذا الكتيِّب الصغير بالقبول الحسن، حتى نفدت تلك النسخ في اليوم الأول من الملتقى، ولم يتيسّر لبعض الأساتذة والمشايخ الحصول عليه بعد ذلك، فالحمد لله على ما وفَّق ويسَّر.
والثاني: أتيحت لي فرصة إلقاء محاضرة بعنوان «اللغة العربية في بنغلاديش: جهود العلماء في النشر والتعليم والترجمة والتأليف» بمعرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي، استغرقتْ أربعين دقيقةً يوم الاثنين (11/8/2025) بعد الظهر. وأشكر القائمين على المعرض على هذه الفرصة السعيدة.
وخلاصة القول: لقد كانتْ هذه الأيام الثلاثة في صحبة شيخنا العلَّامة محمد عوَّامة حفظه الله تعالى من أبرك ما مرَّ بي في رحلاتي العلمية، فقد جمعتْ بين العلم والتحقيق، والتربية والتزكية، والتواضع والقدوة. وما دوَّنتُه هنا ليس إلا قطرات من بحرٍ، وشذرات من دررٍ، أسأل الله تعالى أن ينفع بها القراء، وأن يجعلها ذكرى حيَّةً تحفزنا جميعًا على مواصلة طلب العلم، وملازمة العلماء العاملين، والاقتداء بسيرهم العطرة. والحمد لله أولًا وآخرًا.


بقلم: محفوظ أحمد السلهتي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...