ثقل الأمانة و الاستخفاف بالإرث الحضاري

ثقل الأمانة و الاستخفاف بالإرث الحضاري

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ١٩ شوال ١٤٣٤ هـ - ٢٥ آب ٢٠١٣
980

أ.سميرة بيطام
 
لا احد ينكر أو يتنكر لمبدأ أن الإسلام هو الروح الحقيقية للإنسان و النور الهادي له على درب الحياة و أنه مفتاح لمعضلات البشرية في كل زمان و لكل مكان ، قال تعالى" و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي إلى صراط مستقيم ، صراط الله الذي له ما في السموات و ما في الأرض ، ألا إلى الله تصير الأمور" سورة الشورى ، الآية 52.
 
إن للإسلام تعاريف كثيرة منها انه دين الفطرة و انه دين التوحيد و دين الحق ، و دين الصدق و العدالة ، دين المساواة الشرعية في الحقوق و بيان مفصل للواجبات بإتباع كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ففي حفظ الحقوق و كف الاعتداء على المحرمات لهو من أسمى المسؤوليات التي تلقى على عاتق من يتولى الإمارة أو السلطة ، إذ مهما حاول المسؤول التهرب من المسؤولية كالغش في استعمال القانون بالتحايل على جهاز القضاء مثلا أو إخفاء و تضليل الحقيقة عن الرأي العام ، فان هذه التصرفات لا تخفى على الله و سيحاسب كل من اختار رداء الحكم أو ثوب المسؤولية في حلة التباهي و التشريف و ليس التكليف لمن رضوا الامارة في تسيير شؤون الناس و الذين هم بدرجة المرؤوسين ، فالعدالة الإلهية هي الأقوى و الأصدق و الأعدل ، فلو حفظت حقوق الناس على النحو الشرعي و القانوني لقلت الخصومات و الفتن.
 
إن الاهتمام بأمور المسلمين العامة هي أمانة على عاتق كل مسلم و ليس على عاتق من ينفرد بزمام الأمور من مفاتيح و مغاليق ، و لا يهم في ذلك إن كانت مفاتيح الخير و مغاليق الشر أو العكس ، لأن المبدأ أو الجوهر هو ذاك الإحساس بهموم المسلمين و التي أضحت اليوم مشكلة من مشكلات العصر و لو أنها في حقيقتها ليست مشكلات إنما متشكلات.
 
وبالعودة إلى خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام فيه تدريب الفرد على تحمل المسؤولية في إصلاح المجتمع و لو أن دور المصلح أكبر و أشد ثقلا في تحمل الأمانة ، فمن كمال التكافل الاجتماعي ذاك التعاون فيما بين الأفراد لتحقيق المراد من هذه الآية الكريمة " و تعاونوا على البر و التقوى و لاتعاونوا على الإثم و العدوان" و من أجمل
 
مظاهر التعاون ذاك الإصلاح لمقومات المجتمع بدرء الفساد على اختلاف أشكاله و ألوانه ، فمن القواعد الفقهية "ما حرم أخذه حرم إعطاؤه" ، فمنح الشيء الحرام هو من الفساد ، فان
 
عجز المسلم عن الإصلاح فعلى الأقل أن يمتنع عن الإتيان بكل ما للفساد ينتمي من رشوة و أكل للربا مصداقا لقوله صلى الله عليه و سلم" لعن الله آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهديه".
 
فالواجب على كل مسلم أن يعرف الطريق الصحيح إلى الله و عدم الاكتفاء بالآراء الخفيفة و المغلطة و العقيمة ، فشتان بين حمل أمانة الصدق و العدل و بين قول أي كلام لا يخدم و لا ينفع أي قضية عادلة ، و المسلم قادر على البحث و الاجتهاد مقتفيا بأثر العلماء السابقين في تحري الحقيقة و الحكمة بدل إتباع العشوائية و قول الاحتمالات الغير مبنية على أسس من العقيدة السمحاء.
 
وإذا كان المسلم عاجز و غير قادر على التحري و الاستنباط الصحيح في أمور دينه و دنياه فله أن يسأل أهل العلم لينوروا له الطريق وفق أحكام الشرع بدل التسويف و إضاعة الوقت فيما لا ينفع كالغثائية المتناثرة هنا و هناك.
 
وتبدو فلسفة الحياة الآن مادية أكثر منها روحية ، و لذلك فملامح السعادة و الشقاء لم تظهر إلا بظهور فرائض على توجيه فكر الناس إلى خيال الحقيقة و ليس لب الحقيقة فأصبح لمس الشيء الحسي بالكاد يكون خيالا ، فكل تشريع لا يحمي أسس الأمانة من الوجهة القانونية وفق إسقاط شرعي فهو لن يوصل إلى فك عقد الغموض ، و كل قانون لا يثبت الرأي بحجج و أدلة مقنعة لن تبعث الرضى في قلوب الناس ، و بالمثل كلما تغلغلت في عروق أي حضارة إسلامية جذور من التحلل من قيود الدين كما يحلو للبعض تسميته لن يحصل ارتقاء في العلوم و الفقه و الآداب و على الأخص إن ضيعت الأمانة بكل شمائلها ، فحتما لن تقوم قائمة لحضارة هشة.
فكل شك أو تصور دخيل على مبادئ الدين الإسلامي إلا و له انعكاسات على الفكر أولا ثم الوعي ثانيا و أخيرا على السلوك ، لأنه في هذه الحالة لن يترجم إلى سلوك ايجابي يأتي حصاده في أوانه و إنما سيبدو سلوكا سلبيا بكل معالمه و مؤثراته بدءا بالفرد نفسه ثم فيما بين الأفراد و بذلك لن يتحقق مبدأ التكافل الصحيح و مبدأ القوامة على الدين كانطلاقة أساسية في عقيدة كل مسلم .
 
وللثقافة الغربية تأثير كبير في أن تستولي على مفاتيح العقول الكفأة لتنقل كل ما هو رائع و بناء لتنسبه لها ، و من ثم تغلق مقافل الاسترزاق بمفاتيح لا لتعيدها لأصحابها و إنما تعلقهم في مداخل جامعاتها ليتتلمذ أبنائها على أبجديات الحضارة العريقة و الصحيحة ، فتصبح بذلك مضرة في الإصابة بالجمود و التنحي عن مبادئ الدين في قيادة الأمم بما يكفل لها عزتها، بعد ان تكون قد اخذت منها ركائز العلم و الرقي الصحيحين و ما يؤكد ذلك ما كان للعرب من أسبقية في العهود السابقة في علوم الطب و الصيدلة و الفلك و غيرها.
هذا الاستيلاء أدى إلى الانعراج بحضارة راقية إلى الوهن و الضعف ، ما أثر على كل مقومات السيادة و التي منطلقها التفكير الجيد و الرأي السديد.
 
لذلك البناء لا يتقوم إلا بالتحمل الوافي و الكافي للأمانة المتوارثة جيلا بعد جيل و يجب الكف عن الإدلاء بالرأي الغير بناء، لأن الأمانة موصولة بسداد الرأي ليتحقق المنهج القويم في إعداد الفرد و الجماعة و من ثم المجتمع لتليها الأمة قاطبة ، فأحيانا يكون فيه تولي المسؤولية و التكفل بالأمانة على النحو الصحيح و لكن خسارة النتيجة في فساد الرأي و الرأي الآخر.
 
فتطهير الأفكار و تقويمها لا يتم إلا بسداد الرأي بالشورى و الاستخارة ، فهي كفالة في ضمان الرأي السديد ، و في الاستشعار بالخوف من الله و عظم المسؤولية أمان للأمانة المصانة.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...