لا احد ينكر أو يتنكر لمبدأ أن الإسلام هو الروح الحقيقية للإنسان و النور الهادي له على درب الحياة و أنه مفتاح لمعضلات البشرية في كل زمان و لكل مكان ، قال تعالى" و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي إلى صراط مستقيم ، صراط الله الذي له ما في السموات و ما في الأرض ، ألا إلى الله تصير الأمور" سورة الشورى ، الآية 52.
إن للإسلام تعاريف كثيرة منها انه دين الفطرة و انه دين التوحيد و دين الحق ، و دين الصدق و العدالة ، دين المساواة الشرعية في الحقوق و بيان مفصل للواجبات بإتباع كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ففي حفظ الحقوق و كف الاعتداء على المحرمات لهو من أسمى المسؤوليات التي تلقى على عاتق من يتولى الإمارة أو السلطة ، إذ مهما حاول المسؤول التهرب من المسؤولية كالغش في استعمال القانون بالتحايل على جهاز القضاء مثلا أو إخفاء و تضليل الحقيقة عن الرأي العام ، فان هذه التصرفات لا تخفى على الله و سيحاسب كل من اختار رداء الحكم أو ثوب المسؤولية في حلة التباهي و التشريف و ليس التكليف لمن رضوا الامارة في تسيير شؤون الناس و الذين هم بدرجة المرؤوسين ، فالعدالة الإلهية هي الأقوى و الأصدق و الأعدل ، فلو حفظت حقوق الناس على النحو الشرعي و القانوني لقلت الخصومات و الفتن.
إن الاهتمام بأمور المسلمين العامة هي أمانة على عاتق كل مسلم و ليس على عاتق من ينفرد بزمام الأمور من مفاتيح و مغاليق ، و لا يهم في ذلك إن كانت مفاتيح الخير و مغاليق الشر أو العكس ، لأن المبدأ أو الجوهر هو ذاك الإحساس بهموم المسلمين و التي أضحت اليوم مشكلة من مشكلات العصر و لو أنها في حقيقتها ليست مشكلات إنما متشكلات.
وبالعودة إلى خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام فيه تدريب الفرد على تحمل المسؤولية في إصلاح المجتمع و لو أن دور المصلح أكبر و أشد ثقلا في تحمل الأمانة ، فمن كمال التكافل الاجتماعي ذاك التعاون فيما بين الأفراد لتحقيق المراد من هذه الآية الكريمة " و تعاونوا على البر و التقوى و لاتعاونوا على الإثم و العدوان" و من أجمل
مظاهر التعاون ذاك الإصلاح لمقومات المجتمع بدرء الفساد على اختلاف أشكاله و ألوانه ، فمن القواعد الفقهية "ما حرم أخذه حرم إعطاؤه" ، فمنح الشيء الحرام هو من الفساد ، فان
عجز المسلم عن الإصلاح فعلى الأقل أن يمتنع عن الإتيان بكل ما للفساد ينتمي من رشوة و أكل للربا مصداقا لقوله صلى الله عليه و سلم" لعن الله آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهديه".
فالواجب على كل مسلم أن يعرف الطريق الصحيح إلى الله و عدم الاكتفاء بالآراء الخفيفة و المغلطة و العقيمة ، فشتان بين حمل أمانة الصدق و العدل و بين قول أي كلام لا يخدم و لا ينفع أي قضية عادلة ، و المسلم قادر على البحث و الاجتهاد مقتفيا بأثر العلماء السابقين في تحري الحقيقة و الحكمة بدل إتباع العشوائية و قول الاحتمالات الغير مبنية على أسس من العقيدة السمحاء.
وإذا كان المسلم عاجز و غير قادر على التحري و الاستنباط الصحيح في أمور دينه و دنياه فله أن يسأل أهل العلم لينوروا له الطريق وفق أحكام الشرع بدل التسويف و إضاعة الوقت فيما لا ينفع كالغثائية المتناثرة هنا و هناك.
وتبدو فلسفة الحياة الآن مادية أكثر منها روحية ، و لذلك فملامح السعادة و الشقاء لم تظهر إلا بظهور فرائض على توجيه فكر الناس إلى خيال الحقيقة و ليس لب الحقيقة فأصبح لمس الشيء الحسي بالكاد يكون خيالا ، فكل تشريع لا يحمي أسس الأمانة من الوجهة القانونية وفق إسقاط شرعي فهو لن يوصل إلى فك عقد الغموض ، و كل قانون لا يثبت الرأي بحجج و أدلة مقنعة لن تبعث الرضى في قلوب الناس ، و بالمثل كلما تغلغلت في عروق أي حضارة إسلامية جذور من التحلل من قيود الدين كما يحلو للبعض تسميته لن يحصل ارتقاء في العلوم و الفقه و الآداب و على الأخص إن ضيعت الأمانة بكل شمائلها ، فحتما لن تقوم قائمة لحضارة هشة.
فكل شك أو تصور دخيل على مبادئ الدين الإسلامي إلا و له انعكاسات على الفكر أولا ثم الوعي ثانيا و أخيرا على السلوك ، لأنه في هذه الحالة لن يترجم إلى سلوك ايجابي يأتي حصاده في أوانه و إنما سيبدو سلوكا سلبيا بكل معالمه و مؤثراته بدءا بالفرد نفسه ثم فيما بين الأفراد و بذلك لن يتحقق مبدأ التكافل الصحيح و مبدأ القوامة على الدين كانطلاقة أساسية في عقيدة كل مسلم .
وللثقافة الغربية تأثير كبير في أن تستولي على مفاتيح العقول الكفأة لتنقل كل ما هو رائع و بناء لتنسبه لها ، و من ثم تغلق مقافل الاسترزاق بمفاتيح لا لتعيدها لأصحابها و إنما تعلقهم في مداخل جامعاتها ليتتلمذ أبنائها على أبجديات الحضارة العريقة و الصحيحة ، فتصبح بذلك مضرة في الإصابة بالجمود و التنحي عن مبادئ الدين في قيادة الأمم بما يكفل لها عزتها، بعد ان تكون قد اخذت منها ركائز العلم و الرقي الصحيحين و ما يؤكد ذلك ما كان للعرب من أسبقية في العهود السابقة في علوم الطب و الصيدلة و الفلك و غيرها.
هذا الاستيلاء أدى إلى الانعراج بحضارة راقية إلى الوهن و الضعف ، ما أثر على كل مقومات السيادة و التي منطلقها التفكير الجيد و الرأي السديد.
لذلك البناء لا يتقوم إلا بالتحمل الوافي و الكافي للأمانة المتوارثة جيلا بعد جيل و يجب الكف عن الإدلاء بالرأي الغير بناء، لأن الأمانة موصولة بسداد الرأي ليتحقق المنهج القويم في إعداد الفرد و الجماعة و من ثم المجتمع لتليها الأمة قاطبة ، فأحيانا يكون فيه تولي المسؤولية و التكفل بالأمانة على النحو الصحيح و لكن خسارة النتيجة في فساد الرأي و الرأي الآخر.
فتطهير الأفكار و تقويمها لا يتم إلا بسداد الرأي بالشورى و الاستخارة ، فهي كفالة في ضمان الرأي السديد ، و في الاستشعار بالخوف من الله و عظم المسؤولية أمان للأمانة المصانة.
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين