إن تنفيذ العقوبات الشرعية كالقصاص والحدود (الزنا والقذف والسرقة وشرب الخمر والحرابة) من اختصاص الحاكم المسلم، وعندما تخلو المنطقة من الحاكم المسلم أو نائبه فينتقل ذلك إلى العلماء، أو ما يسمى بالهيئات الشرعية ، وليس من اختصاص الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو غيرها من الجهات.، قال الجويني في كتابه الغياثي (فإذا شغــر الزمـان عن الإمــام، وخلا عن سلطــان ذي نجــدة وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك، فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد)، وقال الإمام الشربيني رحمه الله الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: (ولو خلا الزمان عن إمام رجع الناس إلى العلماء، فإن كثر علماء الناحية فالمتبع أعلمهم، فإن استووا وتنازعوا أقرع كما قال الإمام).
الأدلة الشرعية وإجماع علماء الأمة على ذلك ، وأقوالهم:
1- قال رسول الله ضلى الله عليه وسلم : ( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ, مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ اَلنَّارِ" رواه البخاري ومسلم وغيرهما، الشاهد: أن الناس كانوا برجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم بصفته حاكما وقاضيا، فدل ذلك على وجوب الرجوع بعد وفاته على من قام مقامه من الحكام المسلمين ، والعلماء من بعدهم كما قال الله سبحانه: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم [ سورة النساء : 83] .
2- وقوله صلى الله عليه وسلم (تعافوا الحدود فيما بينكم ، فما بلغني من حد فقد وجب) أخرجه أبو داود والنسائي، وقوله صلى الله عليه وسلم لصفوان لما تصدق بردائه على سارقه ، وقد أمر بقطع يده قبل ذلك: (فهلا قبل أن تأتيني به) أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي والبيهقي، وروى الحاكم في المستدرك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان )، وأخرج
الدارقطني من حديث الزبير مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم : (اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي فإذا وصل الوالي فعفا فلا عفا الله عنه) ، فالأحاديث بمجموعها تدل على أن الحكم في الحدود إنما هو من اختصاص الحاكم.
3- إجماع العلماء:
أ- قال ابن رشد القرطبي في بداية المجتهد 2/233: [وأما من يقيم هذا الحد فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود].
ب- جاء في الموسوعة الفقهية17/144-145: [اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه وذلك لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً كما أن تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفية عن الإقامة في حقه فيقيهما على وجهه فيحصل الغرض المشروع بيقين، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده] .
ت- وقال الشيخ عبد القادر عودهفي كتابه "التشريع الجنائي الإسلامي" 2/444 تحت عنوان " من الذي يقيم الحدّ ": (من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه لأن الحدّ حق الله تعالى ومشروع لصالح الجماعة فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام ولأن الحدّ يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب فوجب تركه لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه فما أقيم حدّ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه وما أقيم حدّ في عهد الخلفاء إلا بإذنهم ).
4- أقوال العلماء :
أ- قال الشيخ أبو إسحق الشيرازي في المهذب 20/34.: [لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام، لأنه لم يُقمْ حدٌ على حرٍ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، ولأنه حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمن في استيفائه الحيف فلم يجز بغير إذن الإمام]
ب- وروى الإمام البيهقي سنن البيهقي 8/245 [عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين يُنْتَهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون لا ينبغي لأحدٍ أن يقيم شيئاً من الحدود دون السلطان] .
ت- وقال الإمام النووي في المجموع: [أما الأحكام فإنه متى وجب حد الزنا أو السرقة أو الشرب لم يجز استيفاؤه إلا بأمر الإمام، أو بأمر من فوض إليه الإمام النظر في الأمر بإقامة الحد، لأن الحدود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم لم تستوف إلا بإذنهم، ولأن استيفاءها للإمام].
ث- ومما يدل على أن تنفيذ العقوبات من اختصاص الدولة المسلمة مُمَثلةً بالإمام أو من يقوم مقامه، قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [سورة النور الآية 2]. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: [لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه] تفسير القرطبي 12/161. وقال الإمام القرطبي أيضاً: [لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك، لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود.] تفسير القرطبي 2/ 245 - 246. وقال الإمام القرطبي أيضاً: [اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض] تفسير القرطبي 2/256.
ج-وقال العلامة البهوتي الحنبلي في " منتهى الإرادات": [ (وإقامته) أي: الحد (للإمام ونائبه مطلقاً) أي: سواء كان الحد لله تعالى كحد زنا أو لآدمي كحد قذف، لأنه يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن فيه الحيف فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه. ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود في حياته وكذا خلفاؤه من بعده ويقوم نائب الإمام فيه مقامه .
ح- قرر العلماء عقوبة تعزيرية على من يتعدى على حق الحاكم في ذلك أو من يقوم مقامه من العلماء أو الهيئات الشرعية، فإذا انفرد شخص أو جماعة ليسوا من أهل العلم في إصدار حكم العقوبة الشرعية أو تنفيذها دون الرجوع إليهم قال في المسوعة الفقهية الكويتية : ( وعلى من فعل ذلك التعزير ، لإساءته وافتياته على الإمام . ، ومع ذلك فمن استوفى حقه من القصاص من غير حضرة السلطان وإذنه ، يعزر ، لافتياته على الإمام).
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين