تفنّن ابن عاشور في الخروج عن القول بالتفنّن

تفنّن ابن عاشور في الخروج عن القول بالتفنّن

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، ٤ محرم ١٤٤٨ هـ - ١٩ حزيران ٢٠٢٦
21

يقول ابن عاشور - رحمه الله- عند قوله تعالى: " { ۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّینِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحࣰا وَٱلَّذِیۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ وَمَا وَصَّیۡنَا بِهِۦۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَمُوسَىٰ وَعِیسَىٰۤۖ }


وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، جِيءَ بِالمَوْصُولِ (ما)، وفي قَوْلِهِ: والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ جِيءَ بِالمَوْصُولِ (الَّذِي)، وقَدْ يَظْهَرُ في بادِئِ الرَّأْيِ أنَّهُ مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ بِتَجَنُّبِ تَكْرِيرِ الكَلِمَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَوالِياتٍ، وذَلِكَ كافٍ في هَذا التَّخالُفِ. ولَيْسَ يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هَذا الِاخْتِلافُ لِغَرَضٍ مَعْنَوِيٍّ، وأنَّهُ فَرْقٌ دَقِيقٌ في اسْتِعْمالِ الكَلامِ البَلِيغِ وهو أنَّ (الَّذِي) وأِخَواتِهِ هي الأصْلُ في المَوْصُولاتِ فَهي مَوْضُوعَةٌ مِن أصْلِ الوَضْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَن يُعَيَّنُ بِحالَةٍ مَعْرُوفَةٍ هي مَضْمُونُ الصِّلَةِ، فَـ (الَّذِي) يَدُلُّ عَلى مَعْرُوفٍ عِنْدَ المُخاطَبِ بِصِلَتِهِ.


وأمّا (ما) المَوْصُولَةُ فَأصْلُها اسْمٌ عامٌّ نَكِرَةٌ مُبْهَمَةٌ مُحْتاجَةٌ إلى صِفَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وجَماعَةٍ. إذْ قَدَّرُوهُ: نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ. فَـ (ما) نَكِرَةُ تَمْيِيزٍ بِـ (نِعْمَ) وجُمْلَةُ يَعِظُكم بِهِ صِفَةٌ لِتِلْكَ النَّكِرَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ المُرادُ: هَذا شَيْءٌ لَدَيَّ عَتِيدٌ، وأنْشَدُوا:

لِما نافِعٍ يَسْعى اللَّبِيبُ فَلا تَكُنْ ** لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ الدَّهْرَ ساعِيًا


أيْ لِشَيْءٍ نافِعٍ، فَقَدْ جاءَتْ صِفَتُها اسْمًا مُفْرَدًا بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بَقَوْلِهِ: لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ، ثُمَّ يَعْرِضُ لِـ (ما) التَّعْرِيفُ بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِجُمْلَةٍ فَتَعَرَّفَتْ بِصِفَتِها وأشْبَهَتِ اسْمَ المَوْصُولِ في مُلازَمَةِ الجُمْلَةِ بَعْدَها، ولِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُ (ما) مَوْصُولَةً في غَيْرِ العُقَلاءِ، فَيَكُونُ إيثارُ ما وصّى بِهِ نُوحًا وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى بِحَرْفِ (ما) لِمُناسَبَةِ أنَّها شَرائِعُ بَعُدَ العَهْدُ بِها فَلَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً عِنْدَ المُخاطَبِينَ إلّا إجْمالًا فَكانَتْ نَكِراتٍ لا تَتَمَيَّزُ إلّا بِصِفاتِها، وأمّا إيثارُ المُوحى بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِاسْمِ (الَّذِي) فَلِأنَّهُ شَرْعٌ مُتَداوَلٌ فِيهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم. فالتَّقْدِيرُ: شَرَعَ لَكم شَيْئًا وصّى بِهِ نُوحًا وشَيْئًا وصّى بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، والشَّيْءَ المُوحى بِهِ إلَيْكَ. ولَعَلَّ هَذا مِن نُكَتِ الإعْجازِ المَغْفُولِ عَنْها".


قلتُ: ليته سار على هذا النهج في تجاوز القول بالتفنن إلى سبر المعنى الدقيق؛ فإنه مهيع بلاغي لمن ألقى السمع وهو شهيد.


بقلم: عبد الله الهتاري

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...