قول الله جل ثناؤه:
﴿وَٱلۡعَصۡرِ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ٣﴾[العصر: 1-3].
فقد انطوت هذه السورة الكريمة على مواطن تقتضي طلاب المعرفة أن ينظروا في عدة أمور، مبثوثة في مختلف سور القرآن، لا مناص من التعرض لها، ومعرفة آراء أهل العلم بالقرآن فيها:
وأول هذه المواطن: القَسَم وما يتعلق به.
وثانيها: كلمة العصر: ماذا يراد بها؟
وثالثها: ماذا يراد بالإنسان؟
ورابعها: ما معنى الخُسر؟
وخامسها: ماذا يراد بالإيمان؟
وسادسها: ما معنى الحق والصبر؟
فأما القَسَم فهو في اللغة: اليمين، تقول العرب: أقسم بالله، واستقسمه بالله، وقاسمه، يعنون حلف له، وتقاسم القوم: تحالفوا.
وفي القرآن الكريم: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: 49].
والبيَات: مباغتة العدو ليلاً، وعن الإسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال: ليس من آيين – العرف - الملوك استراق الظفر.
والغاية التي يتحراها الحالف – فيما تعارف عليه الناس – هي أن يؤكد صحَّة ما يقول، وهذا المعنى يستحيل تصوُّره في حق الله عزَّ وجل، فإن المؤمنين لا يحتاجون إلى قسم في تصديق ما يأتيهم عن الله عزَّ وجل، فالقسم منه سبحانه هو تعظيم للمقسم به، ولفت إلى ضرورة العناية بشأنه: ومزيد التدبُّر له، وطلب الانتفاع به.
وهذا المعنى يتضح في مثل قول الله تعالى:﴿۞فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ٧٥ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ٧٦ إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ٧٧ فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ٧٨ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ٧٩ تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٨٠﴾[الواقعة:75-80].
فقد نصَّ في هذه الآية على أن مواقع النجوم في مجاريها ومسالكها منتظمة لا يطغى بعضها على بعض، فالقسم بها تعظيم لشأنها، ولفتٌ إلى أنها آية من أجلِّ آيات الله تعالى في كونه العظيم.
وعلى هذا المعنى نفسه يجري قول الله تعالى: ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ١ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ٢﴾ [الليل:1-2]. وقوله سبحانه: ﴿وَٱلضُّحَىٰ١ وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ٢﴾ [الضحى:1-2] إلى آخر ما في كتاب الله تعالى من هذه الصور التي لا تخفى عن الناظر المتأمِّل.
وقال قائلون: إن العصر هو الليل والنهار، وحجَّتهم في ذلك من اللغة قول حُميْد بن ثور:
ولن يلبثَ العصران يوم وليلة= إذا طلبا أن يدركا ما تيَمَّما
وقال آخرون: العصران: الغداة والعشيِّ وحجَّتهم من اللغة في هذا قول الشاعر:
وأمطله العصرين حتى يملَّني= ويرضى بنصف الدَّيْن والأنف راغم
يقول الشاعر – وكان مديناً رهقه الدين -: إذا جاءني دائني أول النهار وعدته آخره، وما أزال به حتى يمل مطالبتي، ويتعبه مطلي، فينزل لي عن نصف الدين، وأنفه راغم.
وقال آخرون: العصر: هو العشيُّ، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها، وحجتهم في ذلك من اللغة قول الشاعر:
تروح بنا يا عمر وقد قصر العصر= وفي الرَّوحة الأولى الغنيمة والأجر
وقال قوم: العصر في السورة صلاة العصر، وهي الوسطى، لأنها أفضل الصلوات، وهم يقولون: أذن للعصر أي لصلاة العصر، كما يقال القائل: صليت العصر، يعني صلاة العصر، وفي الخبر الصحيح: "الصلاة الوسطى صلاة العصر".
وقال قائلون: إن المراد من القسَم بالعصر هنا هو رب العصر (تعالى).
وأما الإنسان، فالمراد به فيما روي عن الضحاك: جماعة من المشركين، الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث.
ويقول بعض اهل العلم: المراد بالإنسان جنس الناس.
وأما الخسر، فالمراد به الغبن أو الشر أو النقص، والمعاني في هذه الثلاثة متقاربة.
وأما الإيمان، فهو الاعتقاد الجازم بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع الإقرار باللسان والعمل بالجوارح في حدود ما أمر الله به ونهى عنه، ومن أحسن ما يروى في هذا المعنى وأعجبه ما يروى عن الحسن البصري رحمه الله تعالى ورضي عنه، فقد وقف رجل على مجلس في المسجد الجامع في البصرة، وسأله: أمؤمن أنت؟
فقال الحسن رحمه الله تعالى -وكان أفصح الناس لساناً وأوضحهم بياناً، وأصدقهم بالله إيماناً، وأشهدهم لعباد الله تواضعاً، وكان يتشيع للإمام علي وذريته عليهم السلام – قال: أيُّها السائل إن كنت تعني الإيمان الذي نتناكح به ونتوارث، فاللهم نعم، إنني مؤمن، وإن كنت تعني الإيمان الذي يقول الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2] فأنا أسأل الله ضارعًا إليه عز وجل أن يجعلني من هؤلاء المؤمنين..
فأما الحق، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه توحيد الله عزَّ وجل وإفراده بالألوهية، وعن قتادة: أنه القرآن، وعن السدي: أنه الله عزَّ وجل.
وأما الصبر، فإنه الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي.
وجملة المعنى في هذه السورة الشريفة: أن الإنسان من حيث هو إنسان ماض إلى ما فيه الخسار بحكم حرصه على نزواته وشهواته وأثراته، ما عدا الذين عصمهم الإيمان بالله من ذلك، فراحوا يتواصون بالحق الذي لا بديل لهم منه، وبالصبر الذي لا غنى لهم عنه.
وأبو مسلم من أهل الروية يقول: (والمراد بالعصر: أحد طرفي النهار) ويؤيد ذلك وجوه:
أحدها: أنه تعالى أقسم بالعصر كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعاً من دلائل القدرة، فإن كل بكرة كأنها القيامة، يخرجون من القبور وتصير الأموات أحياء وتقام الموازين، وكل عشية تشبه تخريب الدنيا بالصعق والموت، وكل واحدة من هاتين الحالتين شاهد عدل.
فإذا لم يحكم الحاكم عقيب الشاهدين، عدّ خاسراً، فكذلك الإنسان الغافل عنهما هو في خسر.
وثانيها: قال الحسن رحمه الله تعالى: إنما أقسم الله تعالى بهذا الوقت تنبيهاً على أن الأسواق قد دنا وقت انفضاضها وانتهاء التجارة والكسب فيها.
فإذا لم تكسب ودخلت دارك، وطاف عليك عيالك، يسألك كل أحد منهما ما هو حقه فحينئذ تخجل فتكون من الخاسرين، فكذا نقول: (والعصر)؛ أي: وعصر الدنيا، فقد دنت القيامة ولم تستعد، وتعلم أنك تسأل غداً عن النعيم الذي كنت فيه في دنياك، وتسأل في معاملتك مع الخلق، وكل أحد من المظلومين يدعى ما عليك، فإذا أنت خاسر، ونظير هذا قول الله تعالى:﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1].
وثالثها: أن هذا الوقت معظم، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من حلف بعد العصر كاذباً لا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة).
وكما أقسم الله تعالى في حقِّ الرابح بالضحى – أقسم هنا في حقِّ الخاسر بالعصر، وذلك أنه سبحانه أقسم بالضحى في حقِّ الرابح، فبشر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن أمره إلى الإقبال، وأقسم ها هنا في حقِّ الخاسر فتوعَّده بأنَّ أمره إلى الإدبار، ثم كأنَّه يقول تعالى: إنَّ بعض النهار باق، فيحثه ذلك على التدارك في البقيَّة بالتوبة.
وعن بعض السَّلف قال: (تعلَّمت معنى السورة، من بائع الثلج، وقد كان يصيح قائلاً: (أيُّها الناس ارحموا من يذوب رأس ماله، ارحموا من يذوب رأس ماله! فقلت في نفسي: هذا معنى قول الله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]. يمرُّ به العصر فيمضي عمره ولا يكتسب فإذا هو خاسر.
والذي نختاره وندين الله تعالى عليه، ونرى في كتاب الله تعالى من الشواهد له، والدلائل عليه، ما يجعلنا نطمئن إلى القول به، هو أنَّ المراد بالعصر: الفترة الزمنيَّة التي بعث فيها محمد رسول الله رحمة للعالمين، كأنَّ الله تعالى يقسم بزمانه، لأنه كان ظرفاً لخير كثير، من حيث كان عليه السلام هو الرحمة المهداة على ما يقول الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. فزمنه على هذا خير وبركة ورحمة.
وكما أقسم الله تعالى بزمانه في هذه السورة، أقسم بمكانه في سورة أخرى حيث يقول جل جلاله: ﴿لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ١ وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ﴾ [البلد:1-2].
وحيث يقول: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ١ وَطُورِ سِينِينَ٢ وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ٣﴾ [التين:1-3]. يعني: مكة وهي البلد الذي وُلد فيه، وأشرقت دعوته إلى الله تعالى منه.
فهذا ما نختاره، وهذا هو ما نطمئنُّ إليه، وهذا هو فيما نرى ما يجدر بأهل النظر والرأي أن يعتنقوه في تفسير هذه الكلمة، في هذه السورة الشريفة.
والله ولي التوفيق.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


