تفسير المعجزات وربطها بالأسباب الكونيَّة

تفسير المعجزات وربطها بالأسباب الكونيَّة

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الخميس، ١٢ رجب ١٤٣٩ هـ - ٢٩ آذار ٢٠١٨
1526

 

حول المعجزة :

- أمور تذكر تسدِّد الباحث حين يتناول أيَّ ظاهرة من الظواهر:

- الإحاطة بالظاهرة من جميع جهاتها عبر النص إذا كانت الظاهرة ثبتت بالنص.

- ظاهرة الخوارق ثابتة بالنصوص الكثيرة، نزل بها الوحي، وتناولتها الأحاديث الصحيحة التي بلغ بعضها مرتبة التواتر!

- عرَّف " المعجزةَ " العلماءُ المختصون بعلم التوحيد، لا المتطفلون على جنابه العالي، فقالوا : "هي أمر خارق للعادة ، يظهره الله على يدي مدَّعي النبوة تصديقا له في دعواه، ولو تكلمت المعجزة لقالت بلسان فصيح من حيث إنها خلق الله : صدق عبد الله فيما يبلغ عن الله "

- يدلُّ التعريف على أن " المعجزة لم يؤيد الله بها الرسل للدلالة عليه، بل أيدهم بها تصديقا لهم في دعوى النبوة، ولما كانت خارقا، لا يقدر عليها الإنسان دلت على من صنع الله، وأن من ظهرت على يديه رسولٌ من الله !

- إذا أخطأ الباحث في تعليل الظاهرة، فسيوقعه خطؤه في الاستنتاج الخطأ، فمن ذهب إلى أن المعجزة لإثبات وجود الله، لزمه أن يقول: لا نحتاج إليها لأن الكون كله دالّ على الله!

- الخارق- كما ورد في التعريف - من جنس الممكن، لكنه أظهر على خلاف ما جرت عليه السنن الكونية الجارية!

- قلت: هو من جنس الممكن، لأنه تعلقت به القدرة إيجادا، والإرادة تخصيصا، والواجب لا صلة للقدرة ولا للإرادة به، إذ إن مجالهما " الممكن "!

- معرفة السنة الكونية معرفة محيطة تفضي إلى فهم المسألة هي الخطوة الأولى على الطريق للوصول إلى فهم صائب للخارق!

- مثال حسي لخارق ثابت بالتواتر، يجلِّي لنا الموقف تجلية لا يبقى معها غبش، إلا أن يكون في عين الرافض عمى، فهيهات أن يرى مهما كان المثال واضحا كالشمس، وتكون العلة في الباحث، ويكون كالخفاش، يطير بعنف حال يحل ظلام الإنكار، فإذا أشرق شعاع من الحق " عمي " فهو كما قال القائل :

إن الخفافيش إن تلق الظلام تطر ، به وإن تظهر الأنوار تنعدم

- حدث الإسراء ثبت بقوله تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}

- المضمون الانتقال من مكة إلى المسجد الأقصى ، والمكانان بينهما مسافة محددة، وواسطة النقل " البراق " وهو مخلوق غيبي من خارج السنن المسخرة لنا !

- للبراق صفات وردت بها الأخبار من أبرزها: طي المسافات بسرعة لم يعرفها الناس في وقت الحدث، وفي الحديث قال : " ثم أتيت بداية دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ، فَقَالَ لَهُ الْجَارُودُ: هُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ".

- وقد قال من وصف البراق في سرعته :

فعلاه البدر التمام أبو القاسم ليلا فضاء منه الفضاء

راح يهوي به وحدّ انتهاء الطرف إلى خطاه انتهاء

- فالحامل للرسول صلى الله عليه وسلم هو مخلوق، له قدرة أمدّه الله بها، وهو من الأسباب التي نتعامل معها، ونغضُّ الطرف عنها أمام وهج " وحدة الأفعال " وهذا ما يفهم من إسناد الفعل للفاعل الحقيقي للرحلة، مع طي ذكر " واسطة النقل " الذي جاءت به الأحاديث، قال تعالى : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ }.

- هنا تبرز حقيقة أن الزمن يقل مع سرعة الناقل، فمن سار بسرعة مئة كيلو متر في الساعة سيقطع مسافة المئة كيلو متر في ساعة، ولو ضاعف السرعة إلى مئتي كيلو متر، فيكفي نصف ساعة لقطع المسافة، وهكذا نصل إلى انعدام " الزمن " إذا بلغ أقصى ما يتصور، والقاعدة هي : " الزمن يتناسب مع القوة تناسبا عكسيا ، فكلما زادت القوة قلَّ الزمن".

وهذه مسلَّمة لا ينكرها إلا معاند جاحد، يظل يدندن إذا سطعت بين عينيه الحقيقة : عنزة ولو طارت " !

- هل يعتبر مستحيلا الوصول إلى مكان ما في الأرض ؟ والجواب بالبداهة: هو " ممكن ".

- هل إنكار الوصول في مدة محددة سائغ إذا كان من وصل قد حُمِل بما لو ركب غيره عليه لوصل مثل وصوله ؟ إنكار هذا الوصول بحسب ما ذكر لون عناد، ويبس في التفكير !

- كان العرب بناء على ما نقل عنهم يقطعون المسافة إلى المسجد بحسب سرعة الرواحل خلال شهر، وهنا قد اختلف " الناقل " من حيث السرعة، كما أشير إلى " سرعة البراق " فلِمَ "الإنكار" على من أخبر أنه قطع المسافة بأقل من الليلة محمولا بمثل هذه الواسطة ؟

- الغفلة عن قانون الفاعل - على ما قرر العلماء - من وراء، فحيث أسند الفعل " لله " لم يبق هناك مجال لإنكار المعجزة على قصر زمنها. كيف لا ، وقد قال : { وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}

- ما كان المشرك لينكر لو قال: قد أتيت المسجد الأقصى بعد مسير خمسة عشر يوما، وإنكاره انصبَّ على " الزمن " لا على " لب " الحدث، وهذا المشرك أعرض عن قضية : الزمن يتناسب مع القوة تناسبا عكسيا، فكلما زادت القوة قلّ الزمن، وإذا كنت القوة هنا هي قوة الله فلا زمن "

موقف كلٍ من المنكرللمعجزة ، والمصدق بها:

- إن من أنكر الإسراء من المشركين بنوا إنكارهم على ما تعودوه من أنفسهم، وحبسوا في سجن حسهم، وقد عللوا موقفهم ، فقال المطعم بن عدي لما أخبرهم - عليه الصلاة والسلام - الخبر: كل أمرك قبل اليوم كان أمما - أي: يسيرا- غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى البيت المقدس مصعدا شهرا ومنحدرا شهرا، أتدّعي أنت أنك أتيته في ليلة؟ واللّات والعزّى لا أصدقك.

- بنوا إنكارهم على أنهم كانوا يقطعون المسافة على ظهور الإبل في " شهرين " ذهابا، وإيابا، ولم يفكروا لحظة أنه لم يسرى به على " جمل " واختلاف واسطة النقل يفضي إلى اختلاف الزمن كما بينت سابقا!

- وقد أعلن أبو بكر الصديق رضي الله عنه تصديقه للخبر، حين قالوا له : أفتصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟

- قال: نعم إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فبذلك سمي أبو بكر الصديق.

وقد كان منطقيا مع إيمانه بأن المخبر- عليه الصلاة والسلام - صادق، لا يكذب.

- إن دراسة هذه المعجزة بعقل مفتوح سلم من لوثة فتنة العصر، وكان حرًا على الحقيقة، لا بالدعوى، ولم يشرب من الأسن الفكري، يوقف على أن المضمون يخرج عن إطار السنة الكونية، وعالم الأسباب، وكان خارقا لها، ومثل هذا الخارق أنى للإنسان أن يؤطره على ما يهوى، ويحيكه على ما يريد، ويجعله كسائر السنن التي جعلت في الأساس مسخَّرة للإنسان ليعمر بها هذه الدنيا !

- الجهل بأن الله يخلق من العدم، ولا يحتاج إلى الأسباب ليخلق ما يشاء من المسبَّبات، وأن الأسباب والمسبَّبات كلها، والعلاقة بينهما من صنع الله الذي أقام الدنيا على الأسباب، وسخَّرها ليتمكن الإنسان من امتطاء الهواء، والغوص في الماء، وقطع المسافات بما يصل إليه من وسائط النقل التي جاءت الإشارة إليها بقوله تعالى بعدما ذكر الوسائط التي عرفها إنسان عصر التنزيل وما قبله : { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}

- تحليل لظاهرة المعجزة للوقوف على أنها من صنع الله الذي له القدرة المطلقة، والمشيئة النافذة، وأن المعجزة لا يصح عقلا، ولا شرعا أن توضع في قانون نتحكم فيه - كما يحلو لبعضهم - لنجعلها من جملة عالم الأسباب المسخَّر لنا، وإليك بعض الدليل :

- المعجزة، ثم فهم وجه الإعجاز فيها، ثم الوقوف على دلالتها:

معجزة نبع الماء من بين أصابع الرسول - عليه الصلاة والسلام - وقد تكرر.

- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتْ صَلاَةُ العَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤوا مِنْهُ، قَالَ: " فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ "

- عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنَاءٍ، وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ ، فَجَعَلَ المَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ "

- قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلاَثَ مِئَةٍ، أَوْ زُهَاءَ ثَلاَثِ مِئَةٍ . رواه الشيخان.

- قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معنا ماء، فقال: اطلبوا من معه فضل ماء، فأتى بماء فوضعه في إناء، فوضع يده فيه، فجعل الماء يجري، وفي لفظ : " يخرج من بين أصابعه، ثم قال: حيّ على الطّهور المبارك، البركة من الله " فتوضؤوا وشربوا .

- قال البُلقيني في " التدريب " وهو أشرف المياه .

- قال أبو العباس القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه صلّى الله عليه وسلم تكررت منه في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت عنه من طرق كثيرة يفيد عمومها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي

- قال: ولم يسمع بمثل هذه المعجزة العظيمة من غير نبينا صلى الله عليه وسلم حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه.

- ونقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى صلى الله عليه وسلم بالعصا، فتفجرت منه المياه، لأن خروج (الماء) من الحجارة معهود، بخلاف خروجه من بين اللحم والدم.

- مصادر الماء وفق سنة الله الكونية معهودة في الأنهار، والينابيع، والآبار، وقد جاء هذا الماء من غير معادنه المعهودة. وخالقُ الماء بكل مصادره، ولو كان من بين الأصابع هو الله المتفرد بالخلق !

- الأمر يرجع إلى طلاقة قدرة الله، وأن السنة الكونية وضعه، وأنه قادر على أن يخلق دونها ما يشاء!

لو علَّمنا الباحث العملاق عن الطريقة التي يخرج بها هذه المعجزة عن مسارها، ويجعلها قانونا كما " يتخيل " ثم ينزلها من رتبة الخارق إلى التعميم، فإذا - بتعميم الباحث العملاق - ينبع الماء من بين أصابعنا متى شئنا ! ونقول لمن ليس له أصابع : حيّ على الماء الطهور المبارك !!!

- يا له من هوس سكرة " العلم "!!

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...