مختصر دلائل الاعجاز ([1])
فصول في علم المعاني، جمعها الأديب الفاضل محمد الحنيفي الحلبي من شتى ما تفرَّق في أسفار البلاغة ، وأدمج فيها قواعد مُتمِّمات ، وشواهد موضحات من التنزيل والقول المأثور ، مؤثراً من بين كتب هذا الفن كتاب"دلائل الاعجاز" وليس ثمَّ من يجهل ما لدلائل الاعجاز من الدرجة العالية بين ما هو من نوعه والمكانة السامية في نفوس من أخذوا من البلاغة بقسط ، وضربوا في البيان بسهم ، وحسبك أن واضعه (الشيخ عبد القاهر الجرجاني) إمام هذه الصناعة، وصدر المتصدِّرين لاستخراج ما في الذكر الحكيم من محكم الأحكام ، وأوجه الإعجاز ، وبالغ الحكم ، ودامغ الحجج ، وباهر الأسرار الكونية ، وما قام به البرهان على أنه : { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت: 42]، وأنه المعجزة القائمة قروناً متطاولة على صدق نبوة ورسالة الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم .
ولم نأخذ على هذا المؤلف الجديد بعد تصفحه إلا مآخذ قد تخفى على غير واحد من أهل الفضل ، إذ وقع في بعضها سيبويه والأخفش أنفسهما .
من ذلك تعريف (بعض) كقوله في صفحة 117 عند الكلام على عموم السَّلب وسلب العموم: (وقد يستلزم الثبوت للبعض).
وقوله في صفحة 142 تحت باب تنسيق الأسماء والصفات: (إذا كان اسمان أو صفتان فأكثروا لبعض أعم من بعض الخ) وهو خطأ إذ ليس من كلام العرب ففي الجزء الخامس من تاج العروس مادة (بعض) ما نصُّه:"بعض الشيء طائفة منه، قلَّت أو كثرت، يقال: بعض الشر أهون من بعض ، ولا يدخلها لام التعريف لأنها في الاصل مضافة، فهي معرَّفة بالإضافة لفظاً أو تقديراً ، فلا تقبل تعريفاً آخر ، خلافاً لابن درستويه والزجَّاجي فإنهما قالا: (البعض والكل) قال ابن سيده : وفيه مسامحة وهو في الحقيقة غير جائز يعني أن هذا الاسم لا ينفصل عن الإضافة .
وفي العباب : وقد خالف ابن درستويه الناس قاطبة في عصره ، وقال الناقدي.
فتى درستوي إلي خفض=أخطأ في كل وفي بعض
دماغه عَفَّنهُ نومه=فصار محتاجاً إلى نفض
قال أبو حاتم : قلت للأصمعي : رأيت في كتاب ابن المقفع (العلم كثير ولكن أخذ البعض خير من ترك الكل) فأنكره أشد الإنكار وقال : الألف واللام لا يدخلان بعض وكل لأنهما معرفة بغير ألف ولام.
وفي القرآن العزيز : {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87)}[ النمل: 87] .
قال أبو حاتم: لا تقول العرب الكل ولا البعض ، وقد استعملهما الناس حتى سيبويه والأخفش في كتابيهما لقلة علمهما بهذا النحو ، فاجتنب ذلك فإنه ليس من كلام العرب انتهى.
قال شيخنا - يعني شيخ الزبيدي صاحب التاج-: وهذا من العجائب فلا يحتاج إلى كلام.
قلت : وقال الأزهري : النَّحويون أجازوا الألف واللام في كل وبعض وإن أباه الأصمعي.
قال شيخنا: أي بناء على أن أل عوض عن المضاف إليه ، أو على أنه مؤول بالجزء، وهو يدخل عليه أل فكذا ما قام مقامه ، وعورض بأنه ليس محل النزاع انتهت عبارة التاج ـ المكتبة ـ
(قوله بأنه ليس محل النزاع ) أي : أن محل النزاع دخول أل التي للتعريف لا التي هي عوض عن المضاف إليه؛ إذ هذه لا نزاع في دخولها كما نصَّ عليه النحاة .وعليه يصح أن يحمل جواز دخول الـ في كلام ابن المقفع المتقدِّم على كل وبعض ، وحينئذ لا إنكار عليه .
ومما لا يغمط للكتاب جودة طبعه وورقه ودقة ضبطه ، ويقع في نيف ومائتي صفحة من القطع الصغير ، ويطلب من مكتبة عيسى البابي الحلبي وشركائه.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


