تعدد المواقف والتصورات بين المفكرين الإسلاميين حول مبدأ الأخذ بالديمقراطية كوسيلة لنظام الحكم في الدول الإسلامية ما بين منبهر بها مستسلم لها لدرجة الأخذ بها بكل ما فيها دون إمعان النظر بحقيقة إمكانية نجاحها وفائدتها التي تعود بها على هذه الأمة التي لها من خصائصها التي تختلف بها وتتمايز عن الأمم التي ولدت فيها هذه الديمقراطية بشكلها وأدواتها المتعارف عليها في واقعها وطبقت فيها بما يتناسب مع ظروفها وفكرها وعقيدتها وتصوراتها ووعيها بحاضرها وتطلعاتها لمستقبلها وافقها الذي يتقبل ويتماشى مع القيم والقوانين في الديمقراطية الغربية التي ولدت ونشأت من أفكار وتطلعات تتفق وتتماشى مع بيئة خاصة وثقافة معينة وربما في كثير منها لا تتلاءم وتتماشى مع طبيعة وخصائص المجتمع المسلم ناهيك إن يتقبلها ويرضى بها على عليتها دون ردى شيء منها .
وتيار أخر رافضا لها ويرى فيها الكفر والبعد عن الدين وخطر على الشريعة وتتعارض مع مبدءا التشريع الاسلامي وأحكام الشريعة .
وبين هذين الرأيين ظهرت محاولات لمفكرين إسلاميين عرفوا بالانفتاح على الثقافات الأخرى والأخذ منها ما هو صالح ويصلح ويسهم في التطور ويساهم في تحرير الفكر السياسي الإسلامي من قيوده التاريخية ويتحرى الوصول إلى فكر إسلامي راشد، ينهل من الخبرة الإنسانية مع التمسك بالأصول الإسلامية المجمع عليها ولا يُقبل الخلاف فيها ويتحرر من عقدة الانبهار بكل ما أنتجه الفكر السياسي الغربي من دون تمييز ولا تحليل ولا معرفة بما يصلح الأخذ منه وما لا يصلح الأخذ عنه .
وفي إطار مناقشة جادة وتحليل منطقي لطريقة التعامل مع الديمقراطية وتحليل مواقف بعض المفكرين المسلمين الذين يعلنون خوفهم وقلقهم ،،المعتبر ،،من أنها "رمز لمشروع غربي مارس القهر والذل بحق العرب والمسلمين حقب من الزمن ومازال يتربص بهم إلى يومنا هذا يورد الأستاذ فهمي هويدي أربع ملاحظات يناقش فيها هذه الحالة .
الملاحظة الأولى : تتعلق بمبدأ الانطلاق من الاحتكام إلى المرجعية الغربية واعتبارها المصدر الذي يقاس به معيار الصلاح والاستقامة لعموم أبناء الجنس البشري، والجهة المختصة بإصدار واعتماد شهادات حسن السير والسلوك لدول العالم الثالث، وهو مبدأ اعتبرته مستحقًا للتحفظ والحذر والمراجعة ...
الملاحظة الثانية: يلخصها السؤال التالي: هل يجوز لنا نقد الديمقراطية الغربية كما ينقدها أبناؤها بصوت عال الآن؟ أم أنه مطلوب منا فقط أن نسلم بها كما "أنزلت"، ونحفظها كنشيد نردده صباح مساء؟ ذلك أنّ التطور الهائل في وسائل الاتصال وقدرتها الفائقة على التأثير، يثيران جدلًا متصلًا في أوروبا خاصة حول جدوى الأحزاب السياسية ودور التلفزيون في تشكيل الوعي وربما تزييفه، الأمر الذي أصبح يمكّن من اصطناع رأي عام، قد يعبر عن مصالح معينة، ولا يعكس حقيقة رغبات الناس وميولهم، وهو تطور يشكك في صدقيه الحديث عن سيادة الشعب مثلًا، ويستدعي إعادة النظر في العديد من سمات الآلية الديمقراطية.
الملاحظة الثالثة: وثيقة الصلة بسابقتها، وتتمثل في سؤال آخر هو: هل يتعين علينا أن نطبق النموذج الغربي للديمقراطية بشكله المتبع في بلاده رغم الاختلاف المحتمل بين طبيعة المجتمعات وتركيبتها؟ ...
الملاحظة الرابعة: هي أننا نواجه مفارقة لافتة للنظر في التعامل مع مسألة الديمقراطية، حيث نعيش في ظل ازدواجية مثيرة يجري في ظلها القبول بالديمقراطية على المستوى الوطني أو القطري، بينما يتم الانقلاب على الديمقراطية في المحيط الدولي .
لقد فتح الأستاذ هويدي في هذه الملاحظات أو التساؤلات الأربعة بابا واسعا للنقاش والحوار بين النخب الثقافية والقيادات السياسية المفكرة في العالم العربي الاسلامي للدفع بالآراء والتصورات والأفكار التي تخدم المنطقة في ظل هذه التحولات الكبرى التي تتميز بكونها تحولا ت تلقائية حالمة تسير نحو هدف لم تحدد له شروط قيام ولم تتخذ له مسار ثابت واضح المعالم وهى الآن في أمسِّ الحاجة إلى تحديد وسائل علمية نابعة من الهوية المحلية ومنفتحة على الثقافات الأخرى للتزود بالنافع والاستفادة من الخبرات السابقة ، ومواكبة العصر في حدود ما يتناسب مع الواقع ويحفظ الهُوية ويحقق الهدف المنشود .
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


