لا يخبرنا التاريخ عن أمّةٍ واحدةٍ خَلَتْ من التعدّد. وحين يتحدّث العهدان القديم والجديد عن "زوجات الرجل" وعن "عرائسه" وعن "الضرائر" فإنّهما يوردان ذلك على افتراض أنّه أمرٌ عاديٌّ وفطريٌّ، ولا يحتاج إلى شرحٍ أو مناقشةٍ أو تسويغ.
وهكذا يجري الحديث فيهما بشكلٍ بسيطٍ وعاديٍّ عن وقائع من نحو "إذا كان لرجلٍ امرأتان" أو "لا تأخذِ امرأةً على أختِها للضِرِّ" أو "عَشْرُ عَذَارَى أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ الْعَرِيسِ" أو "على الأسقف أن يكون منزَّهاً من اللوم، متزوّجاً مرّةً واحدة". وإذن فلم يكن هناك حاجةٌ إلى إيراد حكم السماء في هذه الأمور، أو حتّى تحديد عدد الزوجات المسموح به لكلّ رجل، شأنه شأن الحاجات الفطريّة التي نمارسها كلّ يومٍ، والتي لا تحتاج إلى شرحٍ أو تفصيل، من طعامٍ، أو شرابٍ، أو لباسٍ، أو نومٍ، أو سكَن..
ولكنّ الإسلام، كختامٍ للشرائع السماويّة، كان لا بدّ أن يَفصل في هذا الحكم في النهاية، وبشكلٍ واضحٍ وصريح، لثلاثة أسبابٍ هامّة:
1- لأنّ عدد الزوجات المسموح به للرجل لم يعد مفتوحاً كما كان على مدى الدهر، بل أصبح منذ الآن محدّداً بأربع زوجاتٍ لا تزيد:
2- لأنّ الإسلام أراد أن يحذّر، كما بيّنّا أعلاه، من أنّ العدالة المتوخّاة في التعامل بين الزوجين، رغم السماح بالتعدّد، لا يمكن أن تتحقّق إلّا بحصر الزواج في امرأةٍ واحدة:
- فَإِنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء: 3]
3- ولأنّ الإسلام أراد أن يحذّر، أيضاً، من أنّ ما هو مسموحٌ به في الشرع ليس من الضروريّ أن يكون هو الأفضل عند الله، وأنّ التعدّد على هذا، إذا لم يكن منه بدٌّ، وتحت ظروفٍ قاهرةٍ واستثنائيّةٍ ومؤقّتةٍ فرضته على المسلم فرضاً، سيكون شأنه شأن الطلاق الذي هو حلالٌ شرعاً، ولكنّه الأبغض عند الله "أبغضُ الحَلالِ إلى اللهِ الطَّلاقُ".
لم يوجِد الإسلام نظامَ التعدّد من عدمٍ، بل، على العكس، ضبَطَه، وأغلق على الناس مزاجيّته وزئبقيّته وانفتاحيّته المطلقة، ووضع له حدوداً وإشارات مرورٍ، ثمّ اشترط شروطاً، تقترب من أن تكون "تعجيزيّةً"، لمن يفكّر في أن يمارس التعدّد. ويعرض د. عبد الحليم أبو شقّة في كتابه (تحرير المرأة في عصر الرسالة) بعض هذه الشروط، مثل: عقم الزوجة، مرضها، عجزها، السفر الطويل للزوج، مساعدة امرأةٍ صالحةٍ لا راعي لها، قلّة الرجال أثناء الفتن والحروب.. وغيرها.
.. لقد عاش الرسول (ﷺ) خمسةً وعشرين عاماً مع السيّدة خديجة لم يتزوّج فيها غيرها، ثمّ توفيت قبل ثلاث سنواتٍ من الهجرة، فلم يتزوّج بعدها حتّى السنة الثانية للهجرة (أي بعد خمس سنوات من وفاة خديجة) حين اقترن بسَودة بنت زَمعة بعد وفاة زوجها، ثمّ من عائشة، ابنة صديقه المقرّب أبي بكرٍ الصِّدّيق، وكان قد عقد عليها قبل الهجرة. وكانت معظم زيجاته بعد ذلك لتحقيق مصالح الدعوة، وتوثيق أواصر العلاقات مع القبائل والأُسَر لخدمة الإسلام، ولتطييب الخواطر، وتخفيف جراح مَن فَقَدْنَ أزواجهنّ في المعارك، وقد تجاوز بعضهنّ الخمسين والستّين من أعمارهنّ، فكانت سَودةُ في الخامسة والخمسين، وزينب بنت خُزَيمة في الستّين، وأمّ سَلَمة في الخامسة والستّين.
ومع هذا؛ فقد نزل أمر السماء للنبيّ (ﷺ) في السنة الخامسة للهجرة (في سورة الأحزاب نفسها، أي بعد ثلاث سنواتٍ لا أكثر من أوّل زواجٍ له بعد موت خديجة) بأن لا زواج له بعد اليوم، ولا تبديل لمن عنده من الزوجات، وكنّ تسعاً، بعد أن توفّيت زينب بنت خُزيمة، وكان ذلك بعد شهرين من زواجها منه:
- لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا [الأحزاب: 52]
ولم يؤثَر عن أحدٍ من الخلفاء الراشدين الأربعة أنّه جمع بين زوجتين في وقتٍ واحدٍ أيّام النبيّ (ﷺ)، إلّا أن تكون حالةً استثنائيّةً، ولمدّةٍ لم تستمرّ طويلاً. وحين خَطرَ لعليّ بن أبي طالبٍ، وهو ابن عمّ النبيّ (ﷺ)، وزوجُ ابنته السيّدة فاطمة، أن يتزوّج من ابنة أبي جهلٍ، لم يأذن له النبيّ بذلك:
- عن المِسوَرِ بنِ مَخْرَمَة قال: "سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ (ﷺ) يقولُ وهو علَى المِنْبَرِ: إنَّ بَنِي هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ – يقصِد عائلةَ أبي جهلٍ (عمرِو بنِ هشام) - اسْتَأْذَنُوا في أنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بنَ أبِي طَالِبٍ، فلا آذَنُ، ثُمَّ لا آذَنُ، ثُمَّ لا آذَنُ، إلّا أنْ يُرِيدَ ابنُ أبِي طَالِبٍ أنْ يُطَلِّقَ ابْنَتي ويَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فإنَّما هي بَضْعَةٌ – أي جزءٌ - مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرَابَهَا، ويُؤْذِينِي ما آذَاهَا. هَكَذَا قَالَ". [متّفق عليه، واللفظ للبخاري]
وللعاقل والعادل أن يتساءل: لو حدث أن تراجعت أعداد الرجال في أمّةٍ ما عن أعداد النساء، لحربٍ، أو لمرضٍ، أو لهجرةٍ، أو لأيّ سببٍ آخر، واختار كلّ رجلٍ لنفسه من كانت نصيبه منهنّ زوجةً له، ثمّ بقيت بعد ذلك نسبةٌ كبيرةٌ من النساء من غير زواج، فهل من الحكمة والإنصاف والشجاعة الأخلاقيّة أن نغمض أعيننا عن مأساتهنّ، فتتشبّث كلّ امرأةٍ بزوجها قائلةً: زوجي، ولتذهب كلّ العازبات والأيامى إلى الجحيم؟
وما يجري في الغرب الآن، من تراجع نسبة الزواج تراجعاً كارثيّاً، ومَلءِ العلاقات المحرّمة، بمختلف أشكالها، لهذا الفراغ المخيف، وبنِسَبٍ لم تعرفها البشريّة من قبل، يبرهن لنا على أنّ التعدّد كان يمكن أن يكون له دورٌ هامٌّ في حماية المجتمعات الغربيّة من هذه الوهدة المخيفة من العلاقات غير الشرعيّة، وغير الآمنة، وغير الصحّية، التي سقطت فيها.
أثناء زيارةٍ له إلى تركيّا؛ سئل المطرب، والداعية الآن، يوسف إسلام (كات ستيفنز سابقاً) من أحد الصحفيّين العلمانيّين الذي أراد أن يستفزّه: كيف تقبل، كمطربٍ غربيٍّ متنوّرٍ، وكرجلٍ عصريٍّ متحضّر، أن تتزوّج أربع نساء بعد اعتناقك للإسلام؟ فأجابه يوسف إسلام: ربّما كان سؤالك يتّفق مع حالتي قبل اعتناقي الإسلام، وليس بعده. فأنا، حقّاً، لا أعرف عدد النساء اللاتي صاحبتهنّ قبل الإسلام، ولا أعرف حتّى عدد أولادي منهنّ! إنّ مثل هذه الحقيقة لا تثيرك، ولا تدفعك لطرح الأسئلة عن حياتي قبل إسلامي. أمّا الآن فأنا مسلم، ولديّ زوجةٌ واحدة، ولا أفكّر أبداً في أن أرتبط بزوجةٍ ثانية. نعم، إذا كان الإسلام قد سمح بالزواج من أربع، فإنّه جعل الزوج مسؤولاً عنهنّ وعن أولاده منهنّ. هل هذا ما يقلقك؟ ثمّ لا تقلقك تلك الحياة "المتحضّرة" التي لا تهتمّ بأمر أولئك الأولاد الذين يجهلون آباءهم، ولا بالآباء الذين يعيشون ويموتون من غير أن يعرفوا أبناءهم؟! أيّهما أفضل للبشريّة: الزواج بأربعٍ مع تحمّل مسؤوليتهنّ ومسؤوليّة أبنائهنّ، أم الزنى بألف امرأةٍ، ثمّ التبرؤ منهنّ، والتهرّب من مسؤوليتهنّ، ومسؤوليّة أبنائهنّ، وتركهم جميعاً للمجهول؟
التعدّد سلاحٌ وضعته السماء بين يدي الإنسان من أجل أن يلجأ إليه عند الحاجة الماسّة، فيحميه ويحمي وجوده ومستقبله ومستقبل مجتمعه، فإذا أسيء استخدام هذا السلاح؛ فَتَك بصاحبه، وفتك بمجتمعه ومن حوله..
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


