تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد ومحاربة الأعداء

تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد ومحاربة الأعداء

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ٣ ربيع الأول ١٤٣٧ هـ - ١٤ كانون الأول ٢٠١٥
1011

 

 

إلى محمد بن عبد الله الرسول العظيم وخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، في يوم ذكرى ميلاد المصطفى، أوجّه أسمى عبارات التقدير والاحترام، وأعظم كلمات الإكبار والإجلال، فقد ولدت يا رسول الله وولد معك الخير لأمتك وللعالم وعشت قبل الرسالة وبعدها المثل الأعلى للصدق والأمانة والشرف والنزاهة والرجولة والشجاعة والحلم والتواضع والبر بالأهل والعطف على الفقير والمسكين، تزور المريض، وتواسي المحزون، وتعين المحتاج، وتأخذ بيد الضعيف.

كنتَ قبل الرسالة دائم التفكير في حالة قومك، تنظر إلى أعمالهم فلا ترضى نفسك الشريفة عنها، و تتطلع إلى السماء لعلها تنزل عليك برحمة من الله وبالهداية لقومك وإصلاح أحوالهم، ثم تفضّل الله على العالم برسالتك وأذن فجر الحق أن يظهر، فكنت المبعوث من الله والرحمة من خالق الأرض والسماء. 

أرسلك ربك بالهدى ودين الحق فحملت الأمانة وقمت بأعباء الرسالة، وكانت حياتك جهاداً دائماً متواصلاً في سبيل إعلاء كلمة الحق، لم يثنك عن غرضك وعد أو وعيد ولا ترغيب أو ترهيب، أوذيت وأوذي معك صحابتك، وحوصرت وحوصروا ثلاث سنوات شداد، فما لانت لك قناة ولا انكسر لك عود ولا ضعفت عزيمة أو فترت همة، وعرض عليك المشركون أن تكون ملكاً أو سلطاناً عليهم أو أن يبذلوا لك ما شئت من مال أو جاه فقلت كلمتك المأثورة: (والله لو وضعوا الشمس في يمين والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك فيه ما تركته).

كلمة قوية جامعة لا تصدر إلا منك أيها الرسول العظيم، وصرخة الحق تدوي في الآفاق وتنقلها الألسنة فتهتز العروش وتخضع الجبابرة ويذل العتاة، ونفس عظيمة ترضى بالفناء في سبيل العقيدة والهلاك في سبيل الله ولا ترضى بالدنيا وما فيها، وهل كانت دعوتك أيها الرسول لدنيا تصيبها أو غرض تسعى إليه، ولكن خوف المشركين من أن يبدد نور التوحيد ظلمات الشرك ومن أن يعلو الحق على الباطل فيزول سلطانهم الموهوم ويتقلص نفوذهم على الضعفاء والمساكين قد أعمى بصائرهم وأصم آذانهم فظنوا أنهم وقد عجزوا عن رد بما تفننوا فيه من إيذائك أنت وصحابتك قد يصلون إلى غرضهم بمثل هذه الوعود الخلابة التي تطيب لها  كثير من النفوس.

يا رسول الله ـ جاهدت في سبيل الله فنشرت ألوية الحق والهداية ومكَّنت الضعفاء من حياة حرة طليقة لا سلطان فيها إلا للعقل ولا عبودية فيها لغير الله خالق الأرض والسماء، أمرت الناس بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً وبأن يصدقوا برسالتك و برسالة الأنبياء المرسلين قبلك وقلت إن الناس سواسية لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى فحطمت أغلال الشرك وحررت العقول من قيود الوهم وأمرت بأن لا يستعين الناس بغير الله، إياك نعبد وإياك نستعين [قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ(1) اللهُ الصَّمَدُ(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4) ]. {الاخلاص}..

طالبك قومك بالدليل على صدق رسالتك فحكَّمت العقل واحتكمت إليه، وطالبتهم بالنظر في خلق الله والتأمل والتفكير، طالبتهم بالنظر في أنفسهم وفي كل ما يحيط بهم من أرض وسماء وحيوان ونبات وأقمت الدليل تلو الدليل على أن للكون خالقاً يدبر شؤونه وينظم أموره وأنه محال أن يكون الخالق من جنس المخلوق فلا يكون إنساناً ولا غير إنسان من حيوان ونبات أو حجر أو صنم لأن هذه الأشياء كلها لا تلم لنفسها نفعاً ولا ضراً فكيف تخلق ذرة واحدة من ذرات هذا العالم ثم بينت لهم فساد قول من ق ال بتعدد الآلهة: [لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا] {الأنبياء:22}.

وأمرت الناس بأن تكون عبادتهم خالصة لله وحده الذي يحيى ويميت ويعطي ويمنع ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته: [قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ] {الأنعام:164}.

أيها الرسول الكريم طالبك المشركون بالمعجزات الشاهدة على صدق رسالتك فكانت معجزتك القرآن الكريم كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين ونقلته إلى الناس كما أنزل عليك لم تغير حرفاً ولم تبدل كلمة وأمرتهم بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وفيهم فصحاء العرب وفحول البلاغة وزعماء البيان، فكان القرآن معجزتك الخالد  الباقية ما بقيت الدنيا:[أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا] {النساء:82}. والقرآن معجز بمعانيه وبما فيه من قصص حق ومن أحكام  تحقق للناس الخير والسعادة.

كان الناس فريقين فريقاً عرف ماضيك، وعرف أنك  غير متّهم وأنه لا يجرب عليك كذب قط وأن من كان متحلياً بصفاتك وكمالاتك  لا ترضى نفسه أن يكذب على مخلوق يستحيل عليه أن يكذب على الله، وقد سارع هذا الفريق إلى الإيمان برسالتك وإلى معزتك وتأييدك، وفي مقدمة هؤلاء زوجتك السيدة خديجة بنت خويلد وصاحبك أبو بكر الصديق رضي الله عنهما.

أما الفريق الثاني فقد عز عليهم أن يدعوا عبادة الآباء والأجداد وأن يصغوا لصوت الحق يهتف بهم:[قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا] {الكهف:110}.

فما زادك إعراض من أعرض منهم عن الإيمان بالله وبرسالتك إلا صلابة في الحق ويقيناً بالغلبة والنصر.

رجم بيتك بالحجارة يا رسول الله وضع التراب على رأسك وأنت ساجد في الصلاة وعذبت وعذب المسلمون معك فصبرت وصابرت ثم هاجرت أنت وصاحبك إلى المدينة واتخذت المدينة مقراً لدعوتك وآخيت بين المهاجرين والأنصار فكانوا نصراء الحق وأعداء الباطل، جاهدت معهم عدو الله وعدوك حتى صدق الله وعده وطهرت الكعبة من أوزار الشرك:[لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] {الفتح:29}.

يا رسول الله ـ كنت مثالاً للحلم لا تغضب إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله تقيم حدود الله ولا تقبل فيها شفاعة وتقوم خطيباً في قومك وتقول: ( يأيها الناس إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها).

ما أروع هذه المساواة في إقامة حدود الله، وما أعظم هذه المبادئ الحقة التي لا تقوم لأمة قائمة بدونها.

كنت رؤوفاً بالمؤمنين، تنصح قومك بالرفق بالضعفاء، وتقول لهم وهم ذاهبون إلى قتال عدوهم: (انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا فإن الله يحب المحسنين).

يا رسول الله عشت زاهداً في الحياة منصرفاً إلى عبادة الله وإلى تدبير أمور المسلمين إذا جاءك الفيء أمرت بوضعه في المسجد ولا ترضى أن تترك المسجد وتدخل بيتك حتى يقدم عليك من يأخذ ما بقي معك منه بعد أن تقسمه على مستحقيه، وإن هذه الزهادة لمن أروع الأمثلة لقومك وللمسلمين ومن أصدق الأدلة على أنك لم تبغ من عملك إلا وجه الله فلم تكن الدنيا غرضاً من  أغراضك، عشت فقيراً ومت فقيراً ودرعك مرهونة، صلى الله عليك وعلى آلك وأصحابك وكل من اهتدى بهديك.

أحل الله لك وللناس الطيبات من الرزق، ولكنك آثرت حياة التقشف والخشونة، وانصرفت نفسك إلى جهاد عدوك، وإشاعة نور الهدى والحق بين الناس.

وضعت الأسس والنظم التي أمرك الله بتبليغها للناس وتركتهم وفيهم كتاب الله وسنة رسوله من اتبعهما فرداً كان أو أمة ضمن سعادتي الدنيا والآخرة.

[قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ بِالقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] {الأنعام: 151-153}.

مبادئ حقة وتعاليم صحيحة، فهل آن للعالم أن يتدبر في هذه التعاليم وأن يرجع إلى هدي القرآن حتى يخلص من هذه الكروب التي ألمت به ونزلت بساحته وجعلت الحياة جحيماً وفرقت الناس شيعاً وأحزاباً كل حزب يمعن في الكيد لغيره.

هل آن للعالم الذي طغت عليه المادة أن يرجع إلى هدى القرآن حتى يسود السلام والوئام بين الأمم وتملأ السكينة والطمأنينة قلوب الناس المروعة.

هل آن للمسلمين أن يعرفوا دينهم وربهم وينصروا الله بنصرة دينه وأحكامه، هل آن للحق أن يسطع نوره مرة أخرى.

[إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ] {القصص:56}.

يا رسول الله نختتم كلمتنا في يوم ذكرى ميلادك بالدعاء إلى الله تعالى أن يجزيك عن جهادك خيراً وبأن نصلي ونسلم عليك كما صلى الله عليك وملائكته.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: مجلة كنوز الفرقان ربيع الأول والثاني 1370 هـ ـ العددان 23و24.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...