تصورات المال في الإسلام.. تحرير المفاهيم وتوجيه السلوك

تصورات المال في الإسلام.. تحرير المفاهيم وتوجيه السلوك

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، ١٣ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ - ٥ أيلول ٢٠٢٥
714

من أقوى الغرائز في الإنسان غريزتا النسل والاقتناء؛ إذ عليهما يقوم بقاء الإنسان في شخصه ونوعه. وهاتان الغريزتان تدفعان بالإنسان إلى أن يسعى لجمع المال وتحصيله وتنميته وادخاره. قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14].
وقد تسلَّلت إلى عقول بعض الناس نظرة مجتزأة قاصرة عن مكانة المال وأهميته سواء على مستوى الفرد المسلم أو المجتمع الإسلامي، فتوهَّموا أن التقلل من المال أمر محمود مرغوب بذاته، وأن الفقير مفضَّل على الغني بإطلاق، وما إلى ذلك من تصورات بعيدة عن روح الإسلام ومقاصده.
وشابَ تصوّرُ بعض المسلمين للمال في الإسلام خلطٌ ظاهر بين الزهد المشروع والتزهيد المذموم، وبين الغنى المحمود والغفلة المردودة، فانبنى على ذلك انحراف في الميزان، واضطراب في السلوك، حتى نشأت ثقافة تُبجّل الفقر بغير شرط، وتذم الغنى دون قيد، فصار التقلُّل من الدنيا فضيلة، وحُسن التدبير تهمة، وطلب المال عيبًا، أو دليلاً على ضعف التوكل، أو الميل إلى الدنيا.
وفي هذا الخضم من التصورات المتداخلة، تأتي هذه الدراسة لتُعيد بناء الفهم الصحيح للمال في التصور الإسلامي.


هل مدح الإسلام الفقر؟:
فالإسلام لم يمدح الفقر ولم يأمر به ولم يمدح الفقراء أو يعلي من شأنهم، بل على العكس فقد مدح من استخدم مالَه في إعلاء شأن المسلمين.. فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ - قَالَ الحَسَنُ بْنُ وَاقِعٍ: وَكَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِي، فِي كُمِّهِ - حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: «‌مَا ‌ضَرَّ ‌عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ». رواه الترمذي، وقال: «حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ».


بالمال نُحرِزُ الأجر العظيم:
وإننا نرى همَّة الصحابة وتنافسهم في فعل الخير بما ورد في السنَّة أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب ‌أهل ‌الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: «وما ذاك؟» قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم؟ ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم» قالوا: بلى، يا رسول الله قال: «تسبحون، وتكبرون، وتحمدون، دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة» قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.


بالمال نستطيع إنجاز المشاريع الكبرى:
ولا شكّ بأن المال قوّة ومُكْنة، به يحقق المرء ما يصبو إليه من طموحات ومشاريع، وقبل ذلك به يشبع الإنسان حاجياته؛ فهذا ذو القرنين بعد أن عَرَض عليه قومُه أن يجعلوا له أجراً مقابل بناء سد يقي قومَه الشرور والمخاطر، فماذا كان فعله؟!
قال الله تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95)} الكهف.
قال الطبري: «قال ذو القرنين: الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السدّ بينكم وبين هؤلاء القوم ربي، ووطأه لي، وقوّانى عليه، خير من جُعلكم، والأجرة التي تعرضونها عليّ لبناء ذلك، وأكثر وأطيب، ولكن أعينوني منكم بقوة، أعينوني بفَعَلة وصناع يُحسنون البناء والعمل» «تفسير الطبري» 18/ 112.
قال ابن كثير: «قال ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس: أجرا عظيما، يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالا يعطونه إياه، حتى يجعل بينهم وبينهم سدا. فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: {ما مكني فيه ربي خير} أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه» «تفسير ابن كثير » 5/ 196.
قال سيد قطب: «فعندما وجدوه فاتحا قويا، وتوسموا فيه القدرة والصلاح.. عرضوا عليه أن يقيم لهم سدا في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين، ويغيرون عليهم من ذلك الممر، فيعيثون في أرضهم فسادا; ولا يقدرون هم على دفعهم وصدهم.. وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم. وتبعا للمنهج الصالح الذي أعلنه ذلك الحاكم الصالح من مقاومة الفساد في الأرض فقد ردَّ عليهم عرضهم الذي عرضوه من المال; وتطوع بإقامة السد». في ظلال القرآن 4 / 2293.
ومصداق ذلك حديث عمرو بن العاص رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «‌نعم ‌المال ‌الصالح للرجل الصالح» رواه أحمد في مسنده.
وروى البخاري في الأدب المفرد عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ عَلَيَّ ثِيَابِي وَسِلَاحِي، ثُمَّ آتِيهِ، ففعلتْ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ إِلَيَّ الْبَصَرَ ثُمَّ طَأْطَأَ، ثُمَّ قَالَ: " يَا عَمْرُو! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ، فيغنمُك اللَّهُ وَأَرْغَبُ لَكَ رَغْبَةً مِنَ الْمَالِ صَالِحَةً". قُلْتُ: إِنِّي لَمْ أُسلم رَغْبَةً فِي الْمَالِ، إِنَّمَا أسلمتُ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ فَأَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلم. فقال: «يَا عَمْرُو! نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحِ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ».


صور من اهتمام الإسلام بالمال:
ومن اهتمام الإسلام بالمال وكبير عنايته به أن حافظ عليه ورعاه أحسن الرعاية ونهى عن تبديده وهَدْرِه، فمن ذلك أنْ أمرَ من له ولاية على مال اليتيم أو الصغير أن يحافظ عليه: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا} النساء: آية: 5 - 6.
قال ابن كثير: «ينهى تعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها» «تفسير ابن كثير» 2/ 214. فالمال بنصِّ القرآن هو الذي به قيام الناس وصلاح أمر معايشهم وتجاراتهم.
قال الطبري: «قال أبو جعفر: أي: اختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم» تفسير الطبري 7/ 574.
كذلك من أنواع الحفاظ على المال أن نهى عن هدره وتبديده والإسراف فيه، فهذا نوع من أنواع السفه في التصرف: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)} سورة الإسراء.


أكبر مشكلتين في دول العالم الثالث:
وإن الناظر في أحوال دول العالم الثالث يجد أن أكبر المشاكل التي يعاني منها هي الفقر والجهل، وهاتان المشكلتان هما أس لكثير من المشاكل، فالفقير يمكن أن يدفعه فقره للكذب أو الاحتيال أو السرقة.. وكذلك الجاهل سيدفعه جهله إلى ارتكاب موبقات ومهلكات وسيبقى في حضيض التخلف والذل..
وقد قدرت الإحصائيات حوالي 700 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع (أقل من 2.15 دولار/يوم)، أي حوالي 8.5% من سكان العالم؛ وتتركز هذه الظاهرة في إفريقيا جنوب الصحراء وحولها، وذلك حسب موقع: worldbank.org. (1).
كذلك فإن 95% من الأميين في العالم يعيشون في الدول النامية، ونحو 70% منهم من النساء، مع تسجيل أمية تتجاوز 90% بين النساء في دول مثل النيجر وبوركينا فاسو .
وقد ارتفعت معدلات الأمية في الدول منخفضة الدخل بنحو 3 أضعاف مقارنة بمتوسطات العالم، مع تفاوت كبير بين المناطق . وتشير الأدبيات إلى فعالية زيادة الإنفاق على التعليم والصحة لدعم النمو شامل الفئات الأشد فقراً، وتقليص معدلات الجريمة المتعلقة بالفقر والجهل. (2).
وهنا يأتي التساؤل موضع الإشكال: وهو من أين تسللت فكرة ذم المال وذم الغنى؟!
ولدى البحث فإننا يمكن أن نجد لهذا التصوّر ما يسوغه ويبرره، إلا أن تلك المسوِّغات لا تُسلَّم لمن يستند إليها بكل الأحوال، خصوصا مع النظر في عدد الأدلة الشرعية فإنه يتبين لنا عكس ذلك، مما سيأتي بسطُه وبيانُه.
ومن تلك المسوغات لذلك التصور أن المال سيحاسب عليه العبد من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وأن حلال الدنيا حساب وحرامها عذاب..
والجواب على ذلك: أن يعمل المسلم بما يجب عليه في هذا المال وأن يؤدي حقَّ الله تعالى فيه. ألا ترى أن العلم قد يكون وبالا على صاحبه في بعض الأحيان؟ فهل الحل أن نمنعه عن العلم؟! أم أن نطلب منه القيام بحق العلم في ابتغاء رضى الله سبحانه فيما يتعلم!.


هل صاحب المال في همٍّ وكدر؟:
ومن الوجوه التي قد يُظنُّ أنها تنفِّر من المال، أن صاحبه في هم وغمّ وكدر وهو في جمعه والحفاظ عليه في شغل شاغل فكيف تصفو له نفسه ليفكر في معاده وآخرته؟!
والجواب عن ذلك: شتَّان بين من تعلق بالمال قلبه، ومن جعله في يده ولم يلتفت إليه قلبه. فلا شك أن من جعل همَّه الاستكثار من المال والازدياد منه وغفل عن آخرته ونسي حق الله تعالى فيه عمله مذموم وتجارته خاسرة.. فقد ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا ‌أَكْبَرَ ‌هَمِّي، وَلَا ‌مَبْلَغَ عِلْمِي. رواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط البخاري. والطبراني في الصغير.


إشكالٌ وردُّه:
ولعلَّ من يسأل فيقول: قد قرأت أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، أو أن الفقير الصابر يدخل الجنة قبل الغني الشاكر.
والجواب: أنه بعد صولات من النظر والجدل يمكننا القول: أنْ ليس فضلُ الغنيِّ على الفقير، ولا الفقير على الغني مطلقًا، بل كلٌّ منهما قد يفضل بحسب حاله وقربه من مولاه؛ ففي ميزان الإسلام لا يُقاس فضل العبد بكثرة ماله ولا بفقره، وإنما بتقواه وشكره وصبره وطاعته: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
الفقير الصابر قد ابتُلي بقلة المال، فحَبس نفسه عن التذمر، ورضي بما قسم الله، وأحسن الظن بربه. وقد بشّره الله تعالى فقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، ودخل الفقراءُ الجنة قبل الأغنياء، كما أخبر النبي ﷺ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَدْخُلُ الفُقَراءُ الجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِياءِ بنِصْفِ يَومٍ، خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ» رواه أحمد، والترمذي، والطبراني في الأوسط.
وبالمقابل فإنَّ الغني الشاكر قد آتاه الله فضيلة الشكر؛ فهو لا يكتفي بالرضا، بل يزيد عليه بالبذل والإنفاق، ويتحرك في مصالح الناس، فيطعم الجائع، ويكسو العاري، ويموّل المشاريع الخيرية، ويحمل همّ الأمة بماله، وقد قال رسول الله ﷺ: «‌لَا ‌حَسَدَ ‌إِلَّا ‌فِي ‌اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» أخرجه البخاري ومسلم، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما. فانظر فقد جعل النبي ﷺ هذا الغني موضع غبطة!
بل إن الله عز وجل يذكر شكر النعمة على أنه سبب الزيادة، فقال: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. فكيف تكون الزيادة - التي هي منّة من الله الكريم وجزاء للشاكرين – مذمومةً منفَّرا منها؟!.
ثم إن الغني الشاكر يُحاسب على ماله، نعم، ولكن له مجالٌ أوسع للأجر، فهو يعمل بماله، ويؤجر عليه، وينفق منه، ويُدخل السرور على القلوب. فإذا اجتمع مع ذلك إيمانٌ وتقوى، فإنه يكون أعظم نفعًا، وأوسع أثرًا، وأرجى أجرًا.
فالمسألة ليست مفاضلة بين غنى وفقـر، بل بين شكر وصبر، فإذا اجتمع الشكر مع العمل، والمال مع التقوى، فإن الغني الشاكر يتقدم، لا لحب الدنيا، بل لأنه جعلها سلّمًا إلى الآخرة.


تحرير موضع الخلاف:
قال الإمام ابن القيم: «وأمّا كلامهم في مسألة الفقير ‌الصّابر والغنيِّ ‌الشّاكر وترجيح أحدهما على صاحبه، فعند أهل التّحقيق والمعرفة: أنّ التّفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى، وإنّما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق. فالمسألة أيضًا فاسدةٌ في نفسها. فإنّ التّفضيل عند الله بالتّقوى وحقائق الإيمان، لا بفقرٍ ولا غنًى». «مدارج السالكين » (3/ 237).
ونقل ابن حجر عن ابن الجوزي أنه قال: صورة الاختلاف في فقير ليس بحريص وغني ليس بممسك؛ إذ لا يخفى أن الفقير القانع أفضل من الغني البخيل، وأن الغني المنفق أفضل من الفقير الحريص. قال وكل ما يراد لغيره ولا يراد لعينه ينبغي أن يضاف إلى مقصوده، فبه يظهر فضله.
فالمال ليس محذورا لعينه بل لكونه قد يُعَوِّق عن الله وكذا العكس، فكم من غني لم يشغله غناه عن الله وكم من فقير شغله فقره عن الله.. إلى أن قال: وإن أخذت بالأكثر فالفقير عن الخطر أبعد؛ لأن فتنة الغنى أشد من فتنة الفقر، ومن العصمة أن لا تجد
. «فتح الباري لابن حجر» (11/ 276).


حديث أبي سعيد وتوجيهه:
ومما قد يشكل أيضاً في تفضيل الفقر على الغنى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: "إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفًا، يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبّي المساكين وقرّبيهم، فإن الله يقربك يوم القيامة".
الحديث رواه الترمذي (2352) وابن ماجه (4126). وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، في إسناده مقال.
قال السخاوي: لا يحسن الحكم عليه بالوضع لا سيما وفي الباب عن أبي قتادة. المقاصد الحسنة (ص154). وفي «التخريج الصغير والتحبير الكبير» (3/ 34): «قال ابن الجوزي، وابن تيمية: إنه موضوع، وأنكر قولَهما بعضُهم».
قال ابن رجب: "المقصود بالمسكنة هنا: الخشوع، والتواضع، وعدم الاستعلاء في الأرض، وهذا من أخصّ صفات العبودية." فتح الباري لابن رجب 3/313.
فهو صلى الله عليه وسلَّم «لم يسأل مسكنة ترجع للقلة بل إلى الإخبات والتواضع. ذكره البيهقي وجرى على قضيته حجة الإسلام، حيث قال: استعاذته من الفقر لا تنافي طلب المسكنة؛ لأن الفقر مشترك بين معنيين: الأول الافتقار إلى الله والاعتراف بالذلة والمسكنة له والثاني فقر الاضطرار وهو فقد المال المضطر إليه كجائع فقد الخبز فهذا هو الذي استعاذ منه. والأول هو الذي سأله اهـ.
وسئل الشيخ زكريا عن معنى هذا الحديث فقال: معناه طلب التواضع والخضوع وأن لا يكون من الجبابرة المتكبرين والأغنياء المترفين اهـ. ومنه أخذ السبكي قوله المراد استكانة القلب لا المسكنة التي هي نوع من الفقر فإنه أغنى الناس بالله»
[فيض القدير، للمناوي 2 / 102].
قلتُ: وبهذه التوجيهات من شُرّاح الحديث يندفع الإشكال الوارد، فضلاً عن أن سنده ليس بذاك.


حديث أبي هريرة وتوجيهه:
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسمائة سنة». رواه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه.
وهذا الحديث استدلَّ به من رأى أن الفقر أفضل من الغنى، وأقول: إن الفقير بطبيعة الحال يقلُّ حسابه لقلة ماله فيدخل الجنة قبل الغني، ولا يشترط أن يكون أفضل من بعض الأغنياء، فقد يدخلُ أحدُ الأغنياء بعدَه الجنةَ ويكون أعلى منه في الدرجة.
ولا شك أن محنة الصابر أشد من محنة الشاكر، كما قال مطرف بن عبد الله لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، وكأنَّ السبب فيه ما جُبِل عليه طبع الآدمي من قلة الصبر، ولهذا يوجد من يقوم بحسب الاستطاعة بحق الصبر أقل ممن يقوم بحق الشكر بحسب الاستطاعة.
ثم إنه لا يَبْعُد أن يكون في هذا الحديث وأمثاله تسليةٌ للمؤمنين الفقراء الذين بذلوا أسباب الكسب وابتلاهم الله بالفقر فرضوا بقضاء الله وصبروا فنالوا الدرجات العظيمة.


حديث دعاء النبي ﷺ لآل بيته:

أما ما ورد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اللهمَّ اجعلْ رزقَ آلِ محمَّدٍ قُوتًا» أخرجه البخاري ومسلم. فمعناه: قدرُ الكفاية، لا زيادةٌ ولا ترف.
و«فيه ما كان عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من القصد في أموره والتقلل من دنياه والاقتصاد منها على الحاجة، فدعاؤه أن يكون رزق آله ‌قوتًا يقيم حالهم، ويصلح أمرهم، ويكفيهم الجهد، وليس فيه فضول تخشى عليهم فتنتهُ، ويُخاف وباله». إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (3/ 593).
وقد «سلك صلى الله عليه وسلم طريق الاقتصاد المحمود، فإن كثرة المال تلهي وقلته تنسي، فما قلَّ منه وكفى خير مما كثر وألهى» شرح المشكاة للطيبي (10/ 3279).
قال النووي: فيه فضيلة هذه الأوصاف، والكفاف الكفاية بلا زيادة ولا نقصان. وقال القرطبي: هو ما يكفُّ عن الحاجات ويدفع للضرورات ولا يلحق بأهل الترفهات. ومعنى الحديث أن من اتصف بتلك الصفات حصل على مطلوبه وظفر بمرغوبه في الدنيا والآخرة.
لذا فإن خير الأمور أوسطها، ولذلك سألها المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنه لا يسأل لهم إلا أفضل الأحوال؛ والكفاف حالة سليمة من آفات الغنى المطغي وآفات الفقر المدقع الذي كان يتعوَّذ منهما، فهي أفضل منهما، فعُلِم بهذا أن الحديث لا يصلح دليلا على تفضيل الفقر على الغنى.


حديث: أكثر أهل الجنة الفقراء
رواه البخاري من حديث عمران بن حصين، ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «‌اطَّلَعْتُ ‌فِي ‌الجَنَّةِ ‌فَرَأَيْتُ ‌أَكْثَرَ ‌أَهْلِهَا ‌الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ».
قال ابن بطال ت: 449هـ: «ليس فى قوله (صلى الله عليه وسلم) : (اطلعت فى الجنة فرأيت ‌أكثر ‌أهلها ‌الفقراء) . ما يوجب فضل الفقراء، وإنما معناه أن الفقراء في الدنيا أكثر من الأغنياء، فأخبر عن ذلك كما نقول أكثر أهل الدنيا الفقراء، لا من جهة التفضيل، وإنما هو إخبار عن الحال، وليس الفقر أدخلهم الجنة، إنما أدخلهم الله الجنة بصلاحهم مع الفقر؛ أرأيت الفقير إذا لم يكن صالحًا فلا فضل له فى الفقر». «شرح صحيح البخارى لابن بطال» 10/ 173.
وبنحو قوله قال ابن حجر ت: 852هـ في فتْحِه، ثم قال: «ظاهر الحديث التحريض على ترك التوسع من الدنيا» «فتح الباري لابن حجر» 11/ 279.
وقريب منه أيضًا ما رواه البخاري عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينَ، ‌وَأَصْحَابُ ‌الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ».
قال ابن بطال: «قال المهلب: فيه من الفقه أنَّ أقرب ما يدخل به الجنة التواضع لله تعالى، وأن أبعد الأشياء من الجنة التكبُّر بالمال وغيره، وإنما صار أصحاب الجَدِّ ‌محبوسون لمنعهم حقوقَ الله الواجبة للفقراء في أموالهم، فحُبسوا للحساب عما مَنعوه، فأما من أدَّى حقوقَ الله في أمواله، فإنه لا يُحبس عن الجنة، إلا أنهم قليل، إذ كثر شأن المال تضيع حقوق الله فيه؛ لأنه محنة وفتنة، ألا ترى قوله: (فكان عامة من دخلها المساكين)، وهذا يدلُّ أنَّ الذين يؤدُّون حقوقَ المال ويسلمون من فتنته هم الأقل». «شرح صحيح البخاري لابن بطال» 7/ 318.


أدلة تفيد عدم ذم الغنى والأغنياء:
وفي ذلك ما ورد من قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عندما عاده صلى الله عليه وسلم من مرض ألمَّ به، فاستأذنه سعدٌ أن يتصدق بثلثي ماله فنهاه صلى الله عليه وسلم، ثم بشطره فنهاه، ثم بثلثه فأجازه، وقال له: الثلث والثلث كثير.
عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا» فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لَا» ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». رواه البخاري ومسلم.


ضبط المسلم عند إنفاق المال ليغلب جانب العقل:
فالمنفق والذي يصرف ماله – حتى وإن كان في وجوه الخير والبر - لا بد أن يكون متأنيا وأن يتحرر من تأثير عاطفته بحيث يوازن بين واجباته ومسؤولياته وبين ما يرغب أن يتطوع فيه؛ فهذا كعب بن مالك رضي الله عنه عندما جاءته البشرى من الوحي بقبول توبته بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فقرَّر أن ينسلخ من ماله صدقةً لله تعالى ولرسوله. فماذا كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم؟! قَالَ: «‌أَمْسِكْ عَلَيْكَ ‌بَعْضَ ‌مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: فَإِنِّي ‌أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. رواه البخاري ومسلم. فلم يأذن له عليه الصلاة والسلام أن ينفق كل ماله.


نظرة إجمالية على تشريعات الإسلام في الإنفاق:
ويطيب لي هنا أن أذكِّر بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)} فالقوة والمَنعة للدولة الإسلامية لا تكون إلا بالقوة على اختلاف أنواعها، ومن عناصر القوة الأساسية (المال) فبه تصنع الأسلحة وتُطَوَّر التقانة (التكنولوجيا) في المجالات العلمية والحربية على وجه الخصوص، وعلى كل حال فإن أيَّ جانب من جوانب القوة فالأمة الإسلامية مأمورة أن تتبوأ فيه مركز الصدارة. ألا ترى أن لفظ: (قوَّة) في الآية الكريمة جاء منكّرًا ليعم كل الأنواع.
بعدها تأمل – يا رعاك الله - خاتمة الآية حيث حثَّت على الإنفاق في سبيل الله تعالى لإعلاء شأن المسلمين. فاكتساب المال وإنفاقه يكون في وجوه الخير وسبل البر..
وإذا نظرنا في وجوه الإنفاق المتنوعة التي دعت إليها الشريعة سواء الواجبة أو المندوبة نراها تحقق معاني عظيمة على مستوى الفرد والجماعة، فالإسلام يدعو الفرد المسلم لأن يكون معطاء منفقا منتجا، ولا يتحقق له ذلك إلا بالكسب والتجارة وامتهان حرفة ما؛ فعَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ «‌الْيَدُ ‌الْعُلْيَا ‌خَيْرٌ ‌مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ» أخرجه البخاري ومسلم.
كذلك على مستوى المجتمع المسلم والدولة الإسلامية فلا بد أن تعمل الأمة بأسباب القوة والتمكين، فالمال وسيلة لتعمير الأرض: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]. وإن لم تحقق أمة اكتفاءها الذاتي على مستوى الغذاء والصناعات فستكون تابعة للخارج مسلوبة الإرادة.
ووجوه الإنفاق المشروعة التي أعني مثل الزكاة المفروضة وزكاة الفطر؛ فالزكاة تشجع على تحريك الأموال واستثمارها بدل اكتنازها؛ لأن المال الراكد مهدد بالنقص، وهذا يصنع دورة اقتصادية نشطة تقضي على الكسل المالي والتخزين غير المنتج. وبالعموم فإن فلسفة الإسلام في تشريع الزكاة هي بناء الإنسان وحفظ كرامته وجعله فردا منتجا فاعلا لا إعانته أو سد جوعه فحسب.
والكفارات التي هي واجبات مالية لرفع إثم معين، والنفقة الواجبة، والصدقة العامة، والهدية، والقرض الحسن، والوصية التي تكون بعد موت الإنسان، وتجهيز الغزاة في سبيل الله تعالى، والوقف الإسلامي الذي يعدُّ أعظم أدوات تنمية المجتمع وتمويل الخدمات العامة كالتعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية.
وهكذا، يتبيّن لنا أن الإسلام لم يأتِ بهدم الغنى ولا بتمجيد الفقر بإطلاق، بل أرسى نظرة متوازنة تجعل المال أمانة واختبارًا، لا مقياسًا للتقوى ولا غاية للوجود. فالعبرة ليست في قلة المال أو كثرته، بل في موقعه: أهو في اليد أم في القلب؟ وهل يُنفق في طاعة الله أم في غواية النفس؟ وهل يُقرّب صاحبه إلى الناس وإلى ربه، أم يعزله في علياء وهمية؟


خاتمة:
لقد حرّر الإسلام العقل المسلم من التصورات السلبية التي تُصوّر الغنى مذمّةً، والفقر فضيلةً مطلقة، ووجّه الإنسان إلى أن يكون منتجًا، مُجتهدًا، منفقًا، نافِعًا لأمته، لا عالة على غيره ولا عالة على الزمان. وجعل من المال وسيلة للارتقاء، لا وسيلة للتكبّر أو الترف.
وإذا أُعيد لهذا المفهوم توازنه في عقول الأفراد، وسُيّرت الموارد في سبيل الله، وعُمِّرت الأرض بالكسب الحلال والجهد المثمر، فإن المال سيعود بوابةً للنهضة، لا عقبةً في الطريق إليها. وإنّ في التوازن بين الزهد في القلب والغنى في اليد، وبين الكسب المشروع والإنفاق الراشد، سرًّا من أسرار حضارة الإسلام التي نهضت قديماً، وآن لها أن تتجدد.


الهوامش:
(1) https://www.worldbank.org/en/publication/poverty-prosperity-and-planet?utm_source
(2) https://journalofeconomicstructures.springeropen.com/articles/10.1186/s40008-020-00220-6?utm_source=chatgpt.com


بقلم: أحمد بلال البيانوني

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...