لا شك ان انصع طرق المقاومة لزنادقة الباطنية من طرف علماء المالكية في المغرب العربي خلال القرن الرابع هجري تبقى نبراسا للعلماء في مقاومتهم للباطنية والملاحدة في كل الاماكن والازمان, ولقد اتبع علماء المالكية كل السبل الشرعية السياسية للتصدي للباطنية العبيديين, وقد كللت مجهوداتهم بعد 60 سنة في دحر العبيديين من المغرب العربي, عكس ما وقع في مصر حيث استطاع العبيديون البقاء لمدة قرن ونصف.
واتبع علماء المالكية السنة التنوع في مقاومتهم كل حسب ما يحسنه ويقدر عليه ونلخص اساليبهم فيما يلي:
فلا اعلم ان احدا لم يجعل الباطنية من نصيرية وغيرهم مسلمين على مر العصور, فكيف بالرضى بسيطرتهم على البلاد, فهذا مما لا يماري فيه الا ضال او مغرر به.
قال يوسف بن عبد الله الرعيني: (أجمع علماء القيروان - أبو محمد بن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي، وأبو القاسم بن شلبون، وأبو على بن خلدون، وأبو محمد الطبيقي، وأبو بكر بن عذرة -؛ أن حال بني عُبيد حال المرتدين والزنادقة فحال المرتدين ؛ بما أظهروه من خلاف الشريعة، فلا يورثون بالإجماع.
قال عياض: وعلى هذا كان جبلة بن حمود ونظرائه؛ ربيع القطان، وأبو الفضل الحمصي، ومروان ابن نصرون، والسبّائي، والجبيناني، يقولون ويفتون .
كان الفقيه أبا عثمان سعيد بن محمد يناظر علماء العبيديين ويبين كفرهم, رغم قلة بضاعته في المناظرة ، فارتفع شأنه بين الناس واكتسب مهابة وإجلالا.
أمّا صاحبه أبو بكر بن القمودي الذي كان اذكى من سعيد ويتقن أصول المناظرات فناظرهم مرة ثم خاف فاعتذر, فخفت ذكره بين الناس, . الخشني- طبقـات علمـاء إفـريقية- ص214.
وقتل فقهاء مالكية كثر منهم ابن البردون وابن هذيل، وطيف بهما مربوطين إلى بغل مسحوبين على وجههما في القيروان ثمّ صلبا, وأوتي بأبي عبد الله محمد بن عبد الله السدري المجاهر بعداوة الشيعة المبايع على جهادهم، ولمّا أوقف بين يدي عبيد الله قال له: "أنت الشاتم لنا الذاكر عنّا أنا أحدثنا في الإسلام الحوادث"، فقال له: "نعم أنا القائل بذلك"، فقال له: "وما الذي رأيته منّا؟"، فأخبره بكلّ ما يعتقده في الدين والإسلام، وكلّ ما أحدث فيهما، فقال حينئذ عبيد الله لأوليائه: "اضربوا عنقه"، فقتل رحمه الله.
ترك أبو يوسف جبلة بن حمود رباطه في الثغر وأتى القيروان ليسكنها على رأس المعارضين، فسأل عن سبب ذلك، فقال: "كنّا نحرس عدوا بينه وبيننا البحر فتركناه وأقبلنا على حراسة هذا الذي حلّ بساحتنا لأنّه أشدّ علينا من الـروم"
وسئل الفقيه القـيرواني الزاهد ابن عذرة عن خطباء بني عبيـد، وقيل له: "إنّهم يثنون عليهم"، قال: "أليس يقولون اللهم صلّ على عبـدك الحاكم وورّثه الأرض"، قـالوا: "بلى"، قـال: "أرأيتم لـو أنّ خطيبا خطب فأثـنى على الله ثمّ قـال أبو جهل في الجنة، أيكون كافرا"، قالوا: "نعم"، قـال: "فالحاكم شرّ من أبي جهل" ريـاض النفـوس في طبقـات علمـاء القيروان وإفريقية وزهّادهم ونسّاكهم للمالكي- ج2، ص 43..
وافتى الداودي في نفس المسألة فقال من صلّى الجمعة وراءهم أعادها ظهرا أربعا، ثمّ لا يقيم إذا أمكنه الخروج ولا عذر له بكثرة عياله ولا غيره. القاضي عياض، المصدر السابق، ج3، ص 719..
ودخل أبو يوسف جبلة بن حمود المسجد الجمعة فسمع خطبة الموالاة فكشف عن رأسه حتى رآه الناس ومشى من المنـبر إلى آخر بـاب في الجامع والنـاس ينظرون إليه وهو يقول: "قطعوها قطعهم الله"، فمن حينئذ ترك العلمـاء حضـور جمعهم، وهو أول من نبّه على ذلك.
كان أبو إسحاق السبائي من فقهاء القيروان وكان من أشدّ الناس بغضا للشيعة، وكان إذا رقي أحدا يقرأ في رقيته الفاتحة والمعوذتين كلّ سورة سبع مرّات، ثمّ يقول في آخر رقيته: "ببغضي بني عبيد وذويه وحبّي في نبيّك وأصحابه وأهل بيته" ابن حماد الصنهاجي، ص 176).
افتى العلماء المالكية بالخروج مع ابي يزيد الخارجي ضد العبيديين وقال الفقيه أبو الفضل الممسي: "إنّ الخـوارج من أهل القبلة لا يزول عنهم اسم الإسلام ويورثون ويرثون، وبنو عبيد ليسوا كذلك لأنّهم مجوس زال عنهم اسم الإسلام، فلا يتوارث معهم ولا ينسب إليهم" ريـاض النفـوس ، ج2، ص 298..
وشارك بعض العلماء المالكية برمزيتهم فقال ربيع بن سليمان القطان: أنه لا يشبع من طعام حتى يقطع الله دولة بني عبيد" ومشى أبو ميسرة الضرير وهو اعمى شاهرا السلاح في القيروان مع المتطوعين لقتال العبيديين. ترتيب المدارك للقاضي، ج3، ص 317.
وأمّا من لم يستطع المقاومة من العلماء فاختار الفرار بدينه، ومن هؤلاء أبو محمد يونس بن محمد الورداني الذي فضّل رعي البقر في البـوادي بعيدا عن أعين الشيعة، وكان هذا سببا لخمول ذكره عند علماء القيروان. ريـاض النفـوس ج2، ص 45.
فقد سُئل أبو محمد الكبراني القيرواني عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم أو يُقتل؟ قال: (يختار القتل، ولا يعذر أحد بهذا إلا من كان أول دخولهم البلد قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد؛ فقد وجب الفرار، ولا يُعذر أحد بالخوف بعد إقامته، لأن المقام في موضع يُطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز، وإنما أقام فيها من العلماء والمتعبدين على المباينة لهم، يخلو بالمسلمين عدوهم فيفتنونهم عن دينهم).
كان الفقيه الكبير أبو القاسم بن خلف بن أبي القاسم الأسدي المعروف بالبرادعي احد حفّاظ المذهب المالكي يداري العبيديين ويمشي معهم، فبغضه اصحابه، ويقال: "إنّ الفقهاء أفتوا برفض كتبه وترك قراءتها" القاضي عياض، ج3، ص 709..
وباع بعض الوجهاء والعلماء دينهم بالدنيا فتشيّع طمعا في المناصب وطلبا للدنيا، فمحمد بن محفوظ القمودي، وإسحاق بن أبي المنهال، وليا القضاء للعبيديين، وأمّا عبد الملك بن محمد الضبي فتشيّع لحبّه المال، وكانت خطّة كتابة الوثائق تكفل ذلك، والشيعة لا يمنحونها إلا لمن تشيّع، ونال علي بن المنصور منصب القضاء بعد تشيّعه هو الآخر. طبقات علماء افريقية للخشني: ص 217. فشنع عليهم الناس وافتى الفقهاء بان حكمهم حكم العبيديين
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


