من بدهيات إدارة الصراع أن العامل الموثر في حسم نتيجة الصراع ليس هو حجم ونوعية القوى التي لدى المتصارعين، ولكن هناك عوامل أكثر أهمية منها على سبيل المثال وليس الحصرما يعرف باستراتيجيات إدارة الصراع, والتي تتحدَّد فيما يلي :
بمعنى آخر: ما أقصى ما يمكن أن يقدمه كل طرف لتحقيق الحسم , هل هناك حد يقف عنده أم ليس هناك حد لبذله حتى يحسم الصراع لصالحه؟
الطرف الأول: وهم المصريون بكل فئاتهم وقد ذاقوا الذل ألوانا واكتسبوا ثقتهم بذاتهم وخلعوا كنز إسرائيل الاستراتيجي ومشروعه لتوريث ابنه , ونعموا عاما بالحرية فليس لديهم ما يبقوا عليه وقد تكشفت أبعاد المؤامرة.
يقود الشعب في هذا الصراع التيار الاسلامي مؤكدًا على قيمة الدفاع عن الشرعيَّة والوقوف في وجه من يخرج على حاكم شرعي منتخب بارادة شعبية كاملة. إذن ليس هناك حدود للبذل وقد سمعنا تهاني لأهل الشهداء والتسابق الى الزحف في مظاهرات المعارضة السلمية طمعا في إحدى الحسنيين.
الفريق الثاني: وهم أذناب النظام البائد والفاسدين من الشرطة والقضاء والإعلاميين ومنفذو الانقلاب ويدعمهم ماليا دون حدود رجال الأعمال الفاسدين والمتخلف الخلفان وزمرته, وينفذ مشروعه التدميري في الشارع البلطجية بالأجر.
نعم الفريق الثاني لديه كل أسباب القوة من عهر إعلامي وعلى أرض الواقع كل أنواع الأسلحة في يد البلطجية والبلاك بلوك وهم شباب الكنيسة وفرق من الأمن المركزي, لكن كلهم يعملون بالأجر لحساب من سيطير على أول طائرة للإمارات عند استشعاره بالخطر.
وفي المقابل شعب يعتمد على الله فقط، وكفى به نصيرا يؤمن بعدالة قضيته بعد أن خذله قادة الانقلاب وتكالب عليه الفسَدة من الداخل وأعداء الأمة من الخارج.
إن الشعب يملك المبادرة ولذا فهو الذي يحدد وقت وساحة الصراع وحجم ونوعية القوى المتظاهرة.
لا شك أن قادة الانقلاب قد بوغتوا بالملايين التي خرجت في معظم محافظات مصر وكذلك التنوع بحيث تتضمنت كل فئات المجتمع الدينية والعمرية والثقافية ويمكن فعلا القول أنها ملحمة مصر ضد الانقلابيين, والكل لاحظ عدم قدرتهم على سرعة حشد قوات تفريق المظاهرات
راهن قادة الانقلاب على عامل الوقت, وأنها مجرد هوجة وستنفض خاصة مع قدوم رمضان وشدة الصيف, لكن خاب ظنهم إذ بالروح الإيمانيَّة التي تصاحب الصيام تُشعل إرادة التحدي وتتضاعف الأعداد وازداد اصرار المصريين على النيل ممَّن امتهن كرامتهم, فنشاهد مائدة إفطار قياسية لم تشهدها مصر عبر تاريخها الاسلامي الجليل, وتثور مطروح فتباريها أسوان، وتشتعل سيناء كردٍّ انتقاميٍّ من البدو بعد أن شعروا بالمواطنة لأول مرة في تاريخهم في عهد د.مرسي.
مداهمة واعتقال رموز الإخوان , مجزرة مصلي الفجر والمعاملة السيئة للمواطنين بصفة عامة والإسلاميين بصفة خاصة, ولكن لم يزيد ذلك المتظاهرين إلا إصرارا على حريتهم.
وفي محاولة التأثير النفسي رمي منشورات بفض المظاهرات وعدم الملاحقة الأمنية, ثم التهديد بملاحقة من يسب الانقلابيين عبر شبكات التواصل الاجتماعي, كل ذلك زاد المصريين على الحفاظ على حريتهم وكرامتهم التي نعموا بها رغم ما كان من انتقادات لرئيسهم د.مرسي.
إن من أعلى درجات الغباء سمتين : السمة الأولى: عدم إدراك الواقع والعيش في محيط مرئي يصنعه المتخلف من تخيلاته ويتصرف بناء عليه وكأنه الواقع الحقيقي, وهو معذور لأنه مغيّب .
أما السمة الثانية فهي عدم رؤية الأشياء بحجمها وتأثيراتها الحقيقية فيرى القطار القادم عليه بسرعة 150كم, وكأنه لعبة أطفال تسير في الاتجاه العكسي!
للأسف هذا ما يعاني منه قادة الانقلاب ومن دفعوهم لحتفهم فهم مغيَّبون, ومستشارهم الأفاك والذي زيَّن لعبد الناصر غيَّه فأورده المهالك, والذي مازال يعيش في فكر الخمسينيات ينصحهم بما بما كان يفعله صلاح نصر وحمزة البسيوني.
إنهم لا يدكرون حجم مصيبتهم ويتخيلون أن العهر الإعلامي سوف يمحو أفكار الشعب ويتنازل عن أحلامه في الحرية والكرامة.
لقد صور لهم جهلهم أن المشكلة هي فقط مع الإخوان! وهذا سهل ولديهم خبرة معهم , ومع تلفيق بعض قضايا وأحكام وتمثيلية انشقاق بعض الشباب على الجيل القديم سوف تنهي الأزمة, ولا يدركون أن المشكلة مع الشعب الذي قرر عدم العودة لجزمة الباشا.
لذا فالشعب الذي صادروا دستوره وحلُّوا مجلس النواب ومجلس الشورى الذي اختارهما، وعزلوا رئيسه الذي مثَّله وكافح من أجل أن يحصل على رئيس وطني شريف لن يسكت الشعب وسيسحقهم بإذن الله خلال الساعات القليلة القادمة.
فهل يدرك الانقلابيون مصيرهم قبل فوات الأوان؟
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


